mena-gmtdmp

الخزف والصحة النفسية: كيف يتحوّل الإبداع إلى أداة للرعاية الذاتية

نور زغبي فارس
نور زغبي فارس

في بيروت، يخرجُ من «فابريكا للتصميم» Fabrica Design Platform صوتٌ آخرُ للحياة، إنه صوتُ الأيدي، وهي تلامسُ الطين، وتُشكِّله، وتعيدُ اكتشافَ الذاتِ من خلاله. هنا لا يُصنَعُ الخزفُ من أجل الزينةِ فقط، بل وأيضاً بوصفه مساحةً للرعايةِ النفسيَّة، والتأمُّلِ، والتواصلِ الإنساني حتى يتحوَّلَ الإبداعُ إلى شكلٍ من أشكالِ الشفاء، والطينُ إلى لغةٍ بديلةٍ، تروي ما يعجزُ الكلامُ عن قوله، كما تُوضح نور زغبي فارس، مالكةُ المشروعِ، لـ «سيدتي».


تصوير : فاتشيه أباكليان 


الإبداع كمساحة للبقاء

 

 


للطينِ علاقةٌ وثيقةٌ بعلمِ النفسِ سواء من الناحيةِ العلاجيَّةِ، أو الرمزيَّةِ، أو التنمويَّة، إذ يُستَخدمُ الطينُ في مجالِ العلاجِ النفسي ضمن أساليبِ العلاجِ بالفنِّ فيما يُعرَفُ بـ «العلاجِ بالطين» حيث يُطلَبُ من الفردِ تشكيلُ الطينِ بحريَّةٍ للتعبيرِ عن مشاعره الداخليَّةِ التي قد يصعبُ التعبيرُ عنها بالكلمات.

ويُسهم هذا النوعُ من العلاجِ في تحقيقِ التفريغِ الانفعالي، ويُخفِّف من التوتُّرِ والقلق، كما يُعزِّز الإحساسَ بالسيطرةِ والقدرةِ على التغيير، إذ يختبرُ الشخصُ شعوراً إيجابياً عندما يصنعُ شيئاً بيديه، ثم إن ملمسَ الطينِ الطبيعي والبارد، يساعدُ في تهدئةِ الجهازِ العصبي، وزيادةِ التركيزِ والهدوء. أمَّا من الناحيةِ الرمزيَّة، فيحملُ الطينُ دلالاتٍ عميقةً في علمِ النفسِ التحليلي، فهو يرمزُ إلى الأصلِ والتكوين، فالبشرُ مخلوقون من طينٍ، ما يجعلُ التعاملَ معه استحضاراً لفكرةِ الجذورِ والعودةِ إلى الطبيعة. كذلك يُمثِّل الطينُ رمزاً للتحوُّلِ والنموِّ لقدرته على التشكُّلِ والتغييرِ المستمرِّ، فيُشبَّه بالنفسِ الإنسانيَّةِ القابلةِ للتطوُّرِ والتبدُّل.

وفي المجالِ التنموي والتربوي، يُستَخدمُ الطينُ بوصفه وسيلةً لتعزيزِ الإبداعِ والخيال، وتنميةِ المهاراتِ الحركيَّةِ الدقيقة، إلى جانبِ ترسيخِ قيمِ الصبرِ والمثابرةِ أثناء عمليَّةِ التشكيل. وعليه، فإن العملَ بالطين، لا يقتصرُ على الجانبِ الفنِّي فحسب، بل ويمتدُّ أيضاً ليكون وسيلةً علاجيَّةً ونفسيَّةً، تعيدُ التوازنَ الداخلي، وتربطُ الإنسانَ بذاته وبالطبيعةِ من حوله.

 

لكنْ، كيف يكون التأثيرُ النفسي لتشكيلِ الطينِ والعملِ به يدوياً في تقليلِ التوتُّرِ والقلق؟

في هذا الجانبِ، تُوضح نور زغبي فارس: «تُشجِّع التجربةُ الحسيَّةُ للطين، بملمسه ودرجةِ حرارته واستجابته، على الحضورِ الذهني. عندما يغمرُ المشاركون أيديهم في الطين، ينتقلُ انتباههم بشكلٍ طبيعي من القلقِ المُجرَّد إلى التجربةِ المُجسَّدة، ويُنشِّط هذا التركيزُ اللمسي حالاتٍ من الهدوءِ والتأمُّل، تُخفِّض مستوياتِ التوتُّرِ والقلق. في استديوهاتنا، غالباً ما نرى المشاركين يدخلون ما يُطلِقُ عليه علماءُ النفس حالةَ التدفُّق، إذ يمتزجُ الفكرُ والفعلُ والمادة، ما يؤدي إلى شعورٍ بالهدوءِ والوضوحِ نادراً ما نجده في الحياةِ اليوميَّة».

وتضيفُ: «مع أن الاستديو ليس مساحةً سريريَّةً، لكنَّه يشتركُ في عديدٍ من مبادئ العلاجِ بالفنِّ، فكلاهما يعتمدُ على العمليَّةِ بدلاً من المُنتَج، وعلى الصنعِ بوصفه وسيلةً للتعبيرِ، والتأمُّلِ، واكتشافِ الذات. يكمنُ الاختلافُ في النيَّة: يستخدمُ العلاجُ بالفنِّ العمليَّاتِ الفنيَّةَ في إطارٍ علاجي، بينما يُعزِّز نموذجنا التعليمي التعلُّمَ والتجريبَ بوصفهما أدواتٍ للنموِّ والتواصل، ومع ذلك، تُقدِّر كلتا البيئتَين الأمانَ العاطفي، والتعبيرَ عن الذات، والتحوُّلَ من خلال التفاعلِ المادي».

