3 مخرجات عربيات وحديث عن دور الأفلام في حياة الناس

 حديث عن دور الأفلام في حياة الناس
مخرجات عربيات وحديث عن دور الأفلام في حياة الناس

في اللحظة التي تُطفأ فيها أنوار الصالة، إيذاناً ببدء الفيلم، ينتاب مُحبّو السينما ذلك الشعور بالبرود الخفيف. الشعور بالبعد خطوة عن مُعانقة مُشتهاة. لا حصر لقصص الأفلام السينمائية والأساليب التي يُعبّر من خلالها المخرجون عن رؤاهم ووجهات نظرهم؛ هم يُقلّبون صفحات التاريخ ويستقون من شخصياته وحقبه وحروبه الروايات والمرويات لإنتاجاتهم، يُسلطون الضوء على المجتمعات، واقعها وظاهرها وباطنها وناسها المهمشين. ينظرون في القضايا والحقوق ويُقرّبون الثقافات المختلفة من المشاهدين. يتناولون ذواتهم وعائلاتهم، وحاراتهم وأوطانهم وتغرّبهم. يصورون الحب وناره ودموع الرجال والنساء. يتناولون الفضيلة والخطيئة. لا تدّعي السينما تقديم الحلول للمجتمع، لكن هي من دون شك تبرز جلّ ما فيه. في تحقيق «سيدتي» لشهر يناير، وقفات مع 3 مخرجات من السعودية ولبنان والمغرب، للحديث عن السينما والمجتمع.



إعداد: نسرين حمود 
 جدة: عتاب نور
 بيروت: ماغي شمَّا 
الرباط: سميرة مغداد


 


المخرجة مها الساعاتي: السينما قوة ناعمة

المخرجة السعودية مها الساعاتي -  تصوير: عيسى الدبيسي

شاركت المخرجة السعودية مها الساعاتي، في أحداث سينمائية عدة؛ إذ ترى أن الأخيرة إحدى الطرق لبناء التواصل بين الثقافة السعودية والعالم. السينما، بحسب تعبيرات المخرجة السعودية، مرآة الشعوب، فهي تمتلك دوراً كبيراً في تشكيل معرفة الجمهور وفهمه لمجتمعه والمجتمعات حوله.


تُركّز المخرجة الحديث على السعودية؛ حيث تواكب السينما التغييرات الجديدة التي يشهدها البلد، في ظل رؤية 2030، وتُعدّ جزءاً رئيساً من المشهد الثقافي المجتمعي، وتتلقى الدعم وتؤثّر في المجتمع وتُنافس في المهرجانات العالمية. تعتقد الساعاتي أنه مع تحوّل السعودية إلى مركز جاذب للإبداع وصُنّاع السينما عبر إقامة مهرجانات سينمائية محلية ودولية، منها مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي ومهرجان أفلام السعودية، ستتحقّق رؤى وزارة الثقافة بنشر الثقافة السينمائية وقيام صناعة السينما بدور أساس في الاقتصاد والاستثمار.

ذاكرة حقيقية للوطن

المخرجة مُنبهرة بنجاح الأفلام السعودية في تناول قضايا المجتمع، خلال وقت قياسي، ومحاولة طرح حلول ورؤى مختلفة، مع توفير المتعة والإثارة. الأفلام الصادرة أخيراً، بوصفها أداةً لاكتشاف التجارب الشخصية وتوثيق ونقل الصورة الإيجابية عن المجتمع السعودي وتسليط الضوء على قصصه وتراثه ومخزونه الثقافي، تُبرز الهوية والتراث والموروث السعودي، وتنقله إلى العالم في أبهى صورة، بحسب المخرجة، التي تعتقد أن السينما ستصبح يوماً ما ذاكرةً حقيقيةً للوطن تُسجّل تاريخه وأحداثه الأهمّ.
من جانب آخر، تُلاحظ المخرجة أن السينما نجحت في أن تكون حاضنة لأحلام الشباب السعودي، وأن تفتح لهم مجالات جديدة للعمل والإبداع، وأن تصبح منصّةً رسميةً للمبدعين ليقدموا إبداعاتهم في صناعة سينما سعودية مؤثّرة. كلّ مخرج سعودي يتمتع بصوت مُتفرّد، بحسبها، ومع كثرة الأصوات السينمائية وتنوّع القصص والأفكار الخاصة بأفلامنا، ستحظى الأخيرة بثراء أكبر أمام الجمهور المحلي والعالمي. وتلفت، في هذا السياق، إلى أنه يجدر بكل مخرج أن يخلص لإيجاد القصص الحقيقية وتنفيذها بشكل مُتفرّد، وأن يكون متعاطفاً مع الشخصيات التي يقدمها وأن يوسّع دائرة وعيه ليفتح لنفسه أبواباً على عوالم مختلفة، ينقل قصتها إليها، وألّا ينسى أن يكون إنساناً وأن يتحرّر من غلبة المادة التجارية عليه.

