حين يصل المولود الجديد إلى الأسرة، تتغير تفاصيل الحياة كلها في لحظات قليلة، فتجد الأم نفسها محاطة بمشاعر متناقضة من الفرح والتعب والقلق والحب، بينما قد يقف الأب أحياناً أمام هذا الكائن الصغير وهو يتساءل من أين يبدأ دوره، وكيف يمكنه أن يكون حاضراً بالفعل في حياة طفله، وليس مجرد شخص يراقب الأم وهي تقوم بكل شيء. والحقيقة أن الأيام الأولى للمولود لا تحتاج إلى أب خارق يعرف كل شيء، وإنما تحتاج إلى أب حاضر، يتعلم، ويشارك، ويمنح زوجته وطفله شعوراً بالأمان والاهتمام؛ لأن الأبوة لا تبدأ عندما يكبر الطفل ويصبح قادراً على اللعب والكلام، بل تبدأ منذ اللحظة التي يحمل فيها الأب طفله للمرة الأولى ويقرر أن يكون جزءاً من تفاصيله اليومية، إليك بعض المهام، لتكون فيها المشاركة في تفاصيل الأيام الأولى للمولود.
حمل المولود ومنحه وقتاً خاصاً مع والده

من أجمل الطرق التي يمكن أن يبدأ بها الأب علاقته بطفله أن يمنحه وقتاً خاصاً بعيداً عن فكرة أن الأم هي الشخص الوحيد القادر على التعامل مع المولود؛ فالأب يستطيع حمل الطفل بين ذراعيه، واحتضانه بهدوء، والتحدث إليه بصوت منخفض، والنظر إلى ملامحه الصغيرة، حتى لو كان الطفل في أيامه الأولى لا يستطيع الرد أو التفاعل بالطريقة التي يتوقعها الأب؛ فهذه اللحظات البسيطة تساعد على بناء علاقة عاطفية مبكرة بينهما، كما تمنح الأب فرصة للتعرف إلى إشارات طفله المختلفة، مثل حركاته عندما يكون جائعاً أو متعباً أو بحاجة إلى تغيير الحفاض.
ولا ينبغي أن يشعر الأب بالحرج إذا كان متوتراً في البداية؛ فكل أب تقريباً يحتاج إلى وقت حتى يعتاد حمل مولوده والتعامل معه، ويمكن للأم أن تشجعه بدلاً من انتقاده، فتقول له مثلاً: "خذه بين ذراعيك، سأساعدك إذا احتجت"، وبذلك يتحول حمل الطفل من مهمة تخيف الأب إلى لحظة جميلة ينتظرها.
المشاركة في تغيير الحفاض
قد تبدو مهمة تغيير الحفاض صغيرة ومتكررة، لكنها من أكثر التفاصيل التي تسمح للأب بالدخول الحقيقي إلى عالم طفله؛ لأنها تجعله يشارك في رعاية المولود بدل أن تقتصر مهمته على توفير الاحتياجات المادية للأسرة. ويمكن للأب أن يتعلم بهدوء كيفية تجهيز الحفاض والمناديل والملابس النظيفة، ثم يقوم بتغيير الطفل مع مراعاة النظافة وغسل اليدين جيداً، مع طلب المساعدة عند الحاجة.
ومع مرور الأيام، ستتحول هذه المهمة الروتينية إلى فرصة للتواصل؛ فقد يبتسم الأب لطفله ويتحدث إليه في أثناء تغيير ملابسه، أو يغني له أغنية قصيرة، أو يكرر اسمه بحنان، وهذه التفاصيل التي تبدو عادية جداً في نظر الكبار قد تصبح جزءاً من الذكريات الجميلة التي تتشكل داخل الأسرة منذ الأيام الأولى للمولود.
