يمثل فصل الصيف وقتاً مليئاً بالمرح بالنسبة للأطفال؛ فالعطلات المدرسية تعني السفر، والأنشطة الخارجية، والمبيت مع الأصدقاء، فضلاً عن وفرة الحلويات والمأكولات الموسمية، إلا أنه وسط هذه الأجواء الاحتفالية، غالباً ما تتراجع العناية بصحة الفم والأسنان إلى مرتبة ثانوية. ومن واقع خبرتنا بوصفنا متخصصين في الرعاية الصحية، نلاحظ ارتفاعاً ملحوظاً في المشكلات المتعلقة بصحة الأسنان خلال أشهر الصيف أو بعدها، بدءاً من تسوس الأسنان وحساسيتها، وصولاً إلى التهابات الأسنان الأكثر خطورة. وما قد لا يدركه كثير من الآباء والأمهات هو أن ضعف صحة الفم والأسنان يمكن أن يؤثر بشكل كبير في صحة الطفل العامة، ورفاهيته، وقدرته على الاستمتاع الكامل بطفولته.

الدكتورة لباب جاسم محمد طبيبة أسنان في مركز ميدكير الطبي في الجميرا – دبي، تطلعكم على أسباب تسوس الأسنان حتى بين الأطفال دون الخامسة في هذه المنطقة.
لا تقتصر صحة الفم على امتلاك ابتسامة جميلة فحسب، بل ترتبط حالة أسنان الطفل ولثته ارتباطاً وثيقاً بنموه الجسدي والنفسي والاجتماعي. فعندما يعاني الأطفال من آلام الأسنان أو الانزعاج، حتى إن لم يعبروا عن ذلك بشكل مباشر، فإن آثار هذه المشكلات قد تكون واسعة النطاق.
كيف تؤثر مشكلة الأسنان في الصحة العامة؟

تؤثر في جودة النوم
كما يمكن أن تؤثر مشكلات الأسنان بشكل كبير في جودة النوم؛ فغالباً ما تزداد آلام الأسنان حدة خلال ساعات الليل، ما يصعِّب على الأطفال النوم أو الاستمرار فيه. ويؤدي اضطراب النوم إلى التأثير في التركيز والمزاج والسلوك؛ فيصبح الطفل أكثر عصبية وأقل نشاطاً، وقد يفقد رغبته في المشاركة في الأنشطة البدنية أو المناسبات الاجتماعية. وفي كثير من الأحيان، يعزو الآباء هذه التغيرات إلى حرارة الطقس أو اضطراب الروتين خلال الإجازة، دون أن يدركوا أن السبب الحقيقي قد يكون مشكلة في صحة الأسنان.
تمنع الأطفال من تناول الفواكه والخضروات
ويُعَدُّ تأثير ضعف صحة الفم على التغذية من أبرز النتائج المباشرة لهذه المشكلة؛ فالأطفال الذين يعانون من تسوس غير معالج أو التهابات مؤلمة في اللثة عند الطفل قد يتجنبون تناول بعض الأطعمة، ولا سيما الفواكه والخضروات والأطعمة الغنية بالبروتين التي تتطلب مضغاً جيداً، ويفضلون بدلاً منها الأطعمة اللينة التي غالباً ما تكون أقل قيمة غذائية. وخلال فصل الصيف، حيث يكون الأطفال أكثر نشاطاً ويستهلكون قدراً أكبر من الطاقة، قد يؤدي سوء التغذية إلى الشعور بالإرهاق، وانخفاض القدرة على التحمل، وتراجع مستويات النشاط البدني.
تؤثر في ثقة الطفل بنفسه
علاوة على ذلك، تؤثر صحة الفم أيضاً في ثقة الطفل بنفسه وحالته النفسية؛ فقد يشعر الأطفال الذين يعانون من آلام الأسنان أو التسوس الظاهر بالخجل من مظهرهم، أو يترددون في الابتسام أو التحدث أو التفاعل مع الآخرين؛ ما ينعكس سلباً على تجاربهم الاجتماعية وجودة حياتهم خلال موسم يُفترض أن يكون مليئاً بالمرح والاستمتاع.
تتسبب بالتهابات وخراجات ومضاعفات التهابية
وأهم من ذلك، أن أمراض الأسنان غير المعالجة لا تقتصر آثارها على الفم فقط؛ فقد يؤدي التسوس الشديد إلى التهابات وخراجات ومضاعفات التهابية قد تؤثر في الصحة العامة. كما أن الألم المستمر والالتهابات المزمنة يفرضان عبئاً إضافياً على الجسم، وقد يؤثران سلباً في النمو والتطور والصحة العامة للطفل. ولذلك، تُعَدُّ صحة الفم جزءاً أساسياً من الصحة العامة، ويجب التعامل معها بالقدر نفسه من الاهتمام الذي تحظى به مختلف جوانب الرعاية الصحية للأطفال.
عوامل تسهم في تفاقم هذه مشكلة الأسنان لدى الأطفال

