كان الجمهور اللندني على موعد مع معرض الفنان السوري «غسان جديد»، هذا التشكيلي السبعيني المسكون بملامح وأجواء وحارات مدينته الساحلية «طرطوس»، والتي يعيد رسم تفاصيلها في كل مرة ببراءة طفل ولهفة عاشق وعين فنان.
«طرطوس» والذاكرة المتوقدة
والمعرض الذي نظمته في لندن ابنة مدينته الفنانة «هبة صبرة»، هو نافذة ملونة يطل منها الجمهور على مدينة الحلم التي لم يفارقها الفنان ولم تفارقه، ورغم تبدل ملامح «طرطوس» واستعارتها لرداء الحداثة الذي غيب كثيراً من معالم جمالها الأصيلة، إلا أن ذاكرة الفنان المتوقدة وروح الطفل المشاكس التي لم تفارقه قد أنكرت هذا التغيير، وأبقت كل شيء على حاله؛ فهذه قاعة الفرسان التي تحولت إلى الساحة، وهنا الكاتدرائية التي صارت متحفاً، ويطل علينا من لوحة أخرى برج طرطوس وطاحونة الهواء العتيقة، ومرفأ الرومان، وسور طرطوس القديم الذي يستظل به باعة اللوز والمشمش والفستق، إنه غسان، الطفل الذي يعاود اكتشاف أزقة وحواري مدينته من جديد.
اللوحة هي مغامرتي الذاتية
• وفي حوارنا مع الفنان السوري «غسان جديد»، كان السؤال الأول عن سبب اختيار هذه المدينة موضوعاً دائماً للوحاته:
- لأنها شغاف القلب، وعشقي الذي لا يعرف الحدود، إنها مدينتي العزيزة بناسها الطيبين وبساطة الحياة وهدوء الطبيعة، وهي تفاصيل الطفولة والصبا العالقة في ذاكرتي، والتي أترجمها عبر لوحات أرسمها بقلبي وعقلي.
• هل جربت رسم مدينة أخرى؟
- ذهبت في فترة ما إلى مدينة «معلولا» الجميلة؛ حيث الأديرة العتيقة والكنائس والممرات الصخرية، وبقيت فيها بعض الوقت، وفتنتني بجمالها، لكني كنت أرسم وطرطوس لا تفارق مخيلتي.
• ماذا تعني لك لوحاتك؟
- هي التعبير الصادق عن مكنونات نفسي، وهي مغامراتي الذاتية.
• كيف تبدأ حكايتك مع اللوحة؟
- اللوحة عندي مثل بحر واسع، أرمي نفسي فيه وأنا غير متأكد مما سألاقي بعدها، وقد أبدأ بفكرة ثم أنتهي إلى لوحة مختلفة؛ فاللوحة بالنسبة لي مغامرة فنية بنهايات قد لا تشبه البدايات، وعموماً أنا عادة ما أحتفظ بعناصر أساسية أعيد تكوينها في كل مرة على قماش لوحتي.
اللون الأسود هو عدوي الأول
• ألوانك مضيئة وبراقة، هل «طرطوس» بهذا الإشراق؟
- نعم، هي جميلة ومشرقة منذ وعيت على تفاصيلها في بداية الخمسينيات، ولاتزال صور البحر والمراكب الملونة وشروق الشمس وغروبها يضج في ذاكرتي، ويتحول في لوحاتي إلى هذه الألوان المضيئة التي هي قدر مدينتي وقدر لوحاتي.
• أسلوبك ثابت لا يتغير، هل هو جزء من الخصوصية؟
- يمكن أن يصنف أسلوبي على أنه واقعي وتجريدي، وأنا ضد فكرة تغيير الأسلوب بشكل متكرر، ولكني مع بعض التغيير في فترات متباعدة، على أن يكون مرافقاً للنضج الفكري للفنان، وبشرط أن تبقى اللوحة أمينة على أسلوب صاحبها، ويمكن أن تشير إليه حتى لو غفل عن وضع توقيعه، ولوحاتي تتغير دائماً ولو بشكل قد يبدو غير محسوس للوهلة الأولى... وقد يكون ثمة تغيير كبير بعد سنوات.. من يدري؟
• هل هنالك من يرسم بمثل أسلوبك؟
- أنا لا أشبه أحداً، وحتى لو كان هنالك من يرسم بنفس طريقتي في التشكيل والتكوين والتلوين؛ فإن بصمتي الخاصة تبقى متميزة.
