mena-gmtdmp

العرض السعودي "رأساً على عقب" تمرد ناعم على واقع خشن

جانب من الحضور
شخصية ليلى بأحد مشاهد العرض
الدكتورة مائسة صبيحي بأحد المشاهد من العرض
شخصية مريم من العرض
شخصية مريم حين علمت بزواج زوجها من أخرى
مشهد لشخصية ليلى من العرض
شخصية ليلى من العرض السعودي
مشهد آخر لشخصية ليلى
الدكتورة مائسة بعد نهاية العرض
9 صور
المرأة هي المرأة، تحمل القلب نفسه، حتى وإن اختلفت ألوانها وأشكالها وأساليب وجغرافيا حياتها، جميعهن يحببن، وجميعهن يكرهن، وجميعهن يحسسن بالتعب والألم، ويرقصن بالفرح، ويغنين من وقت لآخر، وإن اختلفت الأفكار والمجتمعات التي ولدن فيها، واختلفت طريقة حلّهن للمشاكل والصعوبات التي تواجهنها، فلن تتغير المشاعر التي يحسسن بها.

هذا ما حاولت المخرجة السعودية الدكتورة مائسة صبيحي أن تقوله خلال المونودراما المسرحية "رأساً على عقب"، التي ألفتها ومثّلتها وأخرجتها، وذلك على خشبة المسرح الدائري بالمركز الثقافي الملكي، ضمن فعاليات اليوم الثالث لمهرجان الأردن المسرحي بدورته الثالثة والعشرين، والذي يقام بالعاصمة الأردنية عمان.

ثلاثة شخصيات.. وألم واحد
عرضت صبيحي في عملها حكايات لامرأتين سعوديتين هنّ "مريم وليلى" مختلفتين تماماً بشخصياتهما، ولكلٍ منهنَّ قصة لا تختلف كثيراً عن الأخرى، فكليهما تواجهن هاجسين ربما يكونان من أكثر الهواجس المخيفة لدى المرأة، الوحدة، وفقد الزوج أو الحبيب لصالح أخرى، إضافة إلى شخصيتها الحقيقية التي أخذت دور الراوي والمتحدث عن هذه المشاكل.

البداية كانت مع مريم، التي تتمتع بشخصية مثقفة نوعاً ما، وتعيش حالة مادية جيدة، حيث تبدأ الشكّ بأن زوجها تزوج امرأة أخرى، وتحاول معرفة وإثبات ذلك، حتى تثبت صحة شكها.

والأخرى ليلى، ذات الشخصية البسيطة، التي نجدها كثيراً بمجتمعاتنا العربية، وهي مطلقة ولها عدد من الأطفال البنات، وقد تعبت من الوحدة، حتى فكرت بما يُسمى "زواج المسيار"، قبلت بأن تكون بالمرتبة الثانية بحياة أحد الأشخاص، على أن تكون وحيدة لا يؤنسها غير نفسها.

ولعبت صبيحي دورها بالحياة الطبيعية كـ"د.مائسة صبيحي" الفنانة المسرحية، التي تعيش بالولايات المتحدة، والتي كانت بالوقت نفس الراوي الذي يحكي أحداث القصتين.

العمل مضموناً..
قدمت المخرجة السعودية طرحاً غاية بالجرأة، للصعوبات التي تعيشها المرأة عموماً والسعودية بشكل خاص، محاولة خلق اشتباك واضح للصعوبات التي تعيشها المرأة بمختلف المجتمعات، مستعينة بالكوميديا السوداء بالكثير من الأحيان، حتى تتمكن من إيصال فكرتها مع ابتسامة حاضرة، بل وغالبة على عرضها منذ البداية حتى لحظاته الأخيرة، لا سيّما أن الموضوعات التي طرحتها صبيحي، ليس من السهل الحديث عنها بمجتمعاتنا العربية خصوصاً الخليجية منها، فكان تمرداً ناعماً على الواقع الخشن والذكوري الذي تعيشه النساء في الغالب.

العمل أداءاً..
أظهرت صبيحي طاقة فنية هائلة خلال العرض، فليس من السهل على أي ممثل أن يقدم الـ"مونودراما"، وهي فن الممثل الواحد، الذي لا يساعد الفنان فيه غير موهبته الكبيرة وإدراكه الواسع لحرفة المسرح، فكانت صبيحي ممثلة متمكنة من أدواتها بشكل ملحوظ، عارفة بكوامن شخصياتها التي أطلقت لها العنان على خشبة الدائري، استطاعت في معظم العرض، أن تحافظ على إيقاعها، رغم أنه بدا خافتاً بأماكن أخرى أقل، إلا أن صعوبة وتعقيد العرض المكون من ممثل واحد، يفرض نفسه دائماً، خاصة حين يؤدي الممثل عدة شخصيات بالوقت نفسه.

غير أن طبيعة العرض ومضامينه، فرضت على الفنانة الكثير من الحوارات المتخيلة، ما أدى إلى قلة الفعل المسرحي على الخشبة، ما أصاب الجمهور ببعض الملل من وقت لآخر، الذي حاولت كسره من خلال تكسيرها للجدار الرابع بالمسرح بتواصلها مع الجمهور، إما بالحديث عن العمل والشخصيات وحال المرأة السعودية عموماً، أو بحلولٍ إخراجية أخرى، كالحركات والكلام مع الحضور ضمن مبررات العرض، لكن كل ذلك لا ينفي قدرتها التمثيلية العالية، وتمكنها الكبير من أدواتها الفنية، كمخرجة بالمقام الأول، وكممثلة ومؤلفة ثانياً.

العمل.. ديكور وسينوغرافيا..
بالرغم من جرأة ونجاح العرض بالكثير من عناصره، إلا أن الديكور والسينوغرافيا كانت من الأشياء التي لم تخدم العمل، وببعض الأحيان كانت عبئاً عليه أيضاً.

الديكور..
اعتمد الديكور على عدة قطع بسيطة من الأثاث الخليجي، حاولت المخرجة السعودية أن تقسمه إلى ثلاثة أقسام ليكون ثلاثة أماكن متخيلة لشخصيات العمل، إلا أن رؤيته بصرياً لم يعطِ هذا الطابع لدى الجمهور، ولم يفصل الأماكن الثلاثة إلى حين كانت صبيحي تجسد الشخصية التي تريد، وتشير بشكل أو بآخر إلى المكان، وبأنه مكان منفصل، فبيت شخصية "مريم"، لم ينفصل عن بيت "ليلى"، ما جعل الناس في حيرة بين المكانين، حيث كانت الفنانة تنهيها عبر تجسد الشخصية. ومن جهة أخرى، تكتل الديكور بمكان واحد "منتصف مقدمة المسرح"، أعاق بالكثير من الأحيان حركة صبيحي، وجعل تنقلها صعباً.

السينوغرافيا..
اعتمدت صبيحي على الإضاءة العامة "الجنرال" طوال مدة العرض، ولم يكن هناك إلا القليل من أوامر الإضاءة وألوانها، فخسرت خدمة كبيرة كان من الممكن أن تساعدها، وتزيد من جماليات العمل البصرية، كما أن بها العديد من الحلول الإخراجية، فعلى سبيل المثال، لم تتمكن المخرجة من توظيف الإضاءة بمساعدتها على التمييز بين أماكن تواجد الشخصيات وطبيعتها، ولم توظفها بالفصل بين الشخصيات نفسها، فكانت الإضاءة العامة هي الحالة البصرية الوحيدة بمجمل العرض، وبانتقالها بين شخصيات مريم وليلى والراوي أو المخرج.

ومن جهة أخرى، كان لها أن تغير الحالة العامة للجمهور وتكسر الملل الذي سببته الحوارات الطويلة وقلة الأفعال المسرحية وعدم وجود ممثلين آخرين على الخشبة، وبذلك تكون صبيحي قد أهملت عنصراً مهماً بالعرض المسرحي، خاصة بأعمال المونودراما.