من أكثر الظواهر التي تثير القلق حالياً الارتفاع المتزايد في معدلات تسوس الأسنان بين الأطفال في سن مبكرة جداً، بمن فيهم الأطفال دون سن الخامسة. ويُفاجأ كثير من الآباء عندما يعلمون أن الأطفال الرُّضَّع وأطفال ما قبل المدرسة قد يعانون من تسوس شديد في الأسنان، إلا أن تسوس الأسنان المبكر أصبح اليوم من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً بين الأطفال في هذه المنطقة، للأسباب الآتية:
تغيرات في العادات الغذائية
فقد شهدت العادات الغذائية تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة؛ إذ أصبح الأطفال يتعرضون للأطعمة والمشروبات الغنية بالسكريات منذ أعمار مبكرة جداً. وغالباً ما يُنظر إلى العصائر المعلبة، ومشروبات الحليب المنكهة، والزبادي المحلى، والبسكويت، والوجبات الخفيفة المصنعة على أنها منتجات آمنة، في حين أن كثيراً منها يحتوي على كميات كبيرة من السكريات الخفية التي تسهم في تسوس الأسنان.
ارتفاع معدلات تناول الوجبات الخفيفة
كما تزداد المخاطر خلال فصل الصيف، حيث ترتفع معدلات تناول الوجبات الخفيفة، والآيس كريم، والحلويات، والمشروبات السكرية. وتجدر الإشارة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في كمية السكر التي يستهلكها الطفل، بل أيضاً في عدد مرات تعرض الأسنان له؛ فالتناول المتكرر للوجبات الخفيفة لا يمنح الفم الوقت الكافي لاستعادة توازنه بين الوجبات؛ ما يسمح للبكتيريا الضارة بإنتاج الأحماض التي تؤدي تدريجياً إلى تآكل مينا الأسنان.
إطالة استخدام الرضاعة بالزجاجة
وتلعب ممارسات التغذية خلال مرحلة الرضاعة دوراً مهماً أيضاً؛ فما زالت إطالة استخدام الرضاعة بالزجاجة، خاصةً السماح للأطفال بالنوم وهم يحملون زجاجات تحتوي على الحليب أو العصير أو المشروبات المحلاة، من أكثر الأسباب شيوعاً لتسوس الأسنان المبكر. وخلال النوم، ينخفض إفراز اللعاب بشكل طبيعي؛ ما يقلل من قدرة الفم على تنظيف نفسه ومعادلة الأحماض، وهو ما يهيئ بيئة مثالية لتطور التسوس.
الاعتقاد الخاطئ بأن الأسنان اللبنية ليست مهمة
ومن العوامل الأخرى الاعتقاد الخاطئ بأن الأسنان اللبنية ليست مهمة؛ لأنها ستُستبدل لاحقاً بالأسنان الدائمة. والحقيقة أن الأسنان اللبنية تؤدي دوراً أساسياً في تطور النطق، والتغذية السليمة، وتوجيه بزوغ الأسنان الدائمة في أماكنها الصحيحة. كما أن فقدانها المبكر نتيجة التسوس قد يؤدي إلى الألم، وصعوبات في تناول الطعام، ومشكلات تقويمية مستقبلاً.
تأخر البدء بالعناية اليومية
كما يسهم تأخر البدء بالعناية اليومية بالفم في تفاقم المشكلة؛ فكثير من الآباء لا يدركون أن العناية بصحة الفم يجب أن تبدأ منذ بزوغ أول سن. ويحتاج الأطفال الصغار إلى إشراف ومساعدة في أثناء تنظيف أسنانهم؛ لأنهم غالباً لا يمتلكون المهارة الحركية الكافية لتنظيفها بالشكل الصحيح. كما أن عدم الانتظام في تنظيف الأسنان يسمح بتراكم البلاك والبكتيريا؛ ما يزيد من خطر الإصابة بالتسوس.
عدم زيارة طبيب الأسنان إلا بعد الشعور بالألم
من ناحية أخرى، لا يزور كثير من الأطفال طبيب الأسنان إلا بعد الشعور بالألم أو ظهور مشكلات واضحة، إلا أنه في هذه المرحلة تكون الإصابة غالباً قد وصلت إلى مراحل متقدمة. ولذلك، تُعَدُّ الزيارات الوقائية المنتظمة لطبيب الأسنان أمراً بالغ الأهمية؛ إذ تتيح الكشف المبكر عن المشكلات، وتقديم الإرشادات الغذائية المناسبة، وتطبيق التدابير الوقائية التي تمنع تطور المشكلات إلى مراحل أكثر تعقيداً.
تابعي أيضًا سبع عادات تسبب بروز أسنان الأطفال الأمامية
كيف تتم الوقاية من مشاكل الأسنان عند الأطفال؟

