يجب أن نعي أنّ تربية طفلٍ يتمتع بصحّة نفسية سوية في الأسرة تتطلّب وعياً ودوراً متكاملًا، وأن دور الأم، باعتبارها عالمه الأول، لا يقتصر على الرعاية فحسب. فكل امرأة، بحكم تكوينها النفسي والفسيولوجي، قادرة على رعاية الأطفال والاهتمام بهم. وتشمل هذه الرعاية توفير الطعام والشراب وتقديمهما بما يناسب احتياجات الطفل، إلى جانب الحرص على نظافته الشخصية، وتقديم العناية التمريضية له عند تعرّضه لأي وعكة صحية.
الهدف الأساسي من تنشئة طفلٍ يتمتع بشخصية قوية ونفسية سوية، خالية من العقد والأزمات، هو أن تكون الأم الملاذ الآمن له؛ أي أن تحرص على أن تكون الشخص الأول الذي يلجأ إليه الطفل عند مواجهة أي مشكلة، إلى جانب أن يكون كلٌّ من الأم والأب مصدراً للأمان والدعم في جميع الأحوال، ولذلك فقد التقت "سيدتي وطفلك"، وفي حديث خاص بها، بالمرشدة التربوية المعتمدة الدكتورة غدير يحيى، حيث أشارت إلى 5 علامات تدل على أن الطفل يشعر بالأمان العاطفي من والديه، ومنها: الشعور بالأمان والثقة بهما والتعبير عن مشاعره بحرية، وغيرها من العلامات المهمة، وذلك في الآتي:
1- حين يعبّر عن مشاعره من دون خوف

-
اعلمي أن تعبير الطفل عن مشاعره تجاه والديه بصدق، ومن دون خوف، ليس أمراً سهلاً، ولا يمكن أن يحدث من تلقاء نفسه ما لم يتوافر له شعورٌ بالأمان العاطفي. ويُعدّ الأمان من أهم شروط الحياة الإنسانية، وقد ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: «وآمنهم من خوف»، فشعور الإنسان بأنه مهدّد يُعدّ شعوراً هداماً ومؤذياً. وإذا لم يشعر الطفل بالأمان مع والديه، فمن الذي سيشعر معه بهذا الأمان؟ وغالباً ما يلجأ الطفل، خاصة في مرحلة ما قبل المراهقة، إلى أشخاص قد يبوح لهم بمشاعره، لكنهم ليسوا دائماً الاختيار الصحيح أو الآمن.
- احرصي على تعويد وتعليم الطفل التعبير عن مشاعره منذ سنّ مبكرة، من خلال الحديث معه باستمرار عن المشاعر المختلفة التي يمر بها الإنسان في حياته، مثل الفرح والحزن والغضب والجوع والخوف، وشرح متى يشعر بكل شعور وكيف يمكنه التعامل معه. اسأليه عن استجابته في المواقف المختلفة، وشاركيه أيضاً مشاعرك في المواقف نفسها، ثم اسأليه كيف سيكون شعوره لو مرّ بتجربة مشابهة. بهذه الطريقة تساعدينه تدريجياً على فهم مشاعره والتعبير عنها منذ الصغر، مما يعزز ثقته بنفسه.
2- حين يكون لديه فضول متجدد
- لاحظي أن الطفل الذي يشعر بالأمان في عاطفته؛ هو الطفل الذي يسأل، فهو طفل غير مقموع، فالطفل كثير الأسئلة هو شخص أتيحت له الفرصة لكي يسأل، ولذلك فهو سوف يكتشف ويتعلم، ولن يبقى خاملاً ومحدود المعرفة، فلولا السؤال لما تقدم العلم، ولذلك فالطفل حين يشعر بأمان من والديه؛ سوف يسألهما عن كل ما يشغله، حتى لو كانت أشياء خاصة، أو تندرج تحت مسميات غير مقبولة، ولكنه يجب أن يفهمها من مصدرها الصحيح.
- اعلمي أن الطفل الفضولي ليس طفلاً غير سوي، بل إن طرح الأسئلة دليل على فضوله الطبيعي ورغبته في الفهم. وعلى العكس، فإن الطفل الذي يُمنع من السؤال قد ينشأ لديه شعور بالخوف وعدم الثقة بالنفس. لذلك من المهم أن تُشعري طفلك بالأمان والثقة، وأن تكوني حاضرة للإجابة عن أسئلته من دون خوف أو سخرية أو عقاب، فكثير من الأمهات يطلبن من أطفالهن التوقف عن الأسئلة أو يسخرن من بعض تساؤلاتهم الطفولية، ويعتبرنها غير مهمة، وبذلك قد يُضعفن ثقة الطفل بنفسه من دون قصد، ويجعلنه متردداً وخائفاً من التعبير عن أفكاره.
3- حين يشعر بالأمان مع الوالدين
- اعلمي أن الطفل الذي يشعر بالأمان مع والديه يتمتع بدرجة عالية من الأمان العاطفي، وهذا الشعور يجعله يثق بك ويعتبرك الملاذ الآمن له في كل وقت، فيلجأ إليكِ ليتحدث عن مشاكله وما يتعرض له من ضغوط، خاصة في المدرسة باعتبارها أول مجتمع يخرج إليه الطفل بعيداً عن حضن الأسرة، وهو ما يسهم في تشكيل شخصيته. وعندما يتوافر له هذا الأمان يصبح أكثر ثقة بنفسه، ويحظى بالدعم والتشجيع من الأم والأب معاً، لذلك من المهم أن تتحلي بالصدق في التعامل معه، وألا تقطعي وعوداً لا تستطيعين الوفاء بها.
- لاحظي أن الأمان العاطفي مع الوالدين يعني أن يثق الطفل بهما، ولذلك يجب عليك ألا تفشي أسرار طفلك أو تسخري منه أو تقارنيه بغيره، بل عليكِ تعزيز شخصيته وترفعين من مستوى تقديره لذاته؛ من خلال تصرفاتك معه ومدحه أمام الغرباء من دون مبالغة، ويجب أن تمتدحي تصرفاته الحسنة وليس شكله، من دافع حبك فقط له.
4- حين يكون متفاعل واجتماعي

