mena-gmtdmp

كيف تختلف الضغوطات العاطفية والنفسية لدى الأطفال مقارنة بالبالغين؟

صورة التوتر عند الأطفال
كيف تختلف الضغوطات العاطفية والنفسية لدى الأطفال مقارنة بالبالغين؟

عندما يتعرض البالغون لضغوط نفسية، فهم غالباً يستطيعون وصفها ويقولون إنهم يشعرون بالقلق أو الإرهاق أو الإنهاك أو الاكتئاب، بينما الأطفال نادراً ما يمتلكون الكلمات أو الفهم النفسي الكافي للتعبير عما يشعرون به. وقد يُعبّرون عن ضيقهم من خلال سلوكهم، أو من خلال الأعراض الجسدية، أو تغيرات في علاقاتهم وأدائهم اليومي، حتى أولئك الذين يمتلكون المفردات اللازمة للتعبير عن مشاعرهم؛ يجدون صعوبة بسبب مخاوفهم من إثقال كاهل الآخرين أو عدم فهمهم الكامل لمشاعرهم. وفي عيادتي، كما تقول الدكتورة تِيزيم دانجي، استشارية الطب النفسي، متخصصة في طب نفس الأطفال والمراهقين والمديرة الطبية لدى عيادات سيج: "أقابل آباءً يقولون: لم أكن أدرك أن طفلي يعاني من ضائقة نفسية، ظننت أنه مجرد طفل صعب المراس". وهذا الأمر شائع جداً لأن الضغوط النفسية والعاطفية قد تبدو مختلفة تماماً لدى الأطفال مقارنةً بالبالغين. ويُعد فهم هذه الاختلافات أمراً بالغ الأهمية، لا سيّما في ظل الظروف الراهنة، حيث يؤثر الضغط الدراسي، والتوقعات الاجتماعية، والضغوط الأسرية، والتعرض الرقمي بشكل متزايد على الأطفال في سن مبكرة. ويساعد التشخيص المُبكر والدعم طويل الأمد على حدوث فرق كبير في الصحة النفسية والاجتماعية للطفل.

الدكتورة تِيزيم دانجي

طبيعة اختلاف التوتر بين الأطفال والبالغين

طبيعة اختلاف التوتر بين الأطفال والبالغين

يميل البالغون إلى كبت التوتر داخلياً والتأمل والتفكير المفرط، والانطواء أو الشعور باليأس. أما الأطفال، وخاصة الصغار منهم، فلا يزالون في طور تطوير مهاراتهم في تنظيم المشاعر واللغة. وغالباً ما يظهر التوتر عليهم بشكل خارجي. وقد يصبح الطفل الذي يعاني من ضائقة عاطفية سريع الانفعال، أو عدوانياً، أو متشبثاً، أو معارضاً، أو هادئاً بشكل غير معتاد. كما يتراجع نمو بعضهم، ويعود الطفل الذي كان مستقلاً إلى التبول اللاإرادي، أو يجد صعوبة في النوم بمفرده، أو يخاف من الانفصال عن والديه. كما أن الشكاوى الجسدية مثل الصداع، وآلام المعدة، والغثيان، والإرهاق، أو تغيرات الشهية شائعة جداً بين الأطفال، وتعكس ضائقة عاطفية كامنة. كما ينطبق هذا أيضاً على بعض الثقافات، حيث يُعبَّر الطفل عن الضائقة العاطفية جسدياً بدلاً من التعبير عنها لفظياً. ويلجأ الأهل إلى الفحوصات الطبية بشكل متكرر، حتى يدركوا أن التوتر العاطفي هو السبب الرئيسي في ظهور الأعراض.
وعلى سبيل المثال: هناك طفل صغير يتعرض إلى التنمر في المدرسة. ولا يُعبِّر عن مشاعره، بل يتجنب الذهاب إلى المدرسة بسبب آلام المعدة المتكررة، أو غيرها من الأمراض الجسدية. قد تختلف أعراض الاكتئاب لدى المراهقين، فهم أكثر عرضة لتقلبات المزاج، والانعزال الاجتماعي، وسرعة الانفعال، وتراجع الأداء الدراسي، أو الإفراط في استخدام الشاشات. وعلى عكس البالغين، لا يظهر الاكتئاب لدى المراهقين دائماً على شكل حزن، بل غالباً ما يظهر على شكل غضب، أو ملل، أو تبلد عاطفي، أو انعزال.

