حين تضربُ الأزماتُ حياتنا سواء كانت اقتصاديَّةً، أو صحيَّةً، أو اجتماعيَّةً، نشعرُ وكأنَّنا نقفُ على أرضٍ غير ثابتةٍ. يتسلَّلُ القلقُ إلى نفوسنا، ويُصبح السؤالُ الأهمُّ لدينا: أين نجدُ الأمان، ثم مَن يمنحنا القدرةَ على الاستمرارِ على الرغمِ من الصعوبات؟ والحقيقةُ هنا، أن الأمانَ ينبعُ أولاً من العلاقاتِ الإنسانيَّةِ العميقةِ التي تُحيط بنا، فالعائلةُ، والأمُّ تحديداً، وروحُ التكافلِ الاجتماعي بين الناس، تُشكِّل جميعها شبكةَ حمايةٍ، تحفظُ توازنَ الإنسانِ في أصعبِ الظروف، كما تُوضح لـ «سيدتي» جيزيل قساطلي، الكاتبةُ والاختصاصيَّةُ في علمِ النفسِ الاجتماعي.
الأم المصدر الأكبر للصبر والقوة
العائلةُ، هي الحصنُ الأوَّلُ الذي يلجأ إليه الإنسانُ عندما تضيقُ به الحياة، حسبَ جيزيل. تتابعُ: «منذ طفولتنا الأولى نتعلَّمُ أن البيت، هو المكانُ الذي نستطيعُ أن نعودَ إليه مهما أخطأنا، أو تعثَّرنا، وفي الأزماتِ، تتجلَّى قيمةُ العائلةِ أكثر من أي وقتٍ آخر، فحين يُواجه أحدُ أفرادِ الأسرةِ مشكلةً ما، تتكاتفُ الأيدي، ويتحوَّلُ القلقُ الفردي إلى مسؤوليَّةٍ مشتركةٍ».
تُضيف: «قد لا تملك العائلةُ دائماً الحلولَ السحريَّة، لكنَّها تمنحُ شيئاً لا يقلُّ أهميَّةً: الشعورُ بأننا لسنا وحدنا. مجرَّد وجودِ أشخاصٍ يقفون إلى جانبنا، ويستمعون إلينا، ويدعموننا، يمنحنا قوَّةً نفسيَّةً هائلةً، تُساعدنا في مواجهةِ التحدِّيات، وفي قلبِ هذه العائلةِ تقفُ الأمُّ هذا الكائنُ الذي يحملُ في داخله طاقةً فريدةً من العطاءِ والحنان. الأمُّ ليست فقط مَن تمنحُ الحياة، بل ومَن تمنحُ أيضاً الشعورَ الأوَّلَ بالأمان. منذ اللحظةِ الأولى التي يحتضنُ فيها الطفلُ أمَّه، يتعلَّمُ معنى الطمأنينة».
وتزيدُ الاختصاصيَّةُ: «في الأزماتِ، غالباً ما تكون الأمُّ المصدرَ الأكبر للصبرِ والقوَّة، فهي التي تحاولُ أن تُحافظ على تماسك الأسرة، وأن تبثَّ في قلوبِ أبنائها الأمل حتى في أصعبِ الظروف. قد تُخفي مخاوفها الخاصَّةَ كيلا يشعر بها الآخرون، وتستمرُّ في العطاءِ بلا حدودٍ، لذا لا عجبَ أن الكثيرين، مهما كبروا في العمر، يعودون في لحظاتِ الضعفِ إلى حضنِ الأمِّ، أو إلى كلماتها المطمئنة. مع ذلك، الأمانُ لا يقتصرُ فقط على دائرةِ العائلةِ الضيِّقة، فالمجتمعُ أيضاً يلعبُ دوراً أساسياً في حمايةِ أفراده خلال الأزمات. هنا يظهرُ مفهومُ التكافلِ الاجتماعي، وهو من أجمل القيمِ الإنسانيَّةِ التي عرفتها المجتمعاتُ عبر التاريخ».
