في هدوء الليل، وبين أنفاس طفلك الصغيرة، تبدأ حكاية مختلفة من القلق لا تشبه أيّ شعور آخر. تقتربين منه بخفة، تراقبين صدره وهو يرتفع ويهبط، وربما تضعين يدك عليه لتتأكدي من أنه يتنفس. هذا القلق طبيعي؛ بل هو أحد أصدق تعبيرات الأمومة. لكن الحقيقة التي لا تعرفها كثير من الأمهات، هي أن الخطر لا يأتي دائماً من موقف واضح أو حادث مفاجئ؛ بل قد يكمن في تفاصيل يومية بسيطة نمارسها بحسن نية، فيما نعتقد أنها تحمي الطفل، بينما هي قد تعرّضه للخطر. فما هي الأخطاء الشائعة التي تقوم بها الأمهات وتعرّض حياة المولود للخطر؟

في هذا السياق، تحدثنا إلى الدكتورة سوميترَا ماني، أخصائية طب الأطفال في مركز ميدكير الطبي، وقد كشفت الدكتورة عن مجموعة من الأخطاء والممارسات الشائعة التي يمكن أن تحدث أثناء نوم الرُضع، ويمكن أن تعرّضهم للخطر أثناء النوم؛ مؤكدة أن الوعي بهذه التفاصيل هو العامل الأهم في الوقاية؛ خاصة خلال الأشهر الأولى من حياة الطفل؛ حيث يكون أكثر حساسية وأقل قدرة على حماية نفسه.
استخدام وسائد الحماية: خطر غير مرئي

تلجأ كثير من الأمهات إلى وضع الوسائد حول الطفل أثناء النوم، بدافع حمايته ومنعه من الحركة أو السقوط. لكن، بحسب دكتورة سوميترَا ماني، هذا التصرف قد يكون من أخطر الممارسات على الإطلاق. فالرضيع لا يمتلك بعدُ القدرة الكافية على تحريك رأسه أو إبعاد أيّ جسم يعيق تنفسه؛ مما يجعله عُرضة للاختناق من دون أن يتمكن من إنقاذ نفسه.
كما ترتبط هذه الحالات بما يُعرف بـ متلازمة موت الرُضع المفاجئ، والتي يُطلق عليها أيضاً: "موت المهد"، وهي حالة تحدث غالباً أثناء النوم، من دون أيّة علامات تحذيرية مسبقة؛ مما يجعل الوقاية منها مسؤولية تعتمد بشكل كامل على البيئة المحيطة بالطفل.
النوم المشترك بين الأم والطفل
أبرز أضرار ومخاطر النوم المشترك هو متلازمة موت الرُضع المفاجئ (SIDS)؛ حيث أثبتت الدراسات أن مشاركة السرير تَزيد من احتمالية حدوثها؛ خاصة لحديثي الولادة. كما يمكن أن يتسبب النوم المشترك بالاختناق العرَضي، بسبب تقلب الأم، أو الوالد، أو الوسائد والأغطية الثقيلة. أو احتمالية سقوط الطفل من سرير الوالدين المرتفع. وكذلك سهولة انتقال الجراثيم والفيروسات والبكتيريا من الأهل إلى الطفل.
كما يعاني الرُضع والأمهات الذين يتشاركون السرير، من نوم أقصر وأقل عمقاً؛ مما قد يولّد اعتماداً نفسياً للطفل على الأم؛ مما يصعب فصله لاحقاً. ولا ننسى أن نوم الطفل بجوار الوالدين، قد يؤثّر سلباً على العلاقة الخاصة بينهما. لذلك ينصح الخبراء بنوم الطفل في نفس الغرفة مع الوالدين، ولكن على سطح منفصل وآمن (مثل سرير الأطفال الملاصق) لتقليل مخاطر الاختناق.
استخدام ملاءات أو أغطية فضفاضة
البطانية ببساطة قد تنهي حياة طفلك؛ حيث تحرص العديد من الأمهات على تغطية الطفل ببطانيات الرُضع للحفاظ عليه من التعرُّض لتيارات الهواء البارد، والإصابة بنزلات البرد. ومع ذلك، ليس من الآمن استخدام أيّ نوع من الفراش الفضفاض في سرير الطفل، خلال السنة الأولى من حياة المولود. مثل البطانيات، واللحف، التي تؤدي إلى الاختناق العرَضي أو ارتفاع درجة الحرارة، وهو عامل خطر لمتلازمة موت الرضيع المفاجئ.
ترك البطانيات غير مثبّتة بإحكام داخل سرير الطفل

توصي لجنة سلامة المنتجات الاستهلاكية الأمريكية (CPSC) والأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP)، بوضع الأطفال الرُضع دون سن 12 شهراً، في سرير أطفال من دون أيّة أغطية ناعمة تحت أو فوق الطفل؛ لتجنُّب مخاطر الاختناق أو متلازمة موت الرُضع المفاجئ. وأن يُستبدل بها بيجامة نوم أو ملابس نوم أخرى كبديل للبطانيات من دون أيّ غطاء آخر. هذه التفاصيل قد تؤدي إلى انزلاق الغطاء فوق وجه الطفل، أو ضغط غير مقصود عليه أثناء النوم؛ مما يَزيد من خطر الاختناق. المشكلة ليست في نيّة الأم؛ بل في عدم إدراك أن الرضيع لا يستطيع تعديل وضعه أو إزالة أيّ عائق يهدد تنفسه.
النوم على الأريكة: خطر لا يُستهان به
وهذا يعرّض المولود لخطر الاختناق؛ حيث يمكن لحواف الأريكة أن تغطي وجه الطفل أو تعيق تنفسه. أظهرت دراسات أن آلاف الرضع يموتون سنوياً بسبب النوم على الأرائك أو في أماكن غير مخصصة للنوم. ويعرّضه للانحشار والسحق؛ خصوصاً عند نوم الرضيع بجوار شخص بالغ على الأريكة. كما أن الأريكة عادة ما تكون مرتفعة؛ مما يعرّض الطفل لخطر السقوط والتعرُّض لإصابات خطيرة. توصيات للسلامة: لا تُعتبر الأريكة مكاناً آمناً لنوم الرضيع، لاسيّما أثناء القيلولة أو عند نوم الوالدين؛ حتى وإن بدا الأمر مؤقتاً أو غير مقلق؛ فإن هذه الأساليب في النوم تعَد من عوامل الخطر المعروفة، ويجب تجنُّبها تماماً.
النوم على البطن: راحة خادعة