كيف يظهر القلق عند الأطفال؟

يُعدّ القلق من أكثر اضطرابات الصحة النفسية شيوعاً لدى الأطفال والمراهقين، ولكنه غالباً ما يُغفل عنه لأنه لا يُشبه دائماً قلق البالغين. ويصف البالغ الأفكار المتسارعة قلقاً، أو قلقاً مفرطاً، أو أعراضاً تُثير الذعر. أما الطفل، فقد يرفض الذهاب إلى المدرسة، أو يشكو من ألم في المعدة كل صباح، أو يبكي بشدة عند الفراق، أو يُصبح مثالياً للغاية، ويُصاب بالضيق من أبسط الأخطاء. تتابع د. تِيزيم: "في عيادتي، أرى كثيراً من الأطفال الذين يُوصفون بأنهم "خجولون" أو "حساسون" أو "عنيدون"، بينما يُعانون في الواقع من قلق شديد. ويُصبح بعضهم مُعتمداً بشكل كبير على والديه ويحتاج إلى طمأنة مستمرة. بينما يتجنب البعض المواقف الاجتماعية، ويرفضون المشاركة في الصف، أو يُصابون بالضيق من أي تغيير في الروتين اليومي. والأطفال الذين يُعانون من القلق يُصبحون أيضاً سريعي الانفعال والحساسية المُفرطة، مما يُسبب حيرة للعائلات؛ لأن القلق غالباً ما يرتبط بالخوف أكثر من الغضب. ومع ذلك، يعيش العديد من الأطفال القلقين في حالة توتر داخلي دائم يظهر على شكل إحباط أو نوبات غضب".
إن الأطفال الذين يُعانون من القلق يُصبحون أيضاً سريعي الانفعال والاستجابة. الأمر الذي يُعد مُربكاً للعائلات؛ لأن القلق غالباً ما يرتبط بالخوف أكثر من الغضب. ومع ذلك يعيش العديد من الأطفال القلقين في حالة توتر داخلي دائم يظهر على شكل إحباط أو نوبات غضب. كما يظهر القلق لدى المراهقين أيضاً من خلال اضطرابات النوم، ونوبات الهلع، والمثالية المفرطة، والانطواء الاجتماعي، أو القلق المفرط بشأن المظهر، أو التحصيل الدراسي، أو قبول الأقران. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يعاني العديد من المراهقين من مقارنة مستمرة وخوف من النقد، مما يُفاقم أعراض القلق بشكل ملحوظ. وفي حال عدم معالجته يلجأ بعض المراهقين إلى سلوكيات تحكمية؛ مثل تقييد الطعام أو سلوكيات الوسواس القهري، والذي بدوره يؤدي إلى مشاكل نفسية أخرى؛ مثل اضطرابات الأكل أو الوسواس القهري.

سوء فهم الاكتئاب عند الأطفال

سوء فهم الاكتئاب عند الأطفال

عندما نُفكّر في الاكتئاب، غالباً ما يتخيلون الحزن والبكاء والانطواء. بينما البالغون يصفونها بتدني المزاج والشعور باليأس، إلا أن علامات الاكتئاب لدى الأطفال تظهر بشكل مختلف. ويبدو الطفل المصاب بالاكتئاب سريع الانفعال، أو كثير الجدال، أو شديد الحساسية العاطفية، أو فاقداً للاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها سابقاً. وقد يعزل نفسه اجتماعياً أو يجد صعوبة في الاهتمام بنظافته الشخصية. وقد يلاحظ المعلمون تراجعاً في التركيز، أو تشتتاً، أو ضعفاً في التحفيز. بينما الأطفال الأصغر سناً يجدون صعوبة في تحديد الحزن. بدلاً من ذلك، يقولون إنهم يشعرون بـ"الملل" أو "الغضب" أو "التعب". ويصبح بعضهم شديد الانتقاد الذاتي أو شديد الحساسية تجاه أي رفض مُتصوَّر. أما عند المراهقين، فقد يتجلى الاكتئاب من خلال العُزلة، أو تغيرات في الصداقات، أو اضطرابات النوم، أو تغيرات في الشهية، أو تدني احترام الذات، أو سلوكيات محفوفة بالمخاطر. ويفقد بعض المراهقين المشاعر بدلاً من أن يظهر عليهم الانزعاج بشكل واضح. وقد يُعاني الطفل الذي يتوقف تدريجياً عن الضحك أو المشاركة أو الاستمتاع بالأشياء التي اعتاد عليها في صمت.

أهمية التأثير الثقافي وبيئة الطفل على حالته النفسية

لا يمكن فهم الصحة النفسية بمعزل عن السياق الثقافي، ففي العديد من المجتمعات، مثل بلدان الخليج العربي، عموماً، تُقدَّر المرونة النفسية تقديراً عالياً، وغالباً ما تُعطي الأسر الأولوية للخصوصية والقوة والسمعة الاجتماعية. وبينما تُعزز هذه القيم الروابط الأسرية القوية وأنظمة الدعم، إلا أنها قد تُصعِّب، من دون قصد، الحديث عن الصحة النفسية.
تستدرك د. تِيزيم: "تُفسّر بعض الأسر الصدمات النفسية على أنها ضعف أو سوء انضباط أو قلة امتنان أو مشكلة روحية، بدلاً من كونها أمراً يستدعي الدعم. وينتاب الآباء القلق بشأن الوصم الاجتماعي أو الأحكام المسبقة أو تأثير التشخيص على مستقبل الطفل، وعند طرح مخاوف بشأن الصحة النفسية يشعرون بالذنب والخوف. بينما يتردد البعض في طلب المساعدة خشية أن يُوصَم طفلهم أو يعتقد أنها "مرحلة عابرة" ستزول من تلقاء نفسها. ويخشى آخرون لوم الأقارب أو أفراد المجتمع. هذه المخاوف مفهومة، لكن الوصم الاجتماعي قد يُؤخر التدخل في وقت يكون فيه الدعم أكثر فعالية. ومن المهم إدراك الصعوبات العاطفية والنفسية بأنها ليست دليلاً على سوء التربية أو ضعف الشخصية أو انعدام الإيمان.
وتنشأ تحديات الصحة النفسية من تفاعل معقد بين عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية وبيئية. ويُراعي نظام الدعم والرعاية الصحية النفسية، الخصوصية الثقافية وقيم الأسرة والمعتقدات الدينية والتقاليد. وعملياً، هذا يعني التعاون الوثيق مع الأسر واحترام قيمها".