العلاقة الإنسانية ليست رفاهية في حياتنا
التكافلُ الاجتماعي، كما تُؤكِّد جيزيل، يعني أن يشعرَ كلُّ فردٍ بمسؤوليَّته تُجاه الآخر، وأن يُدرِك الغني حاجاتِ الفقير، وأن يقفَ القوي إلى جانبِ الضعيف، وأن يمدَّ الإنسانُ يده لمساعدةِ مَن يمرُّ بضيقٍ، أو محنةٍ. تقولُ عن ذلك: «في المجتمعاتِ التي يسودُ فيها هذا الشعور، تُصبح الأزماتُ أقلَّ قسوةً، لأن الناسَ لا تُواجهها بمفردها، وقد أثبتت دراساتٌ حديثةٌ أن الروابطَ الإنسانيَّة ليست فقط مصدراً للأمانِ النفسي، بل هي أيضاً عاملٌ أساسي في صحَّةِ الإنسانِ، وطولِ عمره. على سبيلِ المثال، أجرت Harvard University واحدةً من أطولِ الدراساتِ الاجتماعيَّةِ في العالمِ حول أسبابِ السعادةِ وطولِ العمر، وخلصت هذه الدراسةُ إلى نتيجةٍ واضحةٍ ومهمَّةٍ بأن الأشخاصَ الذين يتمتَّعون بعلاقاتٍ اجتماعيَّةٍ قويَّةٍ، وروابطَ إنسانيَّةٍ متينةٍ مع العائلةِ، والأصدقاءِ، والمجتمع يعيشون حياةً أطول وأكثر صحَّةً من أولئك الذين يعيشون في عزلةٍ، فالعلاقةُ الإنسانيَّةُ ليست رفاهيَّةً في حياةِ الإنسان، بل هي حاجةٌ أساسيَّةٌ، تمنحه الاستقرارَ النفسي، والقوَّةَ في مواجهةِ الأزمات».
وتستطردُ الاختصاصيَّةُ: «هذا يُثبت أن الإنسانَ لا يستطيعُ أن يعيشَ منفصلاً عن الآخرين. نحن بطبيعتنا كائناتٌ اجتماعيَّةٌ، نحتاجُ إلى الانتماءِ، والشعورِ بأن هناك مَن يهتمُّ بنا، ومَن نقفُ نحن إلى جانبه أيضاً، فكلُّ علاقةٍ إنسانيَّةٍ صادقةٍ تُضيف إلى حياتنا معنى وعمقاً وقوَّةً».
ما رأيك بالاطلاع على مارغو روستاميان: كيف تشوه الأوهام العاطفية حياتنا؟
الشعور بالانتماء لمجتمع متضامن

الأديبُ والفيلسوفُ اللبناني جبران خليل جبران عبَّر عن هذه الفكرةِ بعمقٍ حين دعا الإنسانَ إلى أن يسألَ نفسه: ماذا يمكنني أن أقدِّمَ لوطني ومجتمعي؟ وهنا تُوضح جيزيل: «المجتمعُ لا يُبنى فقط بما نحصلُ عليه، بل بما نُعطيه أيضاً. عندما يُفكِّر كلُّ فردٍ في دوره، ومسؤوليَّته تُجاه الآخرين، يُصبح المجتمعُ أكثر تماسكاً وأكثر قدرةً على تجاوزِ الأزمات. نحن في الحقيقةِ مرتبطون ببعضنا أكثر مما نظن. كلُّ إنسانٍ، هو خيطٌ في نسيجٍ اجتماعي كبيرٍ، وإذا ضعف أحدُ الخيوط، تأثَّرَ النسيجُ كلّه، أمَّا عندما تتقوَّى الروابطُ بين الناس، فإن المجتمعَ يُصبح أكثر صلابةً وقدرةً على مواجهةِ الصعوبات.
لقد رأينا في كثيرٍ من الأزماتِ حول العالم كيف تتجلَّى هذه الروحُ الإنسانيَّة، فحين تمرُّ مدينةٌ ما بظروفٍ صعبةٍ، أو كارثةٍ، يبدأ الكثيرون في تنظيمِ المبادرات، وتقديمِ المساعدات، وتقاسمِ الموارد. قد تكون هذه المساعدةُ بسيطةً أحياناً، لكنها تحملُ معنى إنسانياً عظيماً: نحن معاً ولسنا وحدنا».