أن يكون الأب جزءاً من روتين الاستحمام
إذا كان موعد استحمام المولود مناسباً لحالة الأسرة وتعليمات الطبيب، يمكن للأب أن يشارك في تجهيز مستلزمات الحمام، مثل المنشفة والملابس والحفاض، أو أن يساعد في حمل الطفل وتجفيفه بعد الانتهاء. ولا يُشترط أن يقوم الأب بكل خطوات الاستحمام منذ البداية، خصوصاً إذا كان يشعر بالقلق من التعامل مع طفل صغير جداً، بل يمكن أن يبدأ بدور بسيط ثم يكتسب الثقة تدريجياً.
ومن الجميل أن تصبح هذه اللحظات طقساً عائلياً هادئاً، يتعاون فيه الأب والأم بدل أن يشعر أحدهما بأنه يؤدي المهمة وحده، مع الانتباه دائماً إلى قواعد السلامة وعدم ترك المولود بمفرده قرب الماء ولو للحظات.
قراءة قصة للمولود رغم أنه لا يفهم الكلمات

قد يضحك البعض عندما يسمعون فكرة قراءة قصة لطفل حديث الولادة، لكن صوت الأب نفسه يمكن أن يصبح مألوفاً ومطمئناً للطفل، ولذلك يمكن للأب أن يخصص بضع دقائق يومياً لقراءة قصة قصيرة للمولود، أو كتاب مصور بصوت هادئ، فهذا يحفز ذكاءه حتى لو كان الطفل لا يفهم المعاني بعد.
ولا يتعلق الأمر بالقصة نفسها بقدر ما يتعلق بالصوت والحضور والروتين؛ فالأب عندما يجلس بجانب طفله ويقرأ له كل مساء، يصنع لحظة هادئة تجمع بين القرب واللغة والحنان، وقد يستمر هذا التقليد مع الطفل عندما يكبر، فيصبح الكتاب جزءاً من علاقته بوالده وليس مجرد وسيلة تعليمية.
المساعدة في الرضاعة بطريقة غير مباشرة
إذا كانت الأم ترضع طفلها طبيعياً؛ فقد يعتقد الأب أن الرضاعة مهمة لا يمكنه المشاركة فيها، لكن بإمكانه أن يكون حاضراً حولها بطرق كثيرة، فيجلب للأم كوب الماء أو الطعام، ويهيئ لها مكاناً مريحاً، أو يحمل الطفل بعد الرضعة إذا كان ذلك مناسباً، أو يساعدها في تهدئة المولود وتغيير حفاضه.
أما إذا كان الطفل يتغذى بالحليب الصناعي أو توجد ظروف أخرى تستدعي استخدامه؛ فيمكن للأب تعلم طريقة تحضير الرضعة والتعامل معها وفق إرشادات الطبيب أو تعليمات الحليب، مع الالتزام الصارم بقواعد النظافة والتحضير والتخزين الآمن.
المهم هنا أن يشعر الأب أن تغذية الطفل مسؤولية عائلية، وأن يشعر أيضاً أن دوره لا ينتهي عند شراء الحليب أو تجهيز المستلزمات، بل يمتد إلى اللحظة التي يحتضن فيها طفله ويمنحه الحنان والاهتمام.
الاستيقاظ ليلاً ومساندة الأم
من أكثر الأوقات التي تظهر فيها أهمية مشاركة الأب الليل؛ لأن الأيام الأولى قد تكون مرهقة جداً للأم، خصوصاً مع الاستيقاظ المتكرر لإطعام الطفل أو تهدئته أو تغيير حفاضه. وليس المقصود أن يستيقظ الأب مع الطفل في كل مرة مهما كانت ظروف عمله، وإنما أن يبحث مع الأم عن طريقة عادلة وواقعية لتقاسم بعض المسؤوليات.