والخبر الإيجابي أن تسوس الأسنان من المشكلات التي يمكن الوقاية منها إلى حد كبير، عبر الآتي:
- إجراء تغييرات بسيطة، ولكن مستمرة، في نمط الحياة يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في صحة الفم لدى الأطفال.
- تشجيع الأطفال على شرب الماء باعتباره المشروب الأساسي، والحد من تناول الوجبات الخفيفة والمشروبات السكرية. المواظبة على تنظيف الأسنان باستخدام معجون أسنان يحتوي على الفلورايد، والالتزام بإجراء الفحوصات الدورية لدى طبيب الأسنان، وهي خطوات كفيلة بتقليل خطر الإصابة بأمراض الأسنان بصورة كبيرة.
- قيام الآباء والأمهات بدور محوري يقوم على غرس العادات الصحية مدى الحياة؛ فالأطفال يقتدون بما يشاهدونه في المنزل، ولذلك فإن تحويل العناية بصحة الفم إلى عادة أسرية عادة إيجابية.
- تعزيز أهمية الوقاية؛ فهذا يساعد الأطفال على اكتساب سلوكيات صحية تستمر معهم حتى مرحلة البلوغ.
- تشجيع الأطفال على ممارسة الأنشطة البدنية، والمحافظة على الترطيب، والاستمتاع بعطلتهم الصيفية، وتوعيتهم على أن الابتسامة الصحية تمثل جزءاً أساسياً من صحتهم العامة.
- يجب توعية الطفل على أن صحة الفم تؤثر في قدرته على تناول الطعام، والنوم، والتعلم، والتفاعل الاجتماعي، والاستمتاع بالحياة اليومية.
- إدراك أهمية العناية بصحة الأسنان منذ المراحل المبكرة، واعتماد الممارسات الوقائية، بهذا نضمن للأطفال ليس فقط أسناناً سليمة، بل أيضاً حياة أكثر صحة وسعادة ونشاطاً.


Google News