 

"السينما السعودية ستصبح ذاكرة حقيقية للوطن تسجل تاريخه وأحداثه"

 

وسيط مُفيد للغاية

ترى المخرجة أن السينما من وسائل القوى الناعمة، وتُعلّل الفكرة قائلة: «السينما وسيط مُفيد للغاية، في جعل الجمهور يتعاطف مع القصص الإنسانية من حوله وكشف عوالم مختلفة، سواءً عاشها المشاهد، أو كانت جديدةً عليه، فطالما استخدمت هوليوود الأفلام لتشكيل رأي الناس حول أجندات معينة. وبناء عليه، يمكنني التأكيد أن السينما من وسائل القوة الناعمة التي تُشكّل آراء الناس وتثير التعاطف نحو قضايا محددة».

في سطور...
ترجع بداية مها الساعاتي في الإخراج إلى عام 2016، وتحديداً إلى فيلم «عش إيلو». في ذلك الوقت، ساعدت الجارات وأطفالهن المخرجة «ارتجالاً» في تصوير العمل، بعد أن تشجعت على إطلاق عمل خاص بها، إثر مشاهدة أفلام قصيرة في مهرجان دبي السينمائي ومقابلة المخرجين، إلى جانب الرغبة في المشاركة في مهرجان أفلام السعودية، الذي كان الحاضن الأساس لمخرجي السعودية، ولا يزال إلى اليوم المُشجّع الأول للمواهب الجديدة في البلد.
بعد ذلك، أنتجت عدداً من الأفلام القصيرة، منها: «الخوف صوتياً» و«شعر قصة عشب»، و«دورة تفاح»، بالتعاون مع أصدقاء في الوسط السينمائي، قبل تخصيص الدعم لمثل هذه الأعمال، وكلها شاركت في مهرجاناتٍ خارجية، بينها مهرجان «فنتاستك فست» أكبر مهرجانٍ لأفلام «الجنر» الغرائبية الخيالية، إضافةً إلى مهرجان «سلامدانس وبالم سبرينقر». في مرحلة تالية، أطلقت فيلم «شريط فيديو تبدل»، بدعم من مسابقة «ضوء»، التي تُنظّمها هيئة الأفلام. العمل قصة رومانسية كوميدية، يمكن مشاهدته على منصة «نتفيلكس» ضمن سلسة «مواهب سعودية واعدة 2».

يمكنك الاطلاع على سيدتي تستضيف نقاشًا حول التحديات السينمائية مع 4 مواهب في صناعة الأفلام 

 

المخرجة مونيا عقل: السينما تهز المجتمع ولا تُغيره

المخرجة اللبنانية مونيا عقل

 

مونيا عقل، صوت سينمائي شاب، تناولت بعضاً من الفساد اللبناني في فيلمها الروائي الطويل الأول، «كوستا برافا، لبنان»، المستوحى من فيلمها القصير «سابمارين»، (كان 2016). لا تعتقد المخرجة اللبنانية أن السينما يمكنها تغيير العالم، لكن قد تهز الأخير قليلاً، بالتأكيد، وهو أمر مهم، بحسبها.



تتطرق المخرجة مونيا إلى طفولتها، للحديث عن تأثيرات السينما في المجتمع، وخصوصاً في مجتمعاتنا العربية، فتقول: «صغيرة، كانت السينما وسيلة لي لاكتشاف العالم والبلدان والأشخاص الذين لم أكن لأقابلهم أبداً، وكانت أيضاً وسيلة لرؤية وسماع أصوات من لا صوت لهم. لقد كانت سبيلاً لتوسيع مخيلتي». بوضوح تامّ، تُعبّر المخرجة لـ «سيدتي» عن أنها غير متأكدة من دور السينما في جغرافيا تخضع للرقابة غالباً. «لن أقول أبداً إن السينما يمكنها تغيير العالم، لكن هي بالتأكيد تهز الأخير قليلاً، وهذ أمر مهم».