لماذا يُعدّ التدخل المبكر بالغ الأهمية؟

لماذا يُعدّ التدخل المبكر بالغ الأهمية؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً حول الصعوبات العاطفية لدى الأطفال، هو الاعتقاد ببساطة بأنهم سيتجاوزونها مع تقدم العمر. ومع أن بعض التحديات التنموية مؤقتة، إلا أنه لا ينبغي أبداً تجاهل القلق المستمر أو الاكتئاب أو اضطراب المشاعر أو التغيرات السلوكية عند الطفل، حيث يُمكن للتدخل المُبكر أن يُحسّن النتائج بشكل ملحوظ ويُقلّل من خطر الإصابة بمشاكل الصحة النفسية على المدى الطويل، وفي مرحلتي المراهقة والبلوغ.
وبما أن أدمغة الأطفال لا تزال في طور النمو، فهذا يعني أنها تستجيب بشكل كبير للدعم والعلاج والتغييرات البيئية الإيجابية. كلما تمّ تشخيص الصعوبات مبكراً، كان من الأسهل مساعدة الأطفال على بناء إستراتيجيات تأقلم صحية وتعزيز المرونة عاطفية.
والدعم لا يعني دائماً تناول الأدوية أو العلاج المكثف، بل غالباً ما يشمل مساعدة الوالدين على فهم الاحتياجات العاطفية بشكل أفضل، وتعزيز التواصل داخل الأسرة، وتحسين الدعم المدرسي، أو تعليم الأطفال مهارات تنظيم المشاعر.

ما الذي يجب على الآباء ومقدمي الرعاية الانتباه إليه؟

الآباء أدرى بأبنائهم، وغالباً ما تكون التغييرات الطفيفة ذات دلالة، وتشمل بعض العلامات التالية ضائقة عاطفية، مثل:

  • تهيج مستمر أو تقلبات مزاجية.
  • الانعزال عن العائلة أو الأصدقاء.
  • تغيرات في النوم أو الشهية.
  • رفض الذهاب إلى المدرسة، أو تراجع الأداء الدراسي.
  • شكاوى جسدية متكررة من دون سبب طبي واضح.
  • فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها سابقاً.
  • زيادة التشتت أو صعوبة الانفصال.
  • مخاوف أو قلق مفرط أو نزعة للكمال.
  • تغيرات سلوكية مفاجئة أو نوبات غضب عاطفية.

والأهم من ذلك، يجب على الآباء أن يثقوا بحدسهم. لمعرفة ما إذا بدا الطفل مختلفاً عاطفياً لفترة طويلة، فمن الجدير بالبحث والتقصي بسرعة.

كيف يتم خلق بيئات آمنة عاطفياً؟

كيف يتم خلق بيئات آمنة عاطفياً؟

الأطفال يزدهرون عندما يشعرون بالأمان العاطفي، وبأنهم مسموعون ومقبولون من محيطهم. هذا لا يعني إزالة كل الضغوط أو الصعوبات من حياتهم، بل مساعدتهم على الشعور بالدعم أثناء مواجهة التحديات. إن التواصل اليومي البسيط مع طفلك والاستماع إليه من دون إصدار الأحكام وتقدير مشاعره، والحفاظ على روتينه اليومي، وقضاء وقت ممتع معه، وتقديم نموذج للتعبير العاطفي الصحي، من الممكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في شعوره بالفهم. لأن الأطفال لا يحتاجون إلى آباء مثاليين، بل لآباء بالغين متفهمين عاطفياً، مُستعدين لملاحظة أي خلل، والتعامل معه بتعاطف بدلاً من النقد.
ومع تزايد الوعي بالصحة النفسية للأطفال في المنطقة العربية، تتاح لنا فرصة لتحويل النقاش من الوصم إلى الفهم؛ لأن الصحة النفسية لا تنفصل عن الصحة البدنية، أو التحصيل الدراسي، أو سلامة الأسرة. وعندما نُدرك الضيق العاطفي مبكراً، ونُقدّم الدعم اللازم، فإننا نُعطي الأطفال شيئاً لا يُقدّر بثمن؛ فرصة الشعور بالفهم، والدعم، والأمان العاطفي خلال مرحلة نموهم.

تابعي أيضًا عادات بسيطة تعزز شعور الطفل بالأمان والحب