يبقى الانطباع الأول الذي تشكله عن شخصٍ ما، عالقاً في ذاكرتك مدى الحياة، مهما تغيرت طبيعة علاقتكما، أو اختلفت ظروف لقاءاتكما المستقبلية. ولكن، لتكوين هذا الانطباع بشكل عادل وموضوعي، لا بد من إتقان مهارة قراءة الناس وفهم شخصياتهم؛ بعيداً عن الأحكام المسبَقة أو التحيّزات العاطفية التي قد تحجب الرؤية الواضحة.
وفي هذا السياق، تعمقت العديد من الدراسات في "فن قراءة الآخرين"؛ حيث أظهرت الأبحاث أن الكلمات لا تمثل سوى 7% فقط من عملية التواصل، بينما تشكل لغة الجسد ونبرة الصوت النسبة المتبقية. لذلك، نستعرض معكم في هذا المقال أبرز التقنيات لإتقان هذا الفن، والتعرُّف إلى خبايا الشخصيات منذ اللقاء الأول.
أهمية فهم الإشارات غير اللفظية
في مقال بعنوان: "كيف تقرأ الناس كالمحترفين"، تقول منصة Verywell Mind المختصة بأبحاث ومواضيع الصحة النفسية: "إن فهم الإشارات غير اللفظية، هو المِفتاح لقراءة الناس بفعالية. فلغة الجسد، ونبرة الصوت، وتعبيرات الوجه، يمكن أن تكشف عن مشاعر قد لا تعبّر عنها الكلمات. ومن خلال مراقبة هذه الإشارات ومراعاة السياق، يمكنك التواصل بشكل أفضل، واكتساب رؤى قيّمة حول نوايا الآخرين". ويضيف المقال: "عند قراءة الناس، تذكّر أنك تتعامل مع بشر. فكل شخص يختلف عن الآخر، ولكلٍّ منا أنماطه السلوكية الخاصة".
ما هي الإشارات التي ستساعدك على قراءة الناس؟

وفق المنصة المذكورة، تتطلب قراءة الناس بفعالية، مراقبة ما يقولونه وكيف يقولونه، والبحث عن مجموعات من السلوكيات بدلاً عن التركيز على إشارة واحدة بمفردها. وهذا ما علينا الانتباه له:
- لغة الجسد: تجب مراقبة الإشارات غير اللفظية، مثل وضعية الجسم، والاتجاه، والإيماءات؛ فعلى سبيل المثال، قد يشير الانحناء نحو الأمام إلى الاهتمام، في حين أن تكتيف الذراعين أو الانحناء إلى الخلف، قد يوحي باتخاذ موقف دفاعي.
- نبرة الصوت: لا بد من التنبُّه إلى طريقة قول الأشخاص للأشياء وليس فقط إلى محتوى كلماتهم، ويشمل ذلك علوّ الصوت، والنبرة، وسرعة الكلام، والتنغيم. قد يكون التردد والهدوء علامتين على القلق، في حين أن التحدُّث بوضوح وسرعة، يمكن أن يشير إلى الثقة أو الحماس.
- تعبيرات الوجه: مراقبة حركات وجه الشخص والتفكير فيما قد تدل عليه أمرٌ أساسي؛ إذ يمكن للتعبيرات أن تكشف ما إذا كان الشخص سعيداً، أو حزيناً، أو غاضباً، أو متوتراً؛ حتى تلك التحركات الطفيفة المعروفة باسم "التعبيرات الدقيقة" (Micro expressions).
- التواصل البصري: تنقُل العينان الكثيرَ من المعاني. فالحواجب المرفوعة قد تعني أن الشخص مهتم، بينما العيون الضيّقة قد تدل على الشك. وإذا كانت عينا الشخص تتحركان بسرعة في أرجاء المكان؛ فقد يكون متوتراً أو يبحث عن مخارج محتملة. في حين أن كثرة التواصل البصري، قد تدل على الاهتمام أو الثقة.
تقنيات لقراءة الناس