وعن أهميَّةِ الانتماءِ إلى مجتمعٍ متضامنٍ، تُجيب الاختصاصيَّة: «الشعورُ بالانتماءِ إلى مجتمعٍ متضامنٍ، يمنحُ الإنسانَ طاقةً نفسيَّةً كبيرةً. حين يُدرِك الفردُ أن هناك مَن يقفُ إلى جانبه، يُصبح أكثر قدرةً على الصمود، وأكثر إيماناً بأن الغدَ يمكن أن يكون أفضل. في النهايةِ، ربما يكون الجوابُ عن سؤالِ: مَن يمنحنا الأمانَ في الأزمات؟ بسيطاً وعميقاً في آنٍ واحدٍ، فالأمانُ الحقيقي يأتي من الإنسانِ للإنسان، من العائلةِ التي تحتضنُ أبناءَها، ومن الأمِّ التي تمنحُ بلا حدودٍ، ومن المجتمعِ الذي يتكاتفُ أفراده في مواجهةِ الصعوبات. حين نُحافظ على هذه القيم، نُصبح جميعاً أكثر قوَّةً، وأكثر قدرةً على مواجهةِ الأزمات، وأكثر إيماناً بأن الإنسانيَّة، مع كلِّ التحدِّيات، تبقى الرابطَ الأعمق الذي يجمعنا، ويمنحنا الأمان».
الأمان الحقيقي يولد من الإيمان والثقة
«الأمانُ» هو الشيء الوحيدُ الذي نبحثُ عنه جميعاً حين تضيقُ بنا الأيَّام، وتشتدُّ العواصفُ حولنا»، لكنَّ جيزيل ترى أن «الأزماتِ تكشفُ لنا حقيقةً مهمَّةً، وهي أن الأمانَ ليس دائماً في وفرةِ المال، ولا في قوَّةِ السلطة، ولا في استقرارِ الظروف، لأن كلَّ ذلك قد يتغيَّرُ في لحظةٍ».
إذاً أين يكمنُ الأمان، سؤالٌ تجيبُ عنه الاختصاصيَّةُ بالقول: «الأمانُ الحقيقي يُولَد من الإيمانِ والثقة، من الإيمانِ بأن بعد العسرِ يُسراً، وأن كلَّ أزمةٍ تحملُ في طيَّاتها درساً، أو بدايةً جديدةً، كما يُولَد من الأشخاصِ الطيبين حولنا: عائلةٌ تسندنا، وصديقٌ يسمعنا، وكلمةٌ صادقةٌ تُعيد الطمأنينةَ إلى قلوبنا».
تزيدُ: «في الأزماتِ نتعلَّمُ أن الأمانَ قد يكون بسيطاً جداً: دعاءٌ يهدِّئ القلب، ويدٌ تمتدُّ للمساعدة، وأملٌ يرفضُ أن ينطفئ، لذا عندما تمرُّ الأزمات، نتذكَّرُ أن الأمانَ لا يُمنح لنا من الخارجِ فقط، بل ونصنعه أيضاً داخلنا بالصبرِ، والثقةِ بالله، والتمسُّكِ ببعضنا. نحن ربما لا نستطيعُ أن نمنعَ العاصفة، لكنَّنا نستطيعُ أن نُحافظ على السكينةِ داخل قلوبنا حتى تمر».
وتُؤكِّد جيزيل، أن «قوَّةَ المجتمعاتِ لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكاناتٍ ماديَّةٍ، بل وأيضاً بما تحمله من قيمٍ إنسانيَّةٍ راسخةٍ. حين تتكاتفُ الأمَّهاتُ، والعائلاتُ، وأفرادُ المجتمع، تتحوَّلُ الأزماتُ من مصدرِ خوفٍ إلى فرصةٍ لتعزيزِ التضامن، وبناءِ مجتمعٍ أكثر قوَّةً وتماسكاً. في مثل هذه اللحظاتِ يُدرِك الإنسانُ، أن الأمانَ الحقيقي لا يصنعه المالُ، أو الظروفُ وحدها، بل تصنعه القلوبُ المتضامنة، والإرادةُ المشتركةُ في مواجهةِ التحدِّيات، وبناءِ مستقبلٍ أفضل».
وتختتمُ الاختصاصيَّةُ حديثها بالقول: «في النهايةِ، يمكن التأكيدُ أن الأزماتِ، مع قسوتها، قد تكون فرصةً لإعادةِ اكتشافِ قوَّةِ الروابطِ الإنسانيَّة: الأمُّ بحنانها وصبرها، تمنحُ أبناءَها الشعورَ بالأمان، والعائلةُ بتماسكها تُوفِّر الحمايةَ والدعم، والمجتمعُ بتضامنه، يخلقُ بيئةً من التعاونِ والأمل. عندما تجتمعُ هذه العناصرُ، يُصبح الإنسانُ أكثر قدرةً على مواجهةِ الصعوباتِ بثباتٍ وثقةٍ».
يمكنك أيضًا الاطلاع على كيف تُغير السعادة كيمياء الجسم وتحسن الصحة؟