وسيلة لفهم ما حولنا

من وجهة نظر المخرجة عقل، تبدو صناعة الأفلام أداة مهمة جداً لملاحظة المجتمع المكسور الذي نعيش فيه. تقول: «صناعة الأفلام تُتيح للمرء أن يكون شاهداً على زمان ومكان؛ إذ تُترجم الأفلام غالباً التاريخ بتعاطف أكبر، مُقارنة بكتب التاريخ». وتضيف أن «النظر إلى مجتمعنا وعالمنا من خلال الشخصيات في الأفلام وسيلة لفهم ما حولنا والتعمّق فيه، وإثارة الأسئلة والتساؤلات». بحسب المخرجة الشابة، تدور الأفلام حول النظر إلى الشقوق في الأشخاص وفي الأماكن. يتعلق الأمر أيضاً برواية القصص وجعل الناس يشعرون بوجود أشخاص آخرين يشبهونهم أو لا يشبهونهم، كما في خلق إحساس بالانتماء إلى المجتمع من خلال قصص الأشخاص الذين يمثلون نسخاً من أنفسنا لا نتعرف إليها دائماً. إنها أيضاً وسيلة للسفر إلى الخيال والرغبات المكبوتة وتناول الصحة العقلية.
عن باكورة المخرجة «كوستا برافا، لبنان»، توضح لـ «سيدتي» أن تنفيذ الفيلم الأول هو بمنزلة ساحة لعب إبداعية؛ إذ يرتكب المخرج أخطاء ويتقبلها ويتعلم من خلال التجربة والخطأ؛ تقول إن «كوستا برافا، لبنان» ساعدها على النمو، وعلى فهم ما تريد أن تفعله وما لا تريد أن تفعله في عملها، فالفيلم جعلها تتعمق في أحوال بيروت وفهم مع من تريد العمل ومن لا تريد العمل معه». هي تعتقد أيضاً أن تجربة صناعة الفيلم في ظروف معقدة خلال انهيار البلد سمحت لها بالنضوج بوصفها شخصاً، كما باحتضان الجراح وفتحها أكثر قليلاً، وهو أمر مهم للمخرج. في هذا الإطار، تقول: «أشعر بأنه وفريق العمل اللبناني، ساعدنا بعضنا البعض على تجاوز الوقت العصيب آنذاك من خلال التماسك معاً وصنع شيء معاً، والغضب معاً، والنظر إلى المستقبل».

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط 3 مخرجات عربيات وحديث عن دور الأفلام في حياة الناس

 

"الأفلام وسيلة للسفر إلى الخيال والرغبات المكبوتة"

 

اهتمام بالصحة العقلية

تهتم المخرجة اللبنانية بما يخرج من الناس وقت الأزمات والمآسي الشخصية؛ أي الحقيقة التي تخرج منهم، وكيف يمكن أن ينقلبوا ضد بعضهم البعض، أو يساندوا بعضهم البعض. وتشدد على اهتمامها بالصحة العقلية في مجتمع يعدها من المحرمات، إضافة إلى التمسك بالعائلة وكيف يعكس هيكل الأسرة هيكل المجتمع، فضلاً عن قصص النساء والحب.
من جهة أخرى، تؤكد مونيا فكرة مفادها أن القصص الجديرة بالتوثيق والتصوير السينمائي تكثر في بلد يعجّ بالمشكلات، وتقول إنه «كلما عشت الأشياء أكثر، ازداد عدد القصص التي يجب أن ترويها. لكن، تتمظهر المشكلة عند العيش في بلد يضع العقبات في طريقك باستمرار، ويجعل العملية الإبداعية محبطة، وفي بعض الأحيان مستحيلة».

في سطور...
حصلت مونيا عقل على درجة الماجستير في الفنون الجميلة MFA من جامعة كولومبيا، وأصبحت أخيراً عضواً في أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة. عُرض الفيلم الطويل الأول للمخرجة، «كوستا برافا، لبنان»، للمرة الأولى خلال عام 2021 في مهرجان البندقية السينمائي وTIFF ومهرجان لندن السينمائي حيث فاز بجائزة الجمهور. كما بُثّ في الولايات المتحدة الأميركية بواسطة Kino Lorber ، ثم على نتفليكس.

ما رأيك بالاطلاع على هذا اللقاء مع ممدوح سالم: السينما السعودية تمرُّ بمرحلة نموّ هائلة  

 

المخرجة أسماء المدير: سعيدة بالوجود النسائي في المهرجانات

المخرجة المغربية أسماء المدير - تصوير: عمار عبد ربه 


أسماء المدير، مخرجة مغربية شابة، تألقت في سماء المهرجانات العالمية، وتعتقد أن السينما مؤثرة في المجتمعات، وأسلوب تواصل أساسي لنقل القيم الإنسانية وتقديم محتوى فني يساهم بشكل غير مباشر في التوعية والتغيير وتنمية الحس الحضاري والجمالي.



المخرج، بحسب أسماء المدير، مُراقب ومُتأمل، وهو على غرار الاختصاصي الاجتماعي، ينصت لنبض المجتمع ويستقي المواضيع منه، كما هو حساس تجاه الظلم والهشاشة، ويتأثر بما ومن حوله، ويعيد إظهار ما رآه من خلال الإخراج للتوعية والتعاطف أو لخلق البهجة والفرجة، ببساطة. تستهوي المخرجة حكايات مغربية من واقعها المعيش ومن شخصيات تلتقيها. في فيلم المدير الطويل الأول، «كذب أبيض»، نبشت ذاكرة عائلتها وتقربت من أقاربها، علّها تفهم مجموعة من التساؤلات شغلتها منذ أعوام الطفولة الأولى. ففي ثمانينيات القرن الماضي، نشبت ثورة الخبز، احتجاجاً على أوضاع الغلاء وحدثت اعتقالات بالجملة، كما راح ضحايا كثر، لكن تعاملت المخرجة مع الماضي العنيف، بنوع من التصالح، فهي لم تحاكم مواقف سياسية أو غيرها، بل قدمت حكاية الحدث برؤية فنية. تقول: «أحب الاشتغال على الماضي وتقبله لأعيش الحاضر والمستقبل»، مُضيفةً أنها تنطلق في اشتغالاتها، في الوقت الراهن، من بيئتها ومن ذاكرتها وممن تحب لمزيد من التصالح مع النفس ورغبة في جعل ما هو خاص ومحلي عالميّاً وكونيّاً.

 

"المخرج يعبّر فنّياً ويخلق فرجة إبداعية من دون أن يقع في واقع مباشر "

 

السينما ليست لغة مباشرة

لا تُفكّر المخرجة في الرقابة مطلقاً؛ لأن السينما ليست لغة مباشرة، بل هي تتيح التعبير بشكل مختلف وبرؤية خاصة مراوغة، إن صح التعبير، فالمخرج يعبّر فنّياً ويخلق فرجة إبداعية، من دون أن يقع في واقع مباشر.
عن السينما المغربية اليوم، تقول: «هي سينما الموجة الجديدة التي تبحث وتجتهد للوصول إلى العالمية من خلال طرح مواضيع محلية، بعيداً عن «التابوهات» أو «الكليشيهات» المعروفة. في أعمالي، أبحث عن سينما أشعر بها، سينما يمكن أن تشاهدها جدتي ووالدتي وكل أفراد العائلة والناس الذين أعرفهم، لكن في الوقت نفسه تُنافس السينما العالمية. هو خليط صعب، لكنه ممكن بالمثابرة والذكاء». وتضيف: «لا أنجز فيلماً لم أشعر به وأتفاعل مع قصته وشخصياته، الفيلم نتيجة لشغفي ورغبتي في تمرير رسائل فنية وإبداعية. لن أخرج فيلماً من أجل المال، بل من أجل الفن والتفاعل مع موضوع يمسني ويؤرقني ويخلق لديّ القلق الكافي لمنح أفضل ما لديّ». وتتحدث عن مجايليها من المخرجين الشباب الجدد الذين تألقوا في العالم بأفكارهم المُميّزة، ومنهم: كمال الأزرق، وصوفيا العلوي، ومؤيم التوزاني، وياسمين بنكيران، ومريم بنمبارك، وغيرهم، فتقول: «نعيش سينما جديدة، فيها طاقات شابة طموحة وسعيدة للغاية بالوجود النسائي الذي فرض نفسه بتميز وكفاءة، في مهرجانات الأفلام».
هي تعتقد أن المخرجين الشباب سيقولون كلمتهم، كما ستفتتح أمامهم فرصاً أكبر للإنتاج والإبداع.



في سطور...
أسماء المدير، مخرجة وكاتبة سيناريو ومنتجة من مواليد المغرب، حاصلة على دبلوم الإخراج من معهد مهن الصورة والصوت بباريس (لافميس)، وعلى ماجستير في الإنتاج من المعهد العالي بالرباط(isic) ، والإجازة في السينما من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، ودبلوم الإخراج من المعهد المتخصص للسينما والسمعي البصري بالرباط عام 2010. حصلت المخرجة المغربية في مهرجان كان على جائزة أفضل إخراج في إطار مسابقة أفلام الشباب، في فقرة نظرة ما عن فيلم «كذب أبيض»، وكذلك في مهرجان الفيلم الدولي بمراكش؛ حيث حصدت الجائزة الكبرى للمهرجان، النجمة الذهبية التي تمنح لأول مرة لفيلم مغربي منذ انطلاق المهرجان الذي احتفى بعيد ميلاده العشرين العام الفائت.

 

يمكنك أيضًا الاطلاع على نورا الزامل لـ"سيدتي: سعيدة بالتعاون الممتد بين مركز "إثراء" وجمعية السينما على مدار سنوات