أثبتت دراسة علمية -صينية- حديثة أن صحة القلب لدى المرأة الحامل لم تعد مجرد عامل صحي إضافي، بل أصبحت عاملاً محورياً في تحديد مستقبل نمو الدماغ لدى الطفل خلال سنوات حياته المبكرة، وباتت العلاقة بين صحة الأم القلبية وقدرات الطفل العصبية واحدة من أبرز نتائج الأبحاث في الصحة العامة، ما يحفز على إعادة تشكيل طرق المتابعة الطبية للأمهات في فترة الحمل، ويُسهم كذلك في التعرف إلى سبل تحسين جودة الحياة للأطفال منذ سن مبكرة. اللقاء مع الدكتور إبراهيم محفوظ، أستاذ أمراض النساء والتوليد، الذي يوضح تفاصيل الدراسة ويشرح توصياتها.
دراسة صينية تؤكد: صحة قلب الأم.. رسالة مبكرة لدماغ الجنين

كشفت دراسة علمية حديثة عن العلاقة بين صحة قلب الأم الحامل وتطور دماغ الجنين ومستقبله العصبي، ونُشرت نتائجها في مجلة World Journal of Pediatrics، وهي إحدى الدوريات العلمية المتخصصة في أبحاث طب الأطفال والصحة المبكرة. واعتمدت الدراسة على بيانات طويلة المدى جُمعت من سجل المواليد في مدينة شانغهاي الصينية، حيث شملت أكثر من 1007 أمهات وأطفال وُلدوا خلال الفترة من عام 2013 حتى 2016.
وتابع الباحثون الأطفال على مرحلتين عمريتين، الأولى عند بلوغهم من 2 إلى 3 سنوات، والثانية بين 4 و5 سنوات، بهدف رصد تطورهم العصبي والسلوكي.
وضمّ الفريق البحثي نخبة من العلماء الصينيين المتخصصين في علوم نمو الدماغ لدى الأطفال، بدعم وتمويل من عدد من المؤسسات البحثية الرائدة، من بينها البرنامج الوطني للبحوث والتطوير في الصين، ومختبر شانغهاي لطب دماغ الطفل وتطوره، إلى جانب برنامج Xinhua Hospital للبحوث المبكرة.
أهمية صحة قلب الحامل
الحمل هو فترة حاسمة في حياة المرأة وطفلها على حد سواء، وخلال فترة الحمل يتغير جسم الحامل بسرعة كبيرة، وعلمياً يعدّ تأثير الحمل على القلب أمراً طبيعياً؛ فالقلب يضخ دماً أكثر بنسبة قد تصل إلى 30–50%؛ وذلك لضمان وصول الأكسجين والعناصر الغذائية إلى الجنين.
لكن ما لم يتضح بشكل كافٍ في السنوات الماضية هو: هل مستويات صحة القلب لدى الحامل تؤثر في تطور دماغ الطفل العصبي؟ وهل يمكننا استخدام هذه المعلومات للتنبؤ بمخاطر نمو الطفل، وبالتالي يمكن تقديم تدخلات مبكرة؟
هذا بالضبط ما حاولت الدراسة الإجابة عنه بطريقة منهجية وعلمية.
منهجية الدراسة: كيف يقيس الباحثون "صحة القلب"؟

أحد التحديات في أبحاث الحمل؛ هو أن هناك متغيرات كثيرة يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية لصحة الطفل، لذلك لم يكتفِ الباحثون بقياس عامل واحد فقط، بل جمعوا ستة مقاييس شاملة لصحة القلب لدى الأمهات عند الأسبوع الـ 28 من الحمل، منها:
- مؤشر كتلة الجسم (BMI).
- ضغط الدم.
- مستويات الكوليسترول.
- الجلوكوز.
- نمط الحياة والنظام الغذائي.
- النشاط البدني، والتدخين، والنوم.
وبمجرد تجميع هذه المقاييس، وضعوا معدلاً إجمالياً لصحة القلب لكل امرأة حامل، ثم قُيّمت قدرات الطفل العصبية في مرحلتين: عند عمر 2–3 سنوات؛ باستخدام مقياس Bayley-III لتقييم الإدراك واللغة والمهارات الحركية. وعند عمر 4–5 سنوات؛ باستخدام مقياس WPPSI-IV لتقييم الذكاء، بما في ذلك الذاكرة العاملة والقدرات البصرية.
نتائج الدراسة وماذا وجد الباحثون فعلاً؟