قد تلاحظ بعض الأمهات أن الطفل ينام بشكل أعمق عندما يوضع على بطنه؛ مما يعطي شعوراً بالاطمئنان. لكن هذا الشعور قد يكون مضللاً. توضح دكتورة سوميترَا ماني أن هذه الوضعية، رغم أنها قد تساعد في تقليل المغص وتحسين النوم، إلا أنها غير آمنة؛ لأنها قد تؤثّر على التنفس. الأمان هنا لا يُقاس بمدى هدوء الطفل؛ بل بمدى سلامة تنفسه أثناء النوم.
حرارة الغرفة: عامل صامت لكنه مؤثّر
من التفاصيل التي قد لا تنتبه لها كثير من الأمهات، درجة حرارة الغرفة. تشير الدكتورة إلى أن الحرارة المثالية لنوم الرضيع تتراوح بين 18 و21 درجة مئوية.
ارتفاع الحرارة قد يؤدي إلى كثرة التعرق عند المولود، واضطراب التنفس، وهو عامل مرتبط أيضاً بزيادة مخاطر النوم غير الآمن. لذلك، من المهم الحفاظ على بيئة معتدلة، وتجنُّب تغطية الطفل بشكل مفرِط.
مخاطر منتجات الأطفال: بين التسويق والحقيقة
مع تطور الأسواق، ظهرت العديد من المنتجات التي تُسوّق على أنها تساعد في نوم الطفل، مثل الوسائد الذكية وأجهزة تثبيت رأس المولود. لكن الدكتورة تحذر من الاعتماد عليها؛ مؤكدة أنها غير مدعومة بأدلة علمية؛ بل وقد تكون غير آمنة. فالأمان الحقيقي لا يأتي من هذه المنتجات؛ بل من الالتزام بالقواعد الأساسية للنوم الآمن.
القماط: راحة بشرط الاعتدال
القماط، أو لفّ الطفل، قد يكون وسيلة فعالة لمساعدته على النوم بهدوء؛ لأنه يمنحه شعوراً بالاحتواء. لكن يجب استخدامه بحذر؛ بحيث لا يكون مشدوداً بشكل مفرِط؛ حتى لا يؤثر على حركة الطفل أو تنفسه.
النوم في العربة أو كرسي السيارة
إن نوم الطفل في عربة الأطفال أو كرسي السيارة، مسموح به لفترات قصيرة أثناء التنقل. لكن لا يُنصح بأن يستمر لأكثر من نصف ساعة؛ لأنه قد يؤثّر على التنفس، وكذلك على حالة العمود الفقري. وينطبق الأمر نفسه على الكراسي المرتفعة.
6 علامات تحذيرية لا يجب تجاهلها
رغم الالتزام بكلّ الإجراءات، هناك علامات يجب أن تكون الأم على وعي بها أثناء نوم طفلها، مثل:
- تغيُّر لون الوجه أو الشفاه إلى الأزرق أو الشحوب.
- صدور أصوات أنين غير طبيعية.
- غياب حركة الصدر.
- تسارُع التنفس بشكل مستمر.
- حدوث سعال واختناق متكرر عند المولود.
- ظهور حركات غير طبيعية في اليدين أو القدمين.
ظهور أيٍّ من هذه العلامات، يستدعي تدخلاً طبياً فورياً.
كيف تطمئن الأم من دون قلق زائد؟
تابعي هذه التوجيهات؛ فليس الغرض منها زيادة القلق؛ بل تعزيز الوعي. يمكن للأم أن تراقب طفلها بشكل دوري، وتتأكد من أن لونه طبيعي ووردي، وأن تنفسه منتظم، وأنه ينام في بيئة آمنة.
- استخدمي أجهزة المراقبة أو الكاميرات، لكن أجهزة مراقبة التنفس ليست ضرورية، وقد تَزيد القلق أكثر مما تفيد.
- اعلمي أن هذه التوصيات لا تقدّم "معلومة سرية" بقدر ما تعيد تصحيح مفاهيم ترسخت لدى كثير من الأمهات. فليست كلّ التفاصيل التي تبدو حنونة آمنة، هي كذلك كما نعتقد؛ فالوسائد التي توضع حول الطفل بدافع الحماية، قد تتحول إلى خطر اختناق.
- والنوم بجانب الأم لا يعني بالضرورة مزيداً من الأمان، كما أن وضع الطفل على بطنه حتى ولو بدا أكثر راحة، لكنه ليس الخَيار الأفضل لصحته.
- وعيك هو الفارق الحقيقي؛ حيث تتحول أبسط القرارات اليومية إلى خطوات حاسمة في حماية حياة الرضيع.
- الأمان لا يعتمد على التعقيد؛ بل على البساطة والوعي. في كلّ ليلة، عندما يغمض طفلك عينيه، لا يحتاج إلى أكثر من بيئة هادئة وآمنة.


Google News