فقد يتولى الأب تغيير الحفاض قبل الرضعة أو بعدها، أو يساعد في تهدئة الطفل، أو يتولى بعض المهام المنزلية في اليوم التالي حتى تحصل الأم على قدر أكبر من الراحة. وأحياناً تكون عبارة بسيطة مثل "نامي أنتِ، سأهتم به قليلاً" أكثر قيمة من هدية غالية؛ لأنها تجعل الأم تشعر بأنها ليست وحدها في هذه المرحلة.
تصوير التفاصيل الصغيرة بدل الاكتفاء بالصور الرسمية

من الجميل أن يحمل الأب هاتفه أو كاميرته لالتقاط تفاصيل الأيام الأولى، ولكن بعيداً عن الصور التقليدية فقط. يمكنه تصوير يد المولود وهي تمسك بإصبع أحد والديه، أو أول ملابس ارتداها، أو سريره الصغير، أو لحظة نومه، أو أول مرة يخرج فيها مع والديه.
كما يمكن للأب أن يكتب ملاحظات قصيرة عن هذه الأيام، مثل تاريخ أول حمام، أو أول مرة ابتسم فيها الطفل، أو موقف طريف حدث في المنزل. وبعد سنوات، قد تصبح هذه التفاصيل كنزاً عائلياً يعيد الأب والطفل إلى الأيام التي كان فيها صغيراً جداً.
إنشاء ألبوم خاص بالأب والطفل
يمكن للأب أن يخصص دفتراً أو ألبوماً بسيطاً يحتفظ فيه بصور الطفل وذكريات الأيام الأولى، وربما يكتب بجانب كل صورة جملة قصيرة تعبر عن مشاعره في تلك اللحظة. ولا يحتاج الأمر إلى تصميم احترافي؛ فقد تكون صفحة بسيطة تحمل صورة المولود وتاريخها وكلمات كتبها الأب بيده أكثر تأثيراً من ألبوم فاخر.
ومع مرور السنوات، يمكن إضافة صور ومواقف جديدة إلى الألبوم، ليصبح سجلاً خاصاً للعلاقة بين الأب وطفله، وليس مجرد خطوات توثيق لنمو الطفل.
الاهتمام بالأم بعد الولادة
من الأخطاء الشائعة التركيز على المولود ونسيان أن هناك امرأة تحتاج هي الأخرى إلى العناية والاهتمام، ولذلك يمكن للأب أن يسأل زوجته يومياً عن حالها، وما إذا كانت تحتاج إلى شيء، وأن يشجعها على الراحة وتناول الطعام وشرب السوائل، وأن يتفهم أن التعب وتقلب المشاعر قد يكونان جزءاً من مرحلة ما بعد الولادة.
ولا ينبغي أن يتحول اهتمام الأب إلى مراقبة أو إعطاء أوامر، بل إلى شراكة قائمة على الاحترام والاستماع. وإذا لاحظت الأسرة أي أعراض جسدية أو نفسية مقلقة بعد الولادة؛ فمن الأفضل طلب المشورة الطبية بدل الاكتفاء بالتفسيرات المنزلية.
مساعدة الأم في الأعمال المنزلية

إشراك الأب في الأيام الأولى لا يعني فقط أن يهتم بالطفل مباشرة، بل يعني أيضاً أن يساعد في تخفيف الأعباء المحيطة بالأم. فغسل بعض الأطباق، وترتيب غرفة المولود، وتحضير وجبة بسيطة، وشراء الاحتياجات، وغسل الملابس، وتنظيم المنزل، كلها أفعال تجعل الأم أكثر قدرة على استعادة طاقتها.
وقد تكون هذه المساعدة من أهم أشكال المشاركة؛ لأن الأم عندما تجد أن الأب يتحمل جزءاً من المسؤوليات اليومية، تستطيع أن تمنح الطفل وقتاً واهتماماً أكبر دون أن تشعر بأن كل أعباء المنزل والأمومة تقع على كتفيها.