- اعلمي أن الطفل الذي يشعر بالأمان العاطفي، بحيث تكون لديه مساحة واسعة للبوح بمشاعره لأقرب إنسان لديه من دون خوف من العقاب ومن دون تردد، هو الطفل الذي يكون قوي الشخصية، ويكون طفلاً قادراً على بناء علاقات صحية مع الآخرين منذ صغره، فسوف تجدين طفلك الذي تشبعينه عاطفياً يحب اللعب الجماعي مع الأطفال الرضع، ولكن الطفل الذي لا يشعر إلا بالخوف؛ يكون طفلاً منطوياً وخجولاً لدرجة زائدة.
- احرصي على أن تعززي لدى طفلك مهارات التواصل الاجتماعي مع الآخرين؛ من خلال تعليمه طرق وآداب الحوار واحترام الكبار، وكذلك تقبل النقد والخسارة بروح رياضية؛ لأن هذه السلوكيات المبكرة تُشعر الطفل بأن الحياة لا تقف عنده، وبأن الكون لا يدور حوله؛ لأن هناك أمهات يزرعن الأنانية في أطفالهن من دون شعور، وبسبب التدليل المفرط الضار بالطفل.
5- حين يسيطر على مشاعره
- اعلمي أن من علامات تمتع طفلك بالأمان العاطفي؛ أنه يستطيع، ومنذ سن مبكرة، أن يسيطر على عواطفه، فهو حين يبكي لا ينهار، ولا يطرح نفسه أرضاً، ولا يؤذي نفسه، بل إنه يبكي، ثم يتوقف عن البكاء حين يقتنع بأن هناك حلولاً أخرى أكثر فائدة، كما أن الطفل الذي يكون سوياً من الناحية العاطفية؛ هو الطفل الذي يستطيع أن يعود إلى حالته الطبيعية بهدوء وبكل سهولة، فسوف تلاحظين أنه يضبط أعصابه عندما يدوس أحدهم على قدمه من دون قصد، أو حين يأخذ شقيقه منه لعبته، فهناك أطفال يبكون بهستيريا؛ حين يتعرضون لمثل هذه المواقف، بسبب شعورهم بالخوف وعدم الأمان، وتوقع الأذى المباشر والسريع من المحيطين بهم.
- لاحظي أيضاً أن الطفل الذي يشعر بعدم الأمان من والديه، وهم أقرب المقربين له، هو طفل يتوقع الخطر في كل لحظة تمر به، ويعبّر عن هذا التوقع بأن يكون طفلاً عصبياً ومتوتراً وغاضباً طيلة الوقت. فإذا كان عليكِ التساؤل عن أسباب عصبية الطفل، فيجب أن تعرفي أن الطفل العصبي والقلق غالباً هو طفل خائف، ولديه شعور داخلي ومبهم بعدم الأمان، ويجب أن تعملي على احتوائه وزيادة شعور الأمان لديه بكل الطرق، وأهمها احتضان الطفل باستمرار، والتربيت عليه، ومسح رأسه وصدره بيديكِ بكل حنان؛ لأن لغة جسدك مهمة جداً في نقل وتوصيل الشعور بالأمان؛ الذي يجب أن تكوني كأم، وكذلك الأب، مصدره الأساسي للطفل، فحين يشعر الطفل بالأمان مع والديه؛ فسوف ينجح وينجز ويتفوق، ويبدو طفلاً هادئاً وقوياً وواثقاً بنفسه.
قد يهمك أيضاً معرفة: كيفية تعليم الأطفال التعبير عن مشاعرهم بطريقة صحيحة


Google News