• ما هو مفهومك لوظيفة اللون، وكيف تتعامل معه؟
- كل لوحة لها جوها ومزاجها اللوني الخاص، وكل لون أستخدمه يفرض عليّ لوناً آخر قد يكون منسجماً أو متضاداً مع اللون الذي سبقه، وأعتقد أن اللون هو الذي يظهر حساسية الفنان، ويشي بمزاجه، ويؤكد على مقدرته وقوة فرشاته، وأنا عادة ما أستخدم الألوان الحارة والباردة وما بينهما دون أي تحفظ أو تردد، لكني أعترف بأن اللون الأسود هو عدوي الأول في الرسم؛ لأنه يؤثر على شاعرية اللوحة؛ لذا لا أستخدمه إلا إذا كنت مضطراً، وأحياناً أستبدل به الأبيض كلما كان هذا ممكناً، واللون عموماً هو عنصري الأساسي في إيصال الفكرة.
• هل يمكن أن تفك لنا شيئاً من رموز لوحاتك؟
- هنالك كثير من الرموز المختبئة في تفاصيل لوحاتي، والتي يمكن أن يفسرها كلٌ على ما يشتهي ويريد، وقد تحتل الرموز أكثر من 8% من مكونات اللوحة أحياناً، وهي كنايات وإشارات خاصة؛ فأنا عادة ما أستخدم الدائرة مثلاً كرمز للمرأة والخصوبة والعطاء اللامحدود؛ فيما المراكب والفنارات هي كناية عن السفر والمغامرة والبحث عن عوالم جديدة، والسفن الفينيقية هي رمز لحضارة المدينة القديمة، أما المفتاح فإنه المستقبل، والياطر هو الترحال، والبستونة هي رمز للحظ وللآتي من الأيام.
أنا لا أجيد رسم الألم
• أحياناً تقترب رسومك من خيالات الأطفال؟
- أنا أفتح النوافذ واسعة أمام رسومي لتبدو كرسوم الأطفال؛ فأنا أبحث في ذاكرتي عن تفاصيل قديمة وأحاول أن أنقل دهشة الاكتشاف الأولى وبراءة الأفكار وجموح الخيال الطفولي، ثم ألونها كما يلون الأطفال خيالاتهم؛ ففي لوحاتي يمكن أن تكون السماء خضراء، والبحر أصفر، والشمس وردية.
• هل أثرت الأحداث السورية على بهاء لوحاتك الجديدة؟ كيف تصور ما يحدث من موت ودمار؟
- أنا أرسم السلام والجمال والمحبة والصفاء الروحي، ولا وجود للألم في لوحاتي؛ فأنا أبتعد عن كل ما يشوش جمال ما أرسمه وما يؤثر على رسالتي في إسعاد الناس، باللون والضوء وخزين الذكريات الجميلة، أنا أحب أن أشيع السعادة والفرح وقيم الجمال، ولا أجيد غير ذلك.
• والألم الذي يعيشه الناس؟
- ربما يظهر شيء من هذا الحزن والألم بعد عشر سنوات، وبعد أن أستوعب ما يدور حولي، وأكون حينها قادراً على إيجاد حيز له في لوحاتي.
تجربة الفنان أمام جمهور لندن
فنانة الغرافيك السورية «هبة صبرة»، هي من تقف وراء تنظيم هذا المعرض في لندن، وهي بذلك تعيد تجربتها مع هذا الفنان للمرة الثانية، بعد أن نظمت له معرضاً آخر قبل شهور.
• سألناها: ما الذي يجدد حماسك لهذا الفنان؟
- يستهويني أسلوبه الخاص في الرسم، وموضوعاته التي تلامس وجداني؛ كوني من نفس المدينة، وتأخذني لوحاته إلى عالم جميل أستعيد من خلاله كثيراً من الذكريات عن مدينة الطفولة، كما أني مأخوذة بالصدق والبساطة والسلاسة، مع عمق الأفكار التي تضج بها رموز اللوحات.
• ولماذا تنظمين معرضين لنفس الفنان؟
- أريد أن أنقل للناس شيئاً من تجربة هذا الفنان الصادق والمتواضع والمسكون بحب مدينته، وبالفعل فقد أثارت أعماله اهتمام الجمهور في لندن، وكانوا يسألون كثيراً عن هذه المدينة، وعن الفنان، وعن ألوانه وخطوطه والبناء الفني للوحاته، وكنت أجيب نيابة عنه لأنه الغائب الحاضر؛ حيث إنه مايزال مقيماً في طرطوس، وقد خولني أن أنظم له المعارض، ولم يسألني أبداً عن أي مردود مالي من هذه المعارض، وكل ما يهمه هو الفن وطرطوس وتقديم تجاربه للآخرين.
عن الفنان «غسان جديد»:
• مواليد مدينة طرطوس السورية 1946.
• تخرج في كلية الفنون الجميلة بدمشق.
• عضو في اتحاد التشكيليين السوريين.
• أقام عشرات المعارض في سورية وخارجها.

Google News