وتستطردُ نور شارحةً كيف يمكن للفنِّ أن يكون وسيلةً للتعبيرِ عن المشاعرِ المكبوتة، أو الصدماتِ النفسيَّة، تقولُ: «الطين لغةٌ غير لفظيَّةٍ، إذ تُوفِّر عمليَّةُ بناءِ الأشياءِ، وكسرها، وإعادةِ صنعها منفذاً رمزياً للتحرُّر. يُعبِّر عديدٌ من مشاركينا من خلال أعمالهم الفنيَّةِ عمَّا لا يمكن التعبيرُ عنه بالكلمات، وتتيحُ مرونةُ المادةِ التحوُّلَ، بالترافقِ مع راحةٍ نفسيَّةٍ خفيَّةٍ، لكنَّها عميقةٌ. هكذا يصبحُ الفنُّ أرشيفاً للتجارب، ومساراً نحو الشفاء». وتتابعُ: «لقد رأينا بأنفسنا كيف تُعزِّز جلساتُ الخزفِ الجماعيَّةُ التعاطفَ، والتعاونَ، والشعورَ المشترك بالهدف. يدعو الطينُ أيضاً إلى الإبداعِ الجماعي، والتشكيلِ والإصلاح معاً، ما يبني مرونةَ المجتمع.

وترى نور، أن «لمسَ الطين، يُوقظ ذاكرةً حسيةً، إذ يربطنا طابعُ الطينِ الترابي بشيءٍ أساسي، يُذكِّرنا بالأصلِ، والطبيعةِ، وقدرةِ الجسمِ على الإبداع. من الناحيةِ النفسيَّة، لهذا التفاعلِ اللمسي تأثيرٌ استقراري، فهو يُرسِّخ الصانعَ في اللحظةِ الراهنة، أمَّا من منظورٍ تأمُّلي، حيث تقودُ الأيدي العقل، فإن الإيماءاتِ المتكرِّرةَ مثل الضغطِ، والتنعيمِ، واللفِّ، تُهدِّئ الضجيجَ الذهني، وتدعو إلى السكون.

وتردفُ: «يساعدُ العملُ الخزفي المُركَّز في تحقيقِ حالةٍ من الهدوءِ الذهني، أو اليقظة، لأن الطينَ يتطلَّبُ الانتباه والصبر. جلساتُ الخزفِ الجماعيَّة، تُحوِّل الإبداعَ الانفرادي إلى تجربةٍ مشتركةٍ، فحولَ الطاولةِ، أو العجلة، تنبثقُ المحادثاتُ بشكلٍ طبيعي أحياناً من خلال الكلماتِ، وأحياناً من خلال الإيماءاتِ، أو الضحك. بل إن المادةَ نفسها تصبحُ وسيطاً، تذيبُ الحواجزَ بين الناس، بينما تعيدُ هذه التجمُّعاتُ الإبداعيَّةُ بناءَ الثقةِ والانتماء، ويُسهم كلُّ مشاركٍ في إيقاعٍ أوسعَ من الإبداعِ والمشاركة».

وحول دمجِ مبادئ العلاجِ الفنِّي في بيئةِ الـ «فابريكا» دون تحويلها إلى بيئةٍ سريريَّةٍ رسميَّةٍ، تجيبُ نور بأنهم «يدمجون المبادئ العلاجيَّةَ ببراعةٍ من خلال أصولِ التدريسِ وتصميمِ المساحات بدلاً من الهيكلِ السريري. يبدأ هذا بتهيئةِ بيئةٍ آمنةٍ خاليةٍ من الأحكامِ المسبقة حيث يُشجَّع التجريب، ويُعاد النظرُ في الفشلِ بوصفه جزءاً من عمليَّةِ التعلُّم.

ما رأيك بالاطلاع على الريكي..طاقة الشفاء بداخلنا وتأثيرها على الجسم للتخلص من التوتر

 

 

"الطين مادة مرنة ومتسامحة ومتجاوبة وتعزز الشعور بالفاعلية والإمكانية"
نور زغبي فارس

 

 


الاستكشاف بدلاً من الإتقان

وتكشفُ نور عن أن هناك أولوياتٍ لديهم في العمل، تقولُ: «في هذا المكان، نُعطي الأولويَّةَ لإيقاعٍ، يُوازن بين التركيزِ والمرح، ما يسمحُ للمشاركين بالتمهُّلِ، والتجربةِ، واختبارِ المادةِ دون ضغوطٍ. تبدأ كلُّ جلسةٍ بتمارينَ بسيطةٍ، وقابلةٍ للتحقيق، وتُعزِّز الثقةَ بالنفس من خلال الإتقانِ التدريجي، وينصبُّ تركيزنا دائماً على عمليَّةِ الاكتشافِ بدلاً من إتقانِ النتائج. يُسهم هذا النهجُ في زيادة الثقةِ بالنفس، ويُقلِّل من قلقِ الأداء، ويمنحُ المشاركين حريَّةَ التعبيرِ عن أنفسهم دون خوفٍ من الفشل. المادةُ نفسها مرنةٌ، ومتسامحةٌ، ومتجاوبةٌ، وتُعزِّز الشعورَ بالفاعليَّةِ والإمكانيَّة».

وتتابعُ: «في فابