منذ اللحظةِ الأولى لعرضِ الإعلانِ الترويجي لفيلمِ «الست»، انطلقت التساؤلاتُ: هل منى زكي الخيارُ المناسبُ لتجسيدِ شخصيَّةِ أم كلثوم؟ وهل يجرؤ فيلمٌ عربي على اقتحامِ حياةِ كوكب الشرق دون أن يقع في فخِ التعظيم، أو المقارنة؟ وهل سيصمدُ هذا العملُ أمامَ إرثِ صوتٍ بحجمِ التاريخ؟أسئلةٌ كثيرةٌ، تدورُ في الذهنِ قبل مشاهدةِ الفيلم، لكنْ الإجابةُ، المفاجئةُ والمباغتة، تبدأ من اللحظةِ الأولى على الشاشة. في فيلمٍ، لا يُشبه غيره، تقفُ منى في امتحانِ العمر، ويضعُ المخرج مروان حامد السينما العربيَّةَ أمامَ مرآتها الحقيقيَّةِ: هل حان الوقتُ لنروي أساطيرنا بأسلوبٍ عالمي؟ وبين دهشةِ الصورة، وسحرِ الصوت، وقوَّةِ الأداء، تتجلَّى الحكايةُ.. لكنَّها ليست حكايةَ أم كلثوم فقط، وإنما حكايةُ كلِّ امرأةٍ عربيَّةٍ، قرَّرت أن تُغني على الرغمِ من الضجيج.
منى زكي
في حضرةِ «كوكب الشرق»، تتلاشى المسافاتُ بين التمثيلِ والتقمُّص، وتُصبح المهمَّةُ أشبه بالسيرِ على حبلٍ مشدودٍ بين التاريخِ والأسطورة. النجمةُ المصريَّةُ منى زكي، التي لطالما أبهرتنا بتنوُّعِ أدوارها، تقفُ اليوم أمامَ التحدِّي الأصعب في مسيرتها الفنيَّة، مجسِّدةً شخصيَّةَ «أم كلثوم» في فيلمِ «الست». في هذا اللقاءِ الحصري لـ «سيدتي»، تفتحُ منى قلبها، وتكشفُ كواليسَ عامٍ وثلاثةِ أشهرٍ من التحضير، ومخاوفها التي بدَّدها وجودُ المخرجِ مروان حامد، كما تُقدِّم رسالتها للأجيالِ الجديدةِ من خلال سيرةِ سيِّدة الغناءِ العربي.
ومن عالم الفن يمكنك التعرف على النجمة إلهام شاهين
رهبة البداية وسر القبول
في البدايةِ، كيف تصفين شعوركِ عند عرضِ مشروعِ فيلمِ «الست» عليكِ، وهل كان التردُّدُ حاضراً؟
بكلِّ صراحةٍ، كنت خائفةً جداً. تجسيدُ شخصيَّةٍ بحجمِ ومكانةِ أم كلثوم مسؤوليَّةٌ، لا يمكن الاستهانةُ بها. لولا وجودُ المخرجِ الكبير مروان حامد على رأسِ هذا المشروع، لكنت اعتذرتُ فوراً، ولم أمتلك الجرأةَ، أو القدرةَ النفسيَّةَ للموافقةِ على الدور. ما شجَّعني أيضاً السيناريو. عندما قرأتُ الورق، وجدتُه مكتوباً ببراعةٍ شديدةٍ، وبشكلٍ مختلفٍ كلياً عمَّا قُدِّم من قبل، وهذا الاختلافُ والجمالُ في السرد، كانا الدافعَ الأقوى لي، إلى جانبِ ثقتي في مروان.
مروان حامد.. رؤية بحثية ثاقبة
التعاونُ مع مروان حامد، يُمثِّل محطةً مهمَّةً، خاصَّةً ونحن نتحدَّثُ عن مخرجٍ صاحبِ بصماتٍ سينمائيَّةٍ فارقةٍ منذ «عمارة يعقوبيان»، وحتى «كيرة والجن»، كيف ترين رؤيته لهذا العملِ التاريخي؟
مروان حامد، ليس مجرَّد مخرجٍ، إنه صاحبُ رؤيةٍ استثنائيَّة. في أي مشروعٍ يدخله، يمتلك «طريقةَ عملٍ» خاصَّةً، ومعرفةً دقيقةً بكلِّ التفاصيل. ما يُميِّزه حقاً البحثُ العميق. هو لا يكتفي بالتحضيرِ السطحي، إذ يُجري بحثاً استقصائياً ضخماً لكلِّ جوانبِ العمل والأقسامِ الفنيَّة، وليس فقط للممثِّلين. هذه الدقَّةُ، هي التي تمنحُ الممثِّلَ الأمان، وتجعله يُدرك أنه في أيدٍ أمينةٍ، تعرفُ جيداً ما تفعله.
يضمُّ الفيلمُ كوكبةً من النجومِ الكبار، وضيوفِ الشرف، كيف كان صدى هذا التجمُّعِ الفنِّي بالنسبةِ لكِ؟
وجودُ هؤلاء النجوم، لم يكن مجرَّد إضافةٍ، بل «زادونا شرفاً، وكبّرونا». هم قاماتٌ فنيَّةٌ كبيرةٌ، واختيارهم جاء برؤيةٍ ثاقبةٍ من مروان حامد، ووجودهم أضافَ ثقلاً ومصداقيَّةً للعملِ ككلٍّ.
يمكن أيضًا التعرف على الفنانة المصرية أنوشكا
عام من «المعافرة» لاستحضار الروح
عشتِ مع شخصيَّةِ «الست» لأكثر من عامٍ، كيف كانت رحلةُ البحثِ عن روحِ أم كلثوم بعيداً عن الشكلِ الخارجي؟
لقد كانت رحلةً من «المعافرة»، والصراعِ مع النفس. قضيتُ عاماً وثلاثةَ أشهرٍ كاملةً في تدريباتٍ وتحضيراتٍ يوميَّةٍ. كنت أحاولُ جاهدةً الوصولَ إلى مكامنِ القوَّةِ في شخصيَّتها، تلك الصلابةُ المذهلة، والعنادُ الإيجابي، والقدرةُ على الاستمراريَّةِ والبقاءِ على القمَّةِ لأعوامٍ طويلةٍ. كنت أبحثُ عن مفاتيحِ هذه المشاعر: كيف لامرأةٍ أن تمتلك كلَّ هذا الصدى الفنِّي والتأثير؟ كنت أتمرَّنُ، وأحاولُ مراراً وتكراراً حتى أتمكَّن من الإمساك بخيوطِ هذه الشخصيَّةِ العظيمة.
رسالة للأجيال ونموذج للمستحيل
في رأيكِ، ما الذي يجعلُ فيلمَ «الست» ضرورةً فنيَّةً للأجيالِ الحالية؟
أعتقدُ أن هذا الفيلمَ شديدُ الأهميَّةِ للجيلِ الجديد. من المهمِّ أن يروا نماذجَ حقيقيَّةً ومؤثِّرةً وقويَّةً من تاريخنا ووطنا العربي. أم كلثوم، ليست مجرَّد مطربةٍ، إنها أيقونةٌ، تُعلِّمنا أن لا شيء مستحيلٌ. سيرتها، تمنحُ الشباب مثلاً أعلى، وتُؤكِّد لهم أن الإصرارَ والموهبة، يمكنهما صناعةُ المعجزات، وتخليدُ الأسماء.
احترام النقد والجدل المسبق
الأعمالُ التي تتناولُ سير العظماء غالباً ما تُواجه عواصفَ من الانتقاداتِ حتى قبل عرضها، كيف تتعاملُ منى زكي مع هذا الجدل؟
أنا أحترمُ كلَّ الآراء، سواء كانت معي، أو ضدي. أي عملٍ فنِّي، يثيرُ الجدل، هو عملٌ حي، وأنا أستمعُ لكلِّ وجهاتِ النظر، وأقدِّرها تماماً. هذه طبيعةُ مهنتنا، وهذا حقُّ الجمهورِ والنقَّاد. كلُّ ما أتمنَّاه ألَّا تستبقَ الناسُ الأحكام، وأن تنتظر لمشاهدةِ العملِ قبل تكوين رأي نهائي.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط





