فترة الحمل واحدة من أكثر المراحل تميزاً في حياة الأسرة، فهي رحلة تمتزج فيها مشاعر الفرح والترقب بالأمل والقلق في آنٍ واحد. ومن بين أكثر الأسئلة التي تشغل بال الوالدين خلال هذه المرحلة، يبرز التساؤل حول صحة الجنين ومدى نموه بصورة طبيعية. ورغم أنه لا يوجد فحص يمكنه أن يضمن ولادة طفل يتمتع بصحة مثالية، فإن التطورات الكبيرة التي شهدها مجال طب الأم والجنين خلال السنوات الأخيرة أسهمت في إحداث تحول جذري في طرق الكشف المبكر عن بعض الاضطرابات الوراثية والكروموسومية، مما أتاح للأطباء تقديم رعاية أكثر دقة وتخصيصاً منذ المراحل الأولى للحمل.

د. كندة العاني استشارية في أمراض النساء والتوليد بمستشفى ميدكير للنساء والأطفال. تجيب على تساؤلات الأمهات حول فحص ما قبل الولادة غير الجراحي (NIPT) النقلة النوعية في رعاية الحوامل؛ حيث يُعد فحص ما قبل الولادة غير الجراحي (Non-Invasive Prenatal Testing – NIPT) أحد أبرز التطورات؛ إذ أصبح خلال العقد الماضي من أهم الفحوصات التي يعتمد عليها أطباء النساء والولادة حول العالم، لما يوفره من معلومات دقيقة عن صحة الجنين من خلال تحليل بسيط لعينة دم من الأم، دون تعريض الحمل لأي مخاطر.
ما هو فحص NIPT؟

يُعد فحص NIPT اختباراً وراثياً متقدماً للكشف المبكر عن احتمالية إصابة الجنين ببعض الاضطرابات الكروموسومية. ويعتمد الفحص على تحليل أجزاء صغيرة من الحمض النووي الخاص بالجنين، والمعروفة باسم الحمض النووي الجنيني الحر (Cell-Free Fetal DNA)، والتي تنتقل بصورة طبيعية إلى مجرى دم الأم أثناء الحمل.
ويمكن إجراء هذا الفحص ابتداءً من الأسبوع العاشر من الحمل؛ حيث لا يتطلب سوى سحب عينة دم عادية من الأم، ما يجعله إجراءً آمناً تماماً، ولا ينطوي على أي تدخل جراحي أو خطر على الأم أو الجنين.
ويختلف هذا الفحص عن وسائل الكشف التقليدية التي كانت تعتمد على قياسات الموجات فوق الصوتية وتحليل بعض الهرمونات في دم الأم؛ إذ يستخدم تقنيات متطورة في علم الوراثة الجزيئية لتقدير احتمالية وجود خلل في عدد الكروموسومات لدى الجنين، وهو ما يمنحه مستوى عالياً من الدقة مقارنة بالفحوصات التقليدية.
ما الذي يكشف عنه الفحص؟
يركز فحص NIPT بصورة أساسية على الكشف عن أكثر الاضطرابات الكروموسومية شيوعاً، وتشمل:
- متلازمة داون (التثلث الصبغي 21).
- متلازمة إدوارد (التثلث الصبغي 18).
- متلازمة باتاو (التثلث الصبغي 13).
كما يمكن لبعض أنواع الفحص الأكثر تطوراً أن تكشف عن حالات أخرى، من بينها:
- اضطرابات الكروموسومات التي تحدد نوع الجنين.
- بعض متلازمات الحذف الجيني الدقيقة .
- تحديد نوع الجنين، وذلك وفقاً للأنظمة والقوانين المعمول بها في كل دولة.
ومن المهم التأكيد على أن فحص NIPT يُعد فحصاً تحرياً وليس فحصاً تشخيصياً، أي أنه يحدد احتمالية وجود اضطراب وراثي ولا يؤكد الإصابة بشكل قاطع. وفي حال أظهرت النتائج ارتفاع احتمال وجود خلل
كروموسومي، فقد يوصي الطبيب بإجراء فحوصات تشخيصية أكثر دقة، مثل أخذ عينة من الزغابات المشيمية (CVS) أو بزل السائل الأمينوسي، لتأكيد التشخيص.
لماذا أصبح NIPT الخيار المفضل لدى الكثير من الحوامل؟

يرجع الانتشار الواسع لهذا الفحص إلى قدرته على الجمع بين عاملين أساسيين يبحث عنهما جميع الآباء والأطباء، وهما الدقة العالية والأمان الكامل. فقد أثبتت الدراسات أن فحص NIPT يتمتع بمعدل مرتفع جداً في الكشف عن متلازمة داون مقارنة ببرامج الفحص التقليدية خلال الثلث الأول من الحمل، كما يتميز بانخفاض معدل النتائج الإيجابية الكاذبة، الأمر الذي يقلل من حاجة الحوامل إلى الخضوع لفحوصات تشخيصية تدخلية قد لا تكون ضرورية.
ولا تقتصر أهمية الفحص على الجوانب الطبية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الجانب النفسي، إذ يمنح الكثير من الأسر شعوراً أكبر بالاطمئنان في مرحلة مبكرة من الحمل، ويخفف من القلق الذي قد يرافق انتظار نتائج الفحوصات المختلفة.
أكثر من مجرد فحص
تكمن القيمة الحقيقية لفحص NIPT في أنه يمنح الوالدين معلومات تساعدهما على اتخاذ قرارات مدروسة، بدلاً من أن يكون مصدراً للقلق.
فعندما تكون النتائج مطمئنة، تتمكن الأسرة من متابعة الحمل بثقة أكبر وراحة نفسية أعلى. أما إذا أظهرت النتائج ارتفاع احتمالية وجود مشكلة كروموسومية، فإن ذلك يمنح الفريق الطبي الوقت الكافي لإجراء الفحوصات التشخيصية اللازمة، والاستعانة بأطباء طب الأجنة عند الحاجة، ووضع خطة مناسبة للولادة، إضافة إلى تقديم الدعم النفسي والاستشارات الوراثية للأسرة.
وبذلك، تسهم المعلومات المبكرة في تحسين التخطيط للرعاية الصحية، بما يتناسب مع احتياجات كل حمل على حدة.
منْ هنّ المرشحات لإجراء الفحص؟