تقول د. جوديث أورلوف، وهي طبيبة نفسية ومؤلفة وأستاذة مساعدة في الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس: "إنك حتى تتمكن من تعلُّم قراءة الإشارات الحدسية غير اللفظية المهمة التي يصدرها الناس، يجب أن تكون مستعداً أيضاً للتخلي عن أيّة أفكار مسبقة، أو أعباء عاطفية مثل الأحقاد القديمة أو صدامات الأنا (Ego)، والتي تمنعك عن رؤية شخص ما بوضوح. المِفتاح هو البقاء موضوعياً واستقبال المعلومات بحيادية من دون تشويهها".
وتتحدث أورلوف عن ثلاث تقنيات لقراءة الناس، وذلك عبْر مقال نشره موقع Psychology Today المختص بالصحة النفسية وعلوم السلوك:
التقنية الأولى: مراقبة إشارات لغة الجسد
تقول أورلوف إن الجسد يتحدث بصوت أعلى من الكلمات؛ إذ أظهرت الأبحاث أن الكلمات تمثل 7% فقط من طريقة تواصلنا، في حين أن لغة جسدنا (55%) ونبرة صوتنا (30%) تمثل الباقي. هنا يجب التركيز على:
- المظهر الخارجي: الملابس الأنيقة والبدلات تشير للجدية والطموح، بينما الجينز والتيشيرت يدل على العفوية والراحة.
- وضعية الجسد: الرأس المرفوع يدل على الثقة، والانكماش يدل على ضعف تقدير الذات، والصدر المنفوخ يشير إلى الأنا المتضخمة.
- الحركات: تقاطع الذراعين/ الساقين يعني الدفاعية أو الغضب، إخفاء اليدين يعني إخفاء أمرٍ ما، وعض الشفاه أو الأظافر يدل على التوتر والضغط.
- تعابير الوجه: خطوط الجبهة تعني القلق، وتجاعيد العين تعني الفرح الحقيقي، والشفاه المزمومة أو الفك المشدود يدلان على الغضب والتوتر.
التقنية الثانية: الاستماع إلى الحَدْس

الحَدْس، وفق أورلوف، هو ما تشعر به في أعماقك، قبل أن تبدأ بالتفكير العقلاني. وهو رد فعل جسدي سريع ينقل لك فوراً ما إذا كنت مرتاحاً للشخص أم لا. يظهر غالباً كـ"إلهام مفاجئ" ويجب أن تكون يقظاً لالتقاطه، وإلا فقد يفوتك؛ فنحن نميل إلى الانتقال إلى الفكرة التالية بسرعة كبيرة؛ مما يُفقدنا هذه الرؤى الهامة.
التقنية الثالثة: استشعار الطاقة العاطفية
المشاعر وفق أورلوف هي تعبير مذهل عن طاقتنا، أو "الذبذبات" (الهالة) التي ننبعث منها، ونحن نسجلها عبْر الحَدْس. والناس يرسلون طاقات غير مرئية تؤثّر على محيطهم، ويمكنك قراءتها من خلال:
- حضور الأشخاص: هل الأجواء المحيطة بهم ودودة تجذبك، أم تجعلك تنفر وتتراجع؟
- العيون: هل نظراتهم دافئة وحنونة وتكشف عن شخص حقيقي، أم حذرة ومتحفظة؟
- التلامس (المصافحة والعناق): المصافحة الدافئة تعني الثقة، بينما الأيدي الباردة والرطبة تدل على القلق، والأيدي المرتخية تدل على التردد.
- نبرة الصوت والضحك: هل صوتهم مهدئ ومريح، أم حاد ومزعج وكثير الشكوى؟
أقوال الخبراء عن فن قراءة الناس
تنقل منصة Verywell Mind، في مقالها المذكور سابقاً، مجموعة من القراءات المختصة التي تعود لعدد من الخبراء والأكاديميين والباحثين، ومنها:
"الانطباعات الأولى لها أهمية كبرى، فنحن نشكل انطباعنا عن شخص ما في الثواني القليلة الأولى، وتغيير رأينا عنه يستغرق وقتاً أطول بكثير"
كارول ريلتون، حاصلة على زمالة الجمعية الملكية للفنون، وخبيرة عالمية في لغة الجسد
"عند قراءة الناس، نبحث عن الأساسيات أولاً: تعبيرات الوجه، والوضعية الجسدية، والحركة. إن الجمع بين هذه العناصر الثلاثة يمكن أن يعطينا بعض الأدلة الأولية عن الشخص- ولكن بالطبع، هناك ما هو أكثر من ذلك بكثير"
إنبال هونيجمان، خبيرة عالمية في لغة الجسد
"إن الكلمات المحددة التي يستخدمها الشخص، يمكن أن تكشف عن شعوره أو ما يقدّره. على سبيل المثال، الاستخدام المتكرر لضمير المتكلم "أنا" قد يشير إلى التركيز على الذات أو التشبث بوجهة النظر الشخصية، في حين أن استخدام صيغة الجمع "نحن" يشير إلى عقلية أكثر جماعية أو توجهاً نحو العمل الجماعي".
د. ألكسندرا ستراتينر، طبيبة نفسية مرخصة
ومع هذه المقولات نختتم مقالنا وندعوكم لقراءة بين الذكاء الاصطناعي والعاطفي: ما هي المهارات التي سيحتاجها جيل ألفا؟

Google News