ما هو التصميم؟ يدعوكِ اليوم الدولي للتصميم "27 أبريل 2026" إلى النظر لهذا العالم متعدد التخصصات بصورة أشمل من فنّ تنسيق المساحات وصنع الأشياء المفيدة ليومياتنا بحرفية. ترفع المناسبة هذا العام عنوان "المساحات البينية"، متجاوزةً المنتج النهائي نحو سؤال أعمق: كيف يربط التصميم الناس ببعضهم؟ فهو جسر قادر على إعادة بناء المساحات التي تجمعنا، وتنقلنا، وتشكّل تصوّرنا للمستقبل. تحاول السطور الآتية "تفكيك" معاني هذا العنوان، من خلال مقابلة مصممة سورية تمتلك نظرة معمقة.
التصميم شغف وجماليات وحرف
دانية دويدري شغوفة بتصميم الديكور الداخلي وتزيين المنازل بقطع فريدة تصنعها يدوياً. بالتعاون مع حرفيين مهرة، تقدم مزيجاً جذاباً بين جماليات الطرازيْن الشرقي والحديث. بعد أن حصلت على دبلوم في التصميم الداخلي في "الجامعة الأمريكية في بيروت"، حققت حلمها بتأسيس أستوديو التصميم الخاص بها Dania D Designs عام 2017. في قلب المصممة حب بلدها سوريا، والحفاظ على تراثه وتجديده بما يتفق مع العصر. في اليوم الدولي للتصميم 2026، التقينا بدانية لتحدثنا عن فلسفتها في التصميم وقراءتها لشعار هذا العام.
التصميم يصنع المشاعر
في مناسبة اليوم الدولي للتصميم 2026، المناسبة التي يحتفي بها العالم اليوم؛ كيف تُعرّفين التصميم بكلماتك؟
أعرّف التصميم بأنه الجسر الذي يربط بين الوظيفة والجمال لصناعة المشاعر، فهو ليس مجرد ترتيب لـقطع الأثاث، بل فنّ حلّ المشكلات اليومية للمساحات بطرق إبداعية؛ تمنح الإنسان شعوراً بالانتماء، والراحة، والسلام النفسي في محيطه.
مساحات أبعد من المنزل والأثاث

كيف تقرئين الشعار الذي يرفعه اليوم الدولي للتصميم 2026 "المساحات البينية" The Spaces In Between؟
أؤمن دائماً بأن ما يحدث بين الأشياء لا يقل أهمية عما تحتويه الأشياء نفسها. شعار The Spaces In Between يُذكّرنا بأن التصميم ليس مجرد "منتج نهائي" مبهر للعين، بل هو "تجربة معيشية"، هو المساحات الصامتة التي تمنح العين راحة بين قطعة أثاث وأخرى، والروابط الذكية التي تحول مجرد جدران وأثاث مبعثر إلى بيت دافئ ومترابط.
أتقن القاعدة ثم أكسرها
إلى أي مدى تلتزم تصاميمك بالقواعد الأكاديمية؟ ومتى تشعرين أن التمرد والخروج عن المألوف هو الحل الأنسب؟
أعتبر القواعد الأكاديمية بمثابة "الهيكل العظمي" لأي مشروع، فلا يمكنني التنازل عن نسب توزيع الأثاث، أو دراسة الإضاءة، أو ممرات الحركة المريحة؛ لأنها تضمن وظيفة المكان الأساسية. لكن، لمجرد تحقيق هذه المعايير، يبدأ دور "التمرد الفني". أشعر أن الخروج عن المألوف هو الحل الأنسب عندما نهدف إلى كسر الرتابة، والاشتغال على تصميم يعبّر تماماً عن شخصية صاحبه ويعكس هوية المكان وروحه؛ مثل دمج طرازين مختلفين، أو الدمج المبتكر بين الحداثة والأصالة، ليتحول الفراغ من مجرد مساحة صحيحة أكاديمياً إلى قصة بصرية خاصة جدّاً.
قد يهمك الاطلاع أيضاً على: معرض سالون ديل موبيل ميلانو 2026: عصر جديد لعالم التصميم
موروث سوريا
حدثينا عن تصاميمك التي تحمل قصص سوريا؛ تتعاونين مع الحرفيين وتبحثين في كتب قديمة عن الموروث وتقدمينه بصورة عصرية، ما هي منطلقاتك وأهدافك؟
انطلاقتي نابعة من فخر عميق بهويتي السورية، ومن إيماني بأن التراث ليس مجرد قطع تُعرض في المتاحف، بل هو روح متجددة يمكنها أن تعيش معنا اليوم. أبحث في الكتب القديمة والزخارف الدمشقية التاريخية لأفهم فلسفة أجدادنا، ثم أترجم تلك الخطوط برؤية بصرية عصرية تناسب البيوت الحديثة. أما أهدافي من التعاون مع الحرفيين السوريين المبدعين، فهي الحفاظ على هذه المهن اليدوية العريقة من الاندثار، وإعطاء هؤلاء الفنانين المنصة التي يستحقونها، بالإضافة إلى ربط الأجيال الشابة بجذورها، وتوفير فرص عمل مستدامة ومحترمة لهم.
يد الحرفي الأصيلة وفكري المعاصر
كيف توازنين بين نظرتك المعاصرة وتمسُّك الحرفيين بأساليبهم المتوارثة؟
أعتبر الحرفيين شركاء النجاح الحقيقيين لـ Dania D Designs؛ تبدأ الموازنة من إيماني بأن الابتكار لا يعني التشويه. أحافظ تماماً على الأسلوب اليدوي الأصيل في الحفر أو التطعيم، إلا أنني أتمرد على الأشكال التقليدية المكررة. عندما أطلب منهم تبسيط الزخارف الكثيفة أو تطعيم خشب الجوز بخامات ناعمة ومحايدة؛ يكون الهدف إبرازَ جمال الحرفة نفسها لا إخفاءها. الحوار المستمر القائم على الاحترام في ورش دمشق هو الذي يصنع هذا التناغم الساحر بين يد الحرفي الأصيلة وفكري المعاصر.
مواد التصميم والاستدامة
زرتِ أسبوع ميلانو للتصميم (21- 26 أبريل)، ما هي المواد أو التقنيات التي لفتت نظرك وشعرتِ أنها قد تغيّر لغة التصميم في ممارستك؟
أكثر ما لفت نظري هو العودة القوية للأصل أو ما يُعرف بـ "ذكاء المواد" (Material Intelligence). استوقفتني بشدة تقنيات دمج المواد الخام الطبيعية كالأحجار الضخمة والمعادن بأسلوب مستدام ومعاصر. هذه المفاهيم تلهمني جداً؛ إذ أريد توظيف هذا الفكر في تصاميمي القادمة؛ أي التقنيات المستدامة البسيطة مع المواد التقليدية التي نستخدمها، كالحجر أو الأخشاب السورية، لننتج قطعاً لا تكتفي بجمال المنظر، بل تحترم البيئة وتمنح المساحات مرونة تلائم نمط حياتنا.
قد يهمك الاطلاع أيضاً على: أسبوع ميلانو للتصميم 2026: 20 محطة مختارة مع الإبداع والحداثة
ابتكار من رحم المعاناة
ماذا تقولين لكل مصمم شاب في سوريا يتلمس طريقه في هذا العالم؟
رسالتي لهم هي: "الابتكار يولد من رحم المعاناة"؛ لقد بدأتُ مشروعي كمتنفس وشغف خلال سنوات الحرب وتحت ظروف بالغة الصعوبة، وأردتُ من خلاله أن أمنح الحرفيين حياة مستدامة. نصيحتي لكم ألا تقلدوا القوالب الجاهزة المستوردة؛ تمسكوا بجذوركم وقدموها بلغة العصر. التحديات في بلدنا كثيرة، لكن شغفكم وموهبتكم هما السلاح الوحيد القادر على كسر كل القيود والوصول للعالمية، لذا آمنوا بأنفسكم وبقدراتكم، واسعوا وراء أحلامكم من دون تردد.
___
- مصدر الصور: Dania D Designs

Google News