جلوس الأطفال أمام الشاشة لساعات طويلة داخل المنزل، مشهد يتكرر يومياً، ما جعل كثيراً من الأمهات تتساءل بطرافة: هل يعيش أطفالنا معنا في هذا المكان، أم في عالم آخر خلف الشاشة؟ مجرد حوار تطرحه الأم لتخفيف توترها، بينما تدرك في داخلها أن هذه اللحظة تشير إلى إدمان الطفل الخفي وإفراطه في النقر والتمرير اللاواعي!
في هذا الشأن يشير الدكتور خالد سيد المرسى أستاذ التكنولوجيا إلى أن الأطفال بين 12 و17 عامًا يقضون يوميًا من 4 إلى 7 ساعات أمام الشاشات، خارج نطاق المدرسة، مع التركيز الأكبر على وسائل التواصل الاجتماعي، ويرتبط هذا الإفراط بتعرض الطفل لحالات نفسية؛ مثل القلق أو الاكتئاب، وتزداد المخاطر بشكل واضح عند تجاوز 3 ساعات يوميًا.. وإليكم مزيدًا من التفاصيل.
علامات إدمان وسائل التواصل الاجتماعي عند الأطفال

المؤشّرات السلوكية
الحاجة المستمرة للتفتيش؛ حيث يقترب الطفل من هاتفه في كل ثانية، يبحث عن إشعارات جديدة أو يتابع المحتوى، مع تغيّب عن الدراسة ورفض لعمل الواجبات.
انفعال الطفل عند المقاطعة؛ خاصة عند محاولة الأم وضع حدّ، يبدأ الطفل بالصراخ أو الانسحاب، ولو أخذت منه دقيقة ينشغل نفسياً لفترة، مع تهرّب من المدرسة وعمل الواجبات المدرسية، وانخفاض علامات تقدم الطفل الدراسي.
المؤشّرات النفسية والعاطفية
القلق وتقلب المزاج: يربط عاطفته بطلب كل نقطة إعجاب، وإذا لم يحصل على إعجابات أو تعليقات، يشعر بالإحباط فوراً.
انخفاض تقدير الذات: حيث يبدأ التفكير بأنه ليس جميلًا أو مثيرًا مثل فلان، وهكذا ينتهي بمشاعر نقص.
الخوف من فوات المحتوى: يقول: كل أصحابي هناك، وأنا موجود هنا، فتظهر الرغبة القوية للانخراط اللحظي.
التأثير الاجتماعي والدراسي
الانطواء والابتعاد عن الأسرة، وإذا كان هناك جلسة عائلية، فالجميع يغوص في هواتفه، والصمت يملأ المكان.
ضعف الأداء المدرسي، والمعروف أن المواد العلمية تتحكّم فيها قوة اهتمام الطفل، وهنا تفوز الألعاب على النظام.
قلة الاهتمام بالحياة الواقعية؛ حيث تصبح الهوايات مثل: كرة القدم، أو الألوان والرسم، والقراءة، أشياء تختفي أمام ضوء الشاشة.
آثار طويلة الأمد لإدمان وسائل التواصل الاجتماعي

التأثير على الهوية الشخصية
عندما يشعر أن الحب والتقدير من خلال إجابات المعجبين على ما يكتب او يصور أهم من الحب الحقيقي، فهذا يضعف الهوية الفردية، كذلك حالة اعتماد تقدير ذاته والتعريف بنفسه على تقدير الآخرين، بدل أن يبني نفسه من داخله.
التأثير على التعاطف
الطبيعي أن يتعلّم الطفل التفهّم والإنسانية من خلال التواصل الحقيقي والعاطفي، بينما الطفل الذي يعيش هنا وهناك عبر الشاشة، يركّز على الصورة الظاهرة وليس الشعور، فيصبح مهتماً بصورة أكثر من تغذية قلبه.
التأثير على التعلم والمعلومات
التعلم السطحي على الشاشة: مثل الوجبات السريعة الذهنية؛ فيديو قصير، تيك توك، دون زمن للتفكير العميق أو الاستيعاب الكامل.
التعرّض للمعلومات الخاطئة: عندما لا يفرق الطفل بين محتوى مدقّق وآخر يُضخ دون علم، ما يجعله يصبح ضحية سريعة للصور الملفّقة، والأخبار المضللة.
كيف تتعامل الأم مع الإدمان؟

- حاوريه بنبرة ودية من القلب، افتحي فضاءً للسؤال: أنتِ لا تحتاجين لأن تكوني المحقّقة، بل صديقة مستمعة.
- اسألي: "ماذا يعجبك في المحتوى؟ لماذا تتابع هذا الحساب؟" بهذه الطريقة تعترفين بالشغف، لكنك تبلّغين بأن الكلام يستحق.
- أظهري حضورك؛ ليس فقط الأم التي تمنع، بل الأم التي تشارك، اقترحي أن تشاهدي معه بعض المقاطع، واسأليه عن رأيه، فهذا يجعل المادة أقل غموضاً وأقل جذبًا على الرسغ.
- خطوتان عمليتان؛ حدّدي ساعات غير مطروقة: مثلاً بين 8 مساء و7 صباحاً أو أثناء الوجبات، استعملي أدوات الرقابة إذا احتاج الأمر، مثل: «Google Family Link».
- اقترحي نشاطات بديلة واقعية مثل كرة القدم، الرسم، نزهة مع الأصدقاء، كتاب، أو هواية جديدة، اختاري نشاطاً يشد الطفل من داخله، ولا تتحمّلي كل شيء؛ اجعلي الاختيار حرًّا، فاختياره يحفظ الالتزام.
رسالة إلى كل أم:

- يرى البعض أن وسائل التواصل وسيلة تعليمية وترفيهية، وهذا صحيح، لكن الخطير يكمن في أن تصبح هذه الشاشة "الأم الثانية" التي تتملّك اهتمام الطفل أكثر من الأم الحقيقية، وهي الأم النابعة من قلب التجديد والإبهار.
- ابدئي بالحوار؛ فهو مفتاح كل تغيير، وكوني الذكية في الحدّ.. ليس بالقوة وحدها، بل بالتخطيط المتوازن، وارتبطي معه بهواية مشتركة.. لتذكّريه أن العالم لا يغلق عند منافذ الإنترنت.
- على كل أم أن تتذكّر أنّ نسب الصداقة عبر الشاشة لا تساوي دفء الصداقة الحقيقية، وأن لكل قلب حاجة إلى تواجد، حضور، وقبول.
- مع هذه الخطة البسيطة، يمكن للأم العصرية أن تجذب ابنها/ابنتها للعالم الحقيقي بهدوء، من دون حرب أو شعور بالخسارة هيا: حاولي جادة تعزيز الإبداع، التفاعل، وإثبات الحضور الحقيقي حضوراً لا يزول بانطفاء الشاشة.
*ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.