كيف تمنحين الأب فرصة لاكتشاف شخصية طفله؟
افسحي له مجالاً لبناء لغة خاصة مع طفله
كل مولود له شخصيته وإيقاعه الخاص، ولذلك يحتاج الأب إلى فرصة ليكتشف طفله بنفسه، لا أن يحصل دائماً على التعليمات من الآخرين. قد يكتشف أن الطفل يهدأ عندما يسمع صوته، أو يفضل طريقة معينة في حمله، أو يستجيب للغناء، أو ينام بشكل أفضل بعد روتين معين. وعندما يشارك الأب في هذه التفاصيل، يبدأ تدريجياً في بناء لغة خاصة مع طفله، لغة لا تحتاج إلى كلمات كثيرة، وإنما تعتمد على الملاحظة والصبر والتجربة.
لا تخافي من أخطائه في البداية
من الطبيعي أن يخطئ الأب في البداية؛ فقد ينسى مكان الملابس أو يتوتر في أثناء تغيير الحفاض أو لا يعرف لماذا يبكي الطفل. المهم ألا يتحول الخطأ إلى سبب يمنعه من المحاولة مرة أخرى، وألا تجعل الأم كل تجربة اختباراً يجب أن ينجح فيه الأب من المرة الأولى.
يمكن للوالدين أن يتعاملا مع الأيام الأولى باعتبارها مرحلة تعلم مشتركة، فالأم أيضاً تتعلم، والأب يتعلم، وكلاهما يكتشفان طفلاً جديداً وحياة أسرية جديدة. وكلما كان الجو بينهما أكثر هدوءاً وتعاوناً، أصبح الانتقال إلى الأبوة والأمومة أسهل على الجميع.
خصصي وقتاً يومياً للأب والطفل

حتى لو كان الأب يعمل لساعات طويلة، يمكنه تخصيص فترة قصيرة ثابتة لطفله، قد تكون عشر دقائق في الصباح أو نصف ساعة في المساء. المهم أن يكون هذا الوقت حاضراً بالفعل، من دون انشغال دائم بالهاتف أو العمل.
يمكن أن يقضي هذه الدقائق في حمل الطفل، أو الحديث إليه، أو قراءة قصة، أو مساعدته في تغيير الملابس، أو مجرد الجلوس بجانبه ومراقبته في أثناء نومه؛ فالطفل لا يحتاج في هذه المرحلة إلى أنشطة معقدة، وإنما يحتاج إلى صوت مألوف ووجه قريب وذراعين يشعر بينهما بالأمان.
قومي بإشراك الأب في الزيارات والمواعيد المهمة
يمكن للأب أن يكون حاضراً في المواعيد الطبية الروتينية للمولود متى أمكن، وأن يعرف المواعيد والتطعيمات والتعليمات الأساسية التي تخص رعاية الطفل، بدل أن تكون كل المعلومات موجودة في ذهن الأم وحدها.
وهذا الأمر لا يساعد فقط على توزيع المسؤولية، بل يجعل الأب أكثر ثقة عندما يحتاج إلى رعاية طفله بمفرده لفترة قصيرة، كما يشعر الأم بأنها ليست الشخص الوحيد المسؤول عن تذكر كل التفاصيل.
اصنعي طقوساً عائلية صغيرة
لا تحتاج العائلة إلى طقوس كبيرة حتى تصنع ذكريات جميلة؛ فقد يصبح احتضان الطفل قبل النوم طقساً يومياً، أو التقاط صورة أسبوعية له، أو قراءة قصة قصيرة، أو تشغيل أغنية هادئة في وقت معين، أو الخروج معه في نزهة قصيرة عندما يسمح الوضع الصحي والطقس بذلك.
هذه الطقوس الصغيرة تمنح الأيام الأولى إيقاعاً دافئاً، وتساعد الأب على بناء علاقة مستمرة مع طفله بدل أن تكون مشاركته مرتبطة بالمناسبات الكبيرة فقط.
إجازة المولود للأب هل تساعد على التكيف مع الوضع الجديد؟


Google News