كانت النتائج واضحة وموثوقة:
- أداء أفضل للعقل واللغة عند الأطفال في عمر 2–3 سنوات، كل زيادة بمقدار نقطة واحدة في معدل صحة القلب لدى الأم كانت مرتبطة بزيادة: 1.63 نقطة في تقييم الإدراك المعرفي، و0.84 نقطة في تقييم اللغة.
- تحسين الوظائف البصرية والذاكرة عند 4–5 سنوات، أيضاً لوحظ ارتباط إيجابي بين صحة القلب لدى الأم ومهارات الطفل في: المؤشر البصري المكاني، والذاكرة العاملة، وكانت الفائدة أكبر لدى الفتيات، مقارنة بالأولاد عندما تمت معالجة النتائج حسب النوع.
- انخفاض مخاطر التأخر في النمو العصبي: الأطفال الذين كانت أمهاتهم في مستوى أعلى من صحة القلب، لديهم مخاطر أقل للتأخر في مجال الإدراك البصري المكاني، وهو مؤشر مهم لنجاح الطفل في التعلم والتركيز.
أهمية النتائج علمياً ومجتمعياً

هذه الدراسة تُظهر لأول مرة بصورة منهجية أن الصحة القلبية للأم خلال الحمل؛ لا تؤثر فقط على صحة القلب أو الجسد العام، بل تمتد لتشمل الدماغ، وربما التكوين العصبي لدى الطفل في سنواته الأولى، وهي الفترة الأهم في تطوره العصبي والسلوكي.
هذا يرتبط بأفكار كبيرة في الطب المعاصر، منها: الأصول التطورية للصحة والمرض؛ بمعنى أن بيئة الجنين داخل الرحم تحدد الكثير من صحته المستقبلية، كما ينسجم مع مبدأ الوقاية بدلاً من العلاج؛ ما يعني أن تحسين صحة الأم قد يمنع مشكلات في نمو الطفل قبل أن تحدث.
كيفية تفسير النتائج:
يقدّر الباحثون أن هناك عدة آليات بيولوجية تربط صحة القلب لدى الأم بتطور دماغ الطفل، منها:
- تدفق أكسجين أفضل عبر المشيمة.
- تقليل الالتهابات المزمنة.
- تنظيم أفضل للجلوكوز والدهون.
- تأثيرات سوية على نمو الجهاز العصبي المركزي.
وترتبط كل هذه العوامل بتركيب الدماغ ووظائفه مثل الإدراك واللغة والذاكرة.
دروس للأمهات من هذه الدراسة:
إذا كان هناك درس بسيط يمكن أن تخرجه أي أم حامل من هذه الدراسة؛ فهو أن العناية بالقلب أثناء الحمل يحمل فوائد تتجاوز صحة الحامل الشخصية؛ فهي تتعلق أيضاً بقدرة الطفل على التفكير، وقدرته على التواصل والكلام، وذكائه البصري والذاكري في سنواته المبكرة، وهذا يجعل صحة القلب جزءاً لا يتجزأ من رعاية الحمل الشاملة.
توصيات عملية للأمهات:
- قياس ضغط الدم بشكل روتيني.
- فحص مستويات الكوليسترول والسكر.
- متابعة مؤشر كتلة الجسم قبل وأثناء الحمل.
- مناقشة نمط الحياة التغذية، الرياضة، النوم.
* ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج عليك استشارة طبيب متخصص.


Google News