ماذا يبقى من الرحلاتِ؟ إحساسٌ عميقٌ نختزنه داخلنا طويلاً، وتذكاراتٌ، وفنٌ نُزيِّن بها منازلنا، لنُخلِّد لحظاتٍ عشناها. يتأثرُ الديكورُ الداخلي بكلِّ تجاربنا الحياتيَّة، ومن بينها أسفارُنا، لذا نحرصُ على الاحتفاظِ بشيءٍ منها عبر قطعٍ نُسرُّ بعرضها في منازلنا. تتفاوتُ هذه القطعُ بين ثمينةٍ، نُباهي بحضورها في مجالسنا، أو نحتفظُ بها لأنفسنا في غرفٍ أكثر خصوصيَّةً، وبين أشياءَ من روحِ الوجهاتِ من صنعِ حِرفييها، وبين الفنِّ: لوحاتٌ، ومنحوتاتٌ وغير ذلك مما يُغذِّي أعيننا، ويدفعنا إلى التأمُّلِ فيه، ورؤيةِ تفاصيلَ جديدةٍ في كلِّ مرَّةٍ، فللناسِ فيما يعشقون مذاهب. والتذكاراتُ، والفنُّ روابطُ بين السفرِ ومنازلنا. هي وسيلةٌ تجعلُ الجدرانَ والأسطحَ من طاولاتٍ ورفوفٍ تحكي عنا. تسردُ شيئاً من قِصَّتنا، وتعكسُ هويَّتنا. للغوصِ أكثر في الروابطِ بين ديكورِ المنزلِ والسفر من خلال الفنِّ، وجَّهت «سيدتي» مجموعةً من الأسئلةِ المتعلِّقةِ بذلك إلى ميلا دلال، مؤسِّسة ArtéMila، وهي شركةُ استشاراتٍ فنيَّة انطلقت من دبي. ميلا شغوفةٌ بالفنِّ، والديكورِ الداخلي، والسفر، وتُساعد العملاءَ في اكتشافِ القطعِ التي ترفع مساحاتهم، وتعكسُ فرديَّتهم.
أبعد من الحنين

التذكاراتُ من الأسفارِ ليست مجرَّد حنينٍ، كما تُؤكِّد المستشارةُ الفنيَّةُ ميلا دلال، قائلةً: «ننجذبُ إلى أشياءَ بعينها بسبب المكانِ الذي كنا فيه، والمشاعرِ التي انتابتنا في تلك اللحظة». لكن أبعدُ من ذلك، هي تلفتُ إلى «ذوقِ المرء الذي يتطوَّرُ باستمرارٍ؛ فالقطعةُ التي تُعجبك أثناء السفر، تُجسِّد مَن كنتِ، وكيف أثَّرت فيكِ خلال تلك الفترة. أنتِ تشترينها بسبب ذلك الشعورِ الذي انتابك حينها، وتحتفظين بها لأنها تُذكِّرك بتلك النسخةِ من نفسك. إنها ذكرى المكانِ واللحظة، وعلامةٌ على نظرتكِ للعالمِ حين اكتشفتِها، ثم إن أفضل تذكاراتِ السفر تلك التي تجمعُ بين هذين الأمرَين معاً».
قد يهمك الاطلاع أيضاً على موضة الأكسسوارات المنزلية العصرية.. دليلك للاستلهام والتميز
«الخيط هو أنتِ»

عن الأخطاءِ الأكثرِ شيوعاً والتي يرتكبها محبُّو السفرِ عند دمجِ اكتشافاتِ السفرِ بـديكوراتِ منازلهم، تشرحُ المستشارةُ الفنيَّة: «الدافعُ وراءَ شراءِ أي تذكارٍ من الرحلة، هو حبُّ هذه القطعة. إذا كنت تحبّينها بدرجةٍ كافيةٍ، فستجدين دائماً طريقةً لوضعها. بالتالي، الخطأ ليس في شراءِ أشياءَ كثيرةٍ، بل أن يكون ذلك دون هدفٍ، أو اتِّصالٍ حقيقي بها، فعندئذ تنحو المساحةُ إلى الفوضى، وتنتفي القِصَّة التي يمكن قراءتها». وتُضيف: «أمَّا إذا كانت كلُّ قطعةٍ تعني شيئاً بالنسبةِ لك، فيمكنك حينها جمعها من عديدٍ من الأماكنِ المختلفة، وستظلُّ تتجمَّع معاً، لأن الخيطَ الذي يمرُّ عبرها هو أنتِ».
للاطلاع على التحقيق في عدد يونيو من سيدتي ديجيتال، اضغطي هنا
الفنّ لا ينافس

وعن الطرقِ التي تجعلُ من اللوحات، أو القطعِ الفنيَّةِ المقتناة من الخارجِ محورَ الديكور، تفيدُ المستشارةُ أنّه: «عند اقتناءِ القطعةِ الفنيَّةِ بصورةٍ مقصودةٍ، فإنها تتحدَّثُ عن نفسها، ليتناغمُ الأثاثُ معها بدلاً من العكس. لذا خصِّصي لها الجدارَ الذي تقعُ عليه عينك فور دخولك مع إضاءتها بشكلٍ مناسبٍ، فلا تحتاجُ القطعةُ الفنيَّةُ المميَّزةُ إلى التنافسِ على جذبِ الانتباه». وتستدرك: «القطعةُ الفنيَّةُ الحقيقيَّةُ تبقى خالدةً. سترافقكِ في بيوتٍ وأماكنَ عدة، وعليه لن تبني غرفةً كاملةً حولها. أنت تمنحينها المساحةَ التي تستحقُّها أينما كنتِ، لتجدَ القطعةُ الفنيَّةُ المميَّزة مكانَها دائماً، وتُسيطرَ على الغرفةِ المحيطةِ بها».
قد يهمك الاطلاع أيضاً على: الترصيع بالقش من القرن السابع عشر إلى اليوم فن يجمل ديكورات المنازل
السفر والفن

ماذا عن القطعِ الفنيَّةِ التي تُمثِّل تذكاراتٍ من الأسفار، هل تعكسُ جوهرَ الوجهة، أو فنانيها المحليين، أو شيئاً آخرَ تماماً؟ تُجيب ميلا قائلةً: «السفرُ والفنُّ مرتبطان ارتباطاً وثيقاً. بصفتي جامعةَ أعمالٍ فنيَّةٍ، أنا شغوفةٌ بالثقافةِ والتاريخ، والسفرُ هو ما يُغذِّي هذا الشغف. نظرتُك تتطوَّرُ في كلِّ مرَّةٍ تتعرَّضين فيها لثقافةٍ جديدةٍ، لذا عندما أشعرُ بالارتباطِ بمكانٍ ما، أرغبُ في اقتناءِ الفنِّ الذي يُنتجه». غير أنها تشترطُ البحثَ الدقيقَ عن الفنَّانِ وسيرته قبل اقتناءِ أي قطعةٍ، إذ إن «مجموعةً مُختارةً من أماكنَ عدة تُعبِّر عن شخصيَّتك ونظرتك للأمور».
«تذكارات أسفارك الفنية ستتناغم دائماً في منزلك إذا كانت تعني لكِ، فالخيط الذي يجمعها هو أنتِ»
إحساس بالمنزل في الفندق

وعن المشاعرِ التي تُلازم المرءَ عند الإقامةِ في فندقٍ محدَّدٍ، بالوجهةِ، وكيفيَّةِ استعادتها من خلال الديكور، تؤكدُ المستشارةُ الفنيَّة، أن «حبَّ الناسِ لفنادقَ بعينها لا يرجعُ إلى أمرٍ واحدٍ فيها، بل إلى ما يشعرون به هناك، لا سيما الإحساسُ بالمنزلِ الذي يجعلهم يسترخون لحظةَ الدخولِ إليه. ولإحضار هذا المنزلِ عليك أن تفعلي أقل، وأن تختاري أفضل، هذا مع إيداعِ بعض القطعِ القويَّةِ لتستولي على الغرفةِ بدلاً من ملئها». إلا أنّ العنصرَ الوحيدَ الذي يتجاهله أصحابُ المنازل في أغلب الأحيان، هو الإضاءة! تقول: «ينفقُ الناسُ على الفنِّ والأثاث، ثم يُضيئون الغرفةَ بأكملها بتركيبةٍ واحدةٍ قويَّةٍ من السقف. الضوءُ هو ما يجعلُ العملَ ينبضُ بالحياةِ، أو يفشل، وتنفيذه بشكلٍ صحيحٍ مهارةٌ في حدِّ ذاتها. إنه العنصرُ الذي يُغيِّر كلَّ شيءٍ بمجرَّد القيامِ به بشكلٍ ممتازٍ». لا يمكن اختصار الديكور بأنه تنسيقٌ متناغمٌ، بل هو أكثر من ذلك؛ هويَّة! وليس هناك أبلغُ من الفنِّ المقتنى من الأسفارِ ليعكسَ ذلك في منزلك. المنزلُ هو أنت بكلِّ أحوالك، بما في ذلك رحلاتك.
___
- الصور من ArtéMila في دبي

Google News