mena-gmtdmp

توحد البالغين: هل هو خطأ يحدث -فجأة - في التربية؟ وما هي خرافة" الأم الثلاجة"؟ 

صورة لمراهقة ترسم
شابة متوحدة تعيش عالمها باهتمام- مصدر الصورة: freepik

وما هو الأسلوب العملي الأنسب للتعامل مع البالغ المصاب بالتوحد؟ وأسئلة أخرى كثيرة قد تتوالى على لسان أم حائرة قلقة وجدت نفسها أمام حالة من التوحد لابنها البالغ؛ حيث طغى عليها إحساس بالذنب والتقصير، ووهم يسيطر بأنها مسؤولة عما وصل إليه ابنها البالغ. ولم تنتظر؛ أخذت تقرأ وتتصفح الكتب وتتابع المواقع العلمية الإلكترونية؛ لتفهم في النهاية: أن التوحد يمكن أن يصيب البالغين، - أولاد وبنات- لكنه لا يصيبهم فجأة – كما تعتقد-!
اللقاء والدكتورة ماجدة أحمد هلال المتخصصة في أطفال التوحد، التي قامت بتشخيص حالة المتوحد البالغ، موضحة أسبابه وعلاماته، والتي ترجع غالباً لمجموعة عوامل وراثية وجينية، بالإضافة إلى عوامل بيئية أثناء الحمل.

غياب التشخيص

طفلة كبيرة تعاني من التوحد- مصدر الصورة: Adobe Stock by bangkok Click studio

سيدتي الأم: غياب التشخيص لا يقلل من تأثير مرض التوحد على حياة الطفل أو البالغ، إذ قد يقضي الكثير منهم سنوات وهم يواجهون صعوبات يومية من دون تفسير واضح لما يمرون به. هذا رغم أن التشخيص قد يشكل نقطة تحول مهمة وفي بعض الحالات عاملاً منقذاً للحياة.
سيدتي الأم: التوحد لا يصيب البالغين - بنات وصبيان - بشكل مفاجئ؛ فهو اضطراب نمائي عصبي يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة ويستمر مدى الحياة. ومع ذلك، قد لا يتم تشخيص بعض الأشخاص إلا في مرحلة البلوغ نتيجة لعدم وضوح الأعراض في صغرهم أو بسبب قدرة الشخص على "التمويه" الاجتماعي لسنوات، ويحدث ذلك بدون قصد مباشر منه.

أشياء يفعلها الأطفال قد تبدو طبيعية لكنها مؤشر توحد! هل تودين معرفتها؟

أسباب التوحد (تظهر في الطفولة وتستمر للبلوغ):

التوحد يظهر في الطفولة ويستمر- مصدر الصورة: freepik
  • العوامل الوراثية: تلعب الجينات دوراً أساسياً، حيث يمكن أن تورث أو تظهر كطفرات جينية جديدة.
  • العوامل البيئية: قد تزيد بعض عوامل خطر أثناء الحمل، مثل العدوى الفيروسية، أو تناول أدوية معينة، أو مشاكل الحمل، من احتمالية الإصابة.
  • العوامل الجينية: يرتبط التوحد أحياناً بحالات وراثية محددة مثل متلازمة الكروموسوم X الهش.

هل التوحد لدى الأبناء البالغين ناتج عن خطأ في التربية؟


هي فكرة خاطئة تماماً تم دحضها علمياً منذ عقود، ولتوضيح الأمر إليك النقاط التالية:

اضطراب نمائي عصبي

التوحد حالة ترتبط بكيفية نمو وتطور الدماغ والجهاز العصبي، وهو أمر يولد به الشخص أو يكون لديه استعداد جيني له قبل الولادة.

خرافة "الأم الثلاجة"

(بين الخمسينيات والسبعينيات)، سادت نظرية خاطئة تدعي أن "برود" الأم العاطفي يسبب التوحد، لكن العلم أثبت بطلانها تماماً؛ فالتوحد حالة بيولوجية وجينية وليست نفسية ناتجة عن سوء أو برود المعاملة.

دور التربية

أسلوب التربية لا يسبب التوحد ولا يمنع حدوثه، لكنه يلعب دوراً مهماً في مساعدة الشخص المصاب على التأقلم وتطوير مهاراته.

الأسباب الحقيقية

  • وجود جينات معينة تزيد من احتمالية الإصابة، عوامل بيئية أثناء الحمل مثل عمر الوالدين عند الإنجاب أو التعرض لعدوى معينة.
  • لا يجب أن يشعر الآباء بالذنب؛ فالتوحد ليس نتيجة إهمال أو أسلوب تربية خاطئ، بل هو ناتج عن اختلاف في التطور العصبي للدماغ.

لمزيد من المعرفة: كيف أتعامل مع ابني المراهق المصاب بالتوحد؟

أعراض التوحد لدى البالغين:

للمتوحد اهتمامات خاصة- مصدر الصورة: freepik by Peter burdon

التمسك بالروتين

غالباً ما يلتزم المصابون بالتوحد بجدول يومي ثابت، ويشعرون بتوتر واضح عندما تطرأ تغييرات مفاجئة على روتينهم المعتاد، ما يعكس حساسية عالية للتغيرات والاعتماد على التكرار في حياتهم اليومية.

إظهار اهتمام مكثف بمواضيع محددة

يميل المصابون بالتوحد إلى الانشغال العميق بمواضيع أو هوايات معينة، بحيث يكرسون لها وقتاً وتركيزاً كبيرين بشكل مستمر ومكثف، ما يعكس اهتمامهم الشديد وتفاصيلهم الدقيقة في هذه المجالات.

الحساسية المفرطة من بعض المؤثرات الحسية

يعاني بعض المصابين بالتوحد من حساسية مفرطة تجاه المؤثرات الحسية، مثل الضوضاء العالية، أو الضوء الساطع، أو الروائح القوية، أو الملمس غير المألوف، ما يجعل البيئة اليومية تحدياً إضافياً لهم.

صعوبة في التكيف مع التغيير

يواجه العديد من المصابين بالتوحد صعوبات في التعامل مع التحولات الحياتية أو التغيرات البيئية، حيث يمكن لأي تعديل مفاجئ في الروتين أن يسبب توتراً أو قلقاً شديداً، ما يجعل التكيف مع الجديد تحدياً مستمراً.

صعوبة في فهم القواعد الاجتماعية

  • مثل قراءة لغة الجسد أو فهم الإشارات غير المباشرة.
  • صعوبة التعبير عن المشاعر أو فهمها، أو تفضيل الاستقلالية.
  • مواجهة صعوبات في بيئة العمل، خاصة في التفاعل الاجتماعي أو التكيف مع التغيرات المهنية.

في النهاية يمكن للبالغين المصابين بالتوحد الذي يُعرف أحياناً بـ "متلازمة أسبر جر" أن يعيشوا حياة منتجة مع التشخيص المناسب والدعم السلوكي.

أعراض تحذيرية للتوحد عند البالغين: كما كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في معهد الطب النفسي بكلية كنجز كوليدج لندن أن عدداً كبيراً من البالغين المصابين بالتوحد في المملكة المتحدة يعيشون من دون الحصول على تشخيص رسمي، لا سيما ضمن الفئات العمرية الأكبر، ما يبرز وجود فجوة كبيرة في اكتشاف وتشخيص الحالة.

علامات شائعة عند البالغين (غير المشخصين)

غالباً ما يلاحظ البالغون المصابون بالتوحد صعوبات مستمرة في جوانب محددة:

  • التواصل الاجتماعي: صعوبة في فهم السخرية، لغة الجسد، أو الميول للبقاء وحيداً.
  • النمطية والروتين: التمسك الشديد بجدول يومي محدد والانزعاج من أي تغيير بسيط.
  • الحساسية الحسية: ردود فعل غير عادية للأصوات، الروائح، أو الملمس.

أهم الاستراتيجيات العملية للتعامل مع البالغ المصاب بالتوحد

شاب بالغ متوحد- مصدر الصورة: un splash by Maxim Mogile vskiy
  1. التواصل المباشر والواضح وتجنب لغة الجسد المعقدة: قد يصعب عليهم تفسير السخرية أو التلميحات غير المباشرة. استخدم جملاً واضحة ومباشرة. اعطِ وقتاً للمعالجة بعد طرح سؤال، انتظر لبضع ثوانٍ إضافية؛ فالدماغ لديهم قد يحتاج وقتاً أطول لترجمة الكلمات إلى معانٍ واستخدم الوسائل البصرية في حال التخطيط لمهام معينة، يفضل كتابتها في رسالة أو قائمة بدلاً من الاعتماد على الكلام الشفهي فقط.
  2. احترام الروتين والمساحة الشخصية، وتجنب المفاجآت؛ إذ أن التغيير المفاجئ في المواعيد أو الخطط قد يسبب قلقاً كبيراً. حاول إبلاغهم بأي تغيير مسبقاً وبفترة كافية. المساحة الآمنة، عند شعورهم بالضغط قد يحتاجون للانسحاب لمكان هادئ، احترم هذه الحاجة ولا تعتبرها "تجاهلاً" أو "قلة ذوق".
  3. مراعاة الحساسية الحسية، وتجنب البيئات المزعجة، والأصوات العالية، الإضاءة القوية، أو الأماكن المزدحمة قد تكون مؤلمة جسدياً لهم. حاول اختيار أماكن هادئة للقاءات. ويفضل عدم اللمس المباشر، وكذلك عدم المصافحة أو العناق إلا بعد التأكد من أنهم مرتاحون لذلك، لأن الملمس قد يسبب لهم ضيقاً حسياً.
  4. التركيز على الاهتمامات الخاصة وتقدير شغفهم؛ غالباً ما يمتلك البالغون المتوحدون معرفة عميقة في مواضيع محددة، التحدث معهم في هذه الاهتمامات يبني جسوراً قوية للتواصل ويشعرهم بالقبول.
  5. الدعم بدلاً من "الإصلاح"؛ ولابد من الاعتراف بالاختلاف، تعاملي معه كشخص ناضج لديه "طريقة عمل" مختلفة للدماغ، وليس كشخص يحتاج إلى تصحيح سلوكه ليكون طبيعياً.

*ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.