إحدى أبرز آفات هذا العصر هي التشتت. نعيش في عالم صاخب، مليء بالأحداث المتسارعة والترندات والتغيرات المستمرة، بينما نجد أنفسنا، خصوصًا الشباب، ملتصقين بشاشات الهواتف. ومع هذا الزخم، أصبحت أي مهمة تتطلب تركيزًا حقيقيًا تحديًا بحد ذاته.
اليوم، لم تعد المهارة وحدها كافية، بل باتت القدرة على التركيز لفترات متواصلة، رغم كل المشتتات، ميزة تنافسية حقيقية تعكس مستوى الإنتاجية.
إعداد: إيمان محمد
لماذا تراجعت القدرة على التركيز؟
تشير الدكتورة غلوريا مارك، أستاذ المعلوماتية بجامعة كاليفورنيا، إلى حالة يعيشها كثير من الشباب في الوقت الراهن، وهي تآكل القدرة على التركيز تاريخياً. فحسب بحث نشر على الموقع الرسمي الخاص بالباحثة الأمريكية، فإن متوسط مدة الانتباه لأي مهمة على الشاشة انخفض من 150 ثانية في عام 2004 ليصل إلى 47 ثانية فقط في الوقت الحالي، وهو معدل خطير.

وتقول مارك أن الخطورة الحقيقية تكمن في أن مجرد النظرة الخاطفة على شاشة الهاتف تؤثر على التركيز، لأن العقل البشري يحتاج في المتوسط إلى 23 دقيقة و15 ثانية للعودة إلى حالة التركيز العميقة السابقة بعد حدوث تشتت واحد، مثل الرد على رسالة واتساب أو تصفح بريد إلكتروني. هذا يعني أن مسمى متعدد المهارات الذي يعتبره الشباب مهارة، ما هو إلاّ خدعة وهو استنزاف يؤدي لارتفاع هرمونات التوتر (المعروفة باسم الكورتيزول)، ما يتسبب في زيادة الأخطاء المهنية.
هل كل المهام بحاجة إلى تركيز؟
في هذا الصدد يفرق الخبراء بين نوعين من المهام، هما:
العمل العميق
الأول هو "العمل العميق"، و الذي تعرفه منصة Cal Newport بأنه مجموعة من المهام تتطلب تركيز وطاقة ذهنية عالية، وهو مرتبط بإنتاجية حقيقية.
العمل السطحي
بينما يختلف العمل السطحي في كونه جهد يشمل المهام الإدارية البسيطة والرد على الرسائل، وهذا لا يتطلب قدر كبير من التركيز، بل يمكن إنجازه بجانب مهام أخرى.
من ثم، يمكن للشباب أولًا تصنيف المهام، ما بين عمل سطحي وآخر عميق، وبناء على نوع المهمة يمكنك تحديد الوقت والبيئة المناسبة لإنجازها.
احذر بقايا الانتباه!
وهنا حذر الخبراء من حالة يمكن أن تشتت الذهن وتؤثر على الجدية في إنهاء المهام، وهي "بقايا الانتباه"، و التي تُعرف بأنها الحالة التي يظل فيها جزء من تفكيرك عالقاً في المهمة السابقة، مثل إيميل مزعج، بينما تحاول التركيز في مهمة جديدة.
يؤكد الخبراء أن حماية التركيز تتطلب استراتيجية "الجدولة الصارمة"، أي تخصيص كتل زمنية لا تقل عن 90 دقيقة للمهام الصعبة، مع إغلاق تام لكافة المشتتات الرقمية، واعتبار وقت التشتت مكافأة مجدولة لاحقاً وليس نشاطاً عشوائياً.
لماذا يقع الشباب في فخ التشتت؟
صحيح أن التكنولوجيا تلعب دوراً كبيراً وربما أولي في التشتت، لكن قد لا تكون السبب الوحيد، فحسب دراسات فإن 90% من تشتتنا الرقمي ناتج عن محفزات داخلية وليس تنبيهات الهاتف.
ويوضح الخبراء أن الشباب يهربون إلى الهاتف رغبة في التخلص من المشاعر السلبية مثل: الملل، القلق من صعوبة المهمة، أو عدم الثقة في إنجازها. ولذلك، فإن الحل ليس في التوقف عن مطالعة الهاتف، بل في تغيير الاستجابة لهذه المشاعر.
قاعدة الـ 10 دقائق
يقترح الخبراء اتباع طريقة "قاعدة الـ 10 دقائق"، فعندما تشعر برغبة ملحة في فتح السوشيال ميديا أثناء العمل، أخبر نفسك أنك ستفعل ذلك ولكن بعد 10 دقائق من الآن، لأن هذه المدة كافية لتتجاهل الاندفاع وراء مشاهدة شيء لا يعنيك.

استراتيجيات عملية للتطبيق
صحيح أن أسباب التشتت عديدة، لكن استرجاع التركيز ممكن، من خلال اتباع بعض الاستراتيجيات المجربة مثل:
ضبط التنبيهات
توقيف كافة التنبيهات باستثناء الاتصالات الطارئة جداً. تحويل شاشة الهاتف إلى وضع الظلام لتقليل جاذبية الأيقونات بصرياً.
الإغلاق المسائي
جزء من تأثير التكنولوجيا أنها عادة ممتدة، لكن مثلًا اليوم المهني ينتهي في وقت محدد، ما يساعد العقل على التوقف عن التفكير في المهام المعلقة، مما يحسن جودة النوم وبالتالي القدرة على التركيز في اليوم التالي، لذا يجب ان تضع حداً للتكنولوجيا والتواصل الرقمي أيضًا.
تقنية البومودورو
استخدام دورات تركيز تتناسب مع نوع المهمة، مع الالتزام التام بعدم التوقف عن العمل تحت أي ظرف خلال الدورة الواحدة، وهناك العديد من التطبيقات التي تساعد في هذا.
إنجاز المهام وتعزيز الإنتاجية يتطلب أن تقوم بمجهود لاستعادة التركيز، لكن إذا تركت الأمر للصدفة فقد تضيع وسط ساعات من التشتت بين فيديوهات ومعلومات وتعليقات وحكايات، حتى وإن كانت جميعها لا تعنيك.
اقرأي أيضًا كيف تخدع عقلك لتبدأ المذاكرة وأنت في قمة الكسل؟ نصائح للشباب للتغلب على التسويف
