في إحدى الليالي الهادئة، وعندما كانت الأم تستعد لوضع طفلها في السرير، تعجبت حين وجدت طفلها يتشبّث بها فجأة وقال بصوت مرتجف: "ماما، لا تطفئي النور.. هناك شيء في الزاوية!"، حينها سارعت الأم ونظرت حولها، ولم يكن هناك سوى ظل خافت لكرسي بجانب الحائط. ابتسمت محاولة طمأنته، لكنها في داخلها تساءلت: لماذا يخاف طفلي من أشياء تبدو بسيطة إلى هذا الحد؟ وبطبيعة الحال هذا المشهد يتكرر في بيوت كثيرة؛ بين طفل يخاف من الظلام، أو من صوت مفاجئ، وأخرى من دميتها التي تعرفها جيداً، ووسط هذا القلق والحيرة، تبدأ الأم في طرح الأسئلة: هل هذا طبيعي؟ هل طفلي ضعيف؟ أم أن هناك مشكلة أعمق؟
اللقاء والدكتور وائل حامد استاذ التربية الذي يؤكد أن الخوف عند الأطفال ليس دائماً أمراً مقلقاً، بل في كثير من الأحيان، هو جزء مهم وطبيعي من رحلة النمو، وراءه حقائق علمية ونفسية كثيرة، سنتعرف إليها بشكل تفصيلي.
الحقيقة الأولى: الخوف مرحلة طبيعية في النمو

الخوف ليس عدواً لطفلك، بل هو أحد ملامح تطوره النفسي والعاطفي، في كل مرحلة عمرية، يظهر نوع مختلف من المخاوف؛ الرضيع قد يخاف من الأصوات العالية، والطفل الصغير قد يخاف من الغرباء أو الانفصال عن أمه، بينما يبدأ طفل ما قبل المدرسة في الخوف من الظلام أو الكائنات الخيالية.
السبب وراء ذلك بسيط؛ فالطفل لم يطوّر بعد القدرة على التمييز بين الخطر الحقيقي والمتخيَّل، كما أن عقله ما زال في طور التعلّم، وحدود الواقع والخيال لديه ليست واضحة كما هي عند الكبار، بل إن بعض هذه المخاوف يُعد مؤشراً صحياً على نمو خيال الطفل ووعيه. فالطفل الذي يتخيل، هو طفل يتطور.
كيف تتعاملين مع الخوف الزائد عند أطفالك؟ تعرفي إلى الإجابة بالتقرير
الحقيقة الثانية: الحساسية الزائدة للجهاز العصبي
ليس كل الأطفال متشابهين في استجابتهم للعالم؛ بعضهم يولد بجهاز عصبي أكثر حساسية، ما يجعلهم أكثر تأثراً بالمؤثرات المحيطة
من صوت مرتفع، ضوء قوي، أو حتى لمسة مفاجئة، قد تبدو أموراً عادية للكبار، لكنها بالنسبة لهذا الطفل قد تُفسَّر كتهديد حقيقي.
هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى وقت أطول للتأقلم مع المواقف الجديدة، وقد يبدون أكثر خوفاً أو تردداً، لكن هذا لا يعني أبداً أنهم ضعفاء، بل هم ببساطة مختلفون في طريقة استقبالهم للمشاعر والمحفزات.
سيدتي التعامل مع هذا النوع من الأطفال يتطلب صبراً وفهماَ، لا ضغطاً أو مقارنة بالآخرين.
الحقيقة الثالثة: التجارب السابقة حتى وإن بدت بسيطة

أحياناً، يكون الخوف له جذور في تجربة مرّ بها الطفل، حتى لو بدت بسيطة في نظر الكبار. سقوط خفيف، كلب نبح بصوت عالٍ، أو باب أُغلق فجأة، كلها مواقف قد تترك أثراً عاطفياً عميقاً. المشكلة أن الطفل قد لا يتذكر الحدث بشكل واعٍ، لكنه يحتفظ بالإحساس المرتبط به.
الذاكرة العاطفية لدى الأطفال قوية جداً، وقد يربط الطفل بين شيء معين والخوف دون أن يفهم السبب، بل أحياناً تُخزَّن هذه التجارب في الجسد أكثر من العقل، فتظهر على شكل توتر أو خوف غير مبرر "تافهة".
الحقيقة الرابعة: تأثّر الطفل بمخاوف الكبار
الأطفال مرايا حساسة جداً لمشاعر مَن حولهم خاصة الأم، فهم لا يتعلمون فقط من الكلام، بل من النبرة، والتعبير، وردود الفعل، وعندما تبالغ الأم في القلق أو الخوف، أو تكرر عبارات مثل "انتبه! وسيؤذيك!" ، فإنها - دون قصد - ترسل رسالة للطفل بأن العالم مكان غير آمن.
حتى التوتر غير المعلن يمكن أن يشعر به الطفل، قد لا يفهم ما يحدث، لكنه يشعر بعدم الأمان ويترجمه إلى خوف. هذا لا يعني أن على الأم أن تكون مثالية، بل أن تكون واعية بتأثير مشاعرها وسلوكها على طفلها.
لمزيد من المعلومات تابعي أهمية تعليم الطفل مهارات الاسترخاء والتأمل لتخفيف التوتر
الحقيقة الخامسة: الخيال الواسع مقابل الواقع المحدود

من أجمل ما يملكه الطفل هو خياله، لكنه في بعض الأحيان، يكون مصدراً للخوف ويعتبره "شيئاً غريباً"، حتى دمية محببة قد تُخيفه في لحظة معينة. الطفل لا يمتلك دائماً القدرة على التحقق من الواقع كما يفعل الكبار، فيملأ الفراغات بالخيال، ويبني قصصاً قد تبدو له حقيقية تماماً. وهنا لا يكون الحل في نفي خوفه أو السخرية منه، بل في مشاركته فهم ما يراه، ومساعدته على التمييز بلطف بين الحقيقة والخيال.
الحقيقة السادسة: الحاجة إلى الأمان والسيطرة
الانتقال إلى مكان جديد، دخول مدرسة، وجود أشخاص غير مألوفين، كلها مواقف قد تثير القلق. في هذه اللحظات، يستخدم الطفل الخوف كوسيلة للتعبير عن حاجته للأمان.
الروتين اليومي يلعب دوراً مهماً هنا؛ عندما يعرف الطفل ما الذي سيحدث، ومتى، يشعر بالاستقرار. بينما التغييرات المفاجئة، فقد تزيد من توتره ومخاوفه.
سيدتي الاحتواء، والاقتراب، والطمأنة.. كلها رسائل بسيطة، لكنها تعيد للطفل.
الحقيقة السابعة: التعب والجوع والضغط النفسي

طفل يتخيل أشياء مخيفة- مصدر الصورة: Freepik
في كثير من الأحيان، لا يكون الخوف هو المشكلة الأساسية، بل نتيجة لحالة جسدية أو نفسية.
الطفل المتعب أو الجائع -مثلاً- يكون أكثر حساسية وانفعالًا، قدرته على التعامل مع المشاعر تقل، فتظهر المخاوف بشكل أكبر.
كذلك، قد يمر الطفل بضغوط لا يستطيع التعبير عنها، مثل مشكلات في المدرسة أو توتر في البيئة العائلية. هذه الضغوط قد تظهر على شكل خوف من أشياء تبدو بسيطة.
لذلك، من المهم النظر إلى الصورة الكاملة: هل الطفل ينام جيداً؟ هل يشعر بالراحة؟ هل هناك ما يزعجه؟
متى يكون الخوف طبيعياً؟ومتى يستدعي الانتباه؟
معظم مخاوف الأطفال طبيعية ومؤقتة، وتخف مع الوقت والدعم. لكن هناك حالات تستدعي الانتباه.
إذا كان الخوف شديداً، أو مستمراً لفترة طويلة، أو يمنع الطفل من ممارسة حياته اليومية، فقد يكون مؤشراً يحتاج إلى متابعة.
كذلك، إذا تكرر الخوف دون سبب واضح، أو صاحبه أعراض جسدية مثل الأرق أو آلام متكررة أو التبول اللاإرادي، فمن الأفضل استشارة مختص.
سيدتي الهدف ليس القلق، بل الفهم والتدخل في الوقت المناسب.
تذكري دائماً:
خوف طفلك ليس "دلعاً" وليس ضعفاً، هو لغة يحاول من خلالها أن يخبرك بشيء، وتأكدي أن كل خوف يحمل رسالة، وأنتِ المفتاح لفهمها.
الاستهزاء بخوف طفلك أو طفلتك قد يزيده، أما الاستماع له فيخففه، احتواؤك لا يعني تعزيز خوفه، بل يعني منحه الأمان الذي يحتاجه ليتجاوزه.
أحياناً، كل ما يحتاجه الطفل هو حضن دافئ، وصوت هادئ يقول له: "أنا هنا.. لا تخاف.. أنت بأمان".
*ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.