في بداية استخدام هذا الفحص، كان يُوصى به غالباً للنساء اللواتي يُصنف حملهن ضمن فئة الحمل عالي الخطورة، مثل الحوامل اللواتي تجاوزن الخامسة والثلاثين من العمر، أو اللواتي أظهرت الفحوصات الأولية لديهن نتائج غير طبيعية.
أما اليوم، فقد أصبحت العديد من الجمعيات الطبية العالمية توصي بإتاحة هذا الفحص لجميع النساء الحوامل، بغض النظر عن العمر أو مستوى الخطورة، شريطة حصولهن على الاستشارة الطبية المناسبة قبل اتخاذ القرار.
وقد ينصح الطبيب بإجراء الفحص بصورة خاصة إذا كانت الحامل:
- تبلغ من العمر 35 عاماً أو أكثر.
- حصلت على نتائج غير طبيعية في فحوصات الثلث الأول من الحمل.
- لديها تاريخ عائلي للإصابة ببعض الأمراض الوراثية.
- سبق لها الحمل بجنين مصاب باضطراب كروموسومي.
- تحمل بتوأم، بحسب نوع الفحص المتوفر.
وفي جميع الأحوال، تبقى استشارة الطبيب المختص أمراً أساسياً لاختيار الفحص الأنسب لكل حالة، نظراً لاختلاف ظروف كل حمل عن الآخر.
هل يغني NIPT عن التصوير بالموجات فوق الصوتية؟
الإجابة ببساطة هي: لا.
فعلى الرغم من أهمية فحص NIPT، فإنه لا يمكن أن يحل محل التصوير بالموجات فوق الصوتية، التي تبقى جزءاً أساسياً من متابعة الحمل. فالتصوير بالموجات فوق الصوتية يتيح للطبيب متابعة نمو الجنين، وتقييم أعضائه المختلفة، ورصد نبضات القلب، وموقع المشيمة، وكمية السائل الأمينوسي، فضلاً عن اكتشاف العديد من التشوهات الخلقية التي لا يمكن لفحص NIPT الكشف عنها. ولهذا، فإن أفضل رعاية للحمل تعتمد على الجمع بين الفحوصات الوراثية الحديثة، والتصوير الدوري بالموجات فوق الصوتية، والمتابعة المنتظمة مع طبيب النساء والولادة.
تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة
لا يزال هناك عدد من المفاهيم غير الدقيقة المرتبطة بفحص NIPT فبعض السيدات يعتقدن أن طلب الطبيب لهذا الفحص يعني وجود مشكلة لدى الجنين، وهذا الاعتقاد غير صحيح؛ إذ أصبح الفحص جزءاً من برامج الرعاية الحديثة للحمل، ويهدف إلى الاطمئنان والكشف المبكر، وليس لأنه توجد مشكلة مؤكدة.
كما تعتقد بعض الحوامل أن الحصول على نتيجة منخفضة الخطورة يعني ضمان ولادة طفل سليم تماماً، إلا أن الحقيقة هي أن أي فحص تحرٍ لا يستطيع الكشف عن جميع الأمراض الوراثية أو التشوهات الخلقية، ولذلك تبقى المتابعة الطبية المنتظمة طوال فترة الحمل أمراً لا غنى عنه.
مستقبل رعاية الحوامل

يشهد طب الأم والجنين تطوراً متسارعاً بفضل التقدم المستمر في علوم الوراثة والتقنيات التشخيصية، وهو ما أتاح للأطباء فهماً أعمق لصحة الجنين منذ الأسابيع الأولى من الحمل. ويُعد فحص NIPT أحد أبرز الإنجازات في هذا المجال؛ إذ أسهم في توفير رعاية أكثر دقة وتخصيصاً، قائمة على الأدلة العلمية، مع الحد من الإجراءات التدخلية غير الضرورية.
ورغم هذا التقدم التقني، تبقى رعاية الحامل تجربة إنسانية بالدرجة الأولى، تقوم على توفير المعلومات الواضحة، والإرشاد الطبي الموثوق، والدعم النفسي الذي يساعد الأسرة على اتخاذ قراراتها بثقة واطمئنان.
وفي نهاية المطاف، لا تتمثل الغاية من التقنيات الحديثة في اكتشاف المشكلات الصحية لدى الحامل مبكراً فحسب، بل في تمكين كل أسرة من خوض رحلة الحمل بأكبر قدر ممكن من الأمان والطمأنينة.
لماذا تعتبر الفحوصات الطبية مهمة في الشهر الثاني من الحمل خصوصاً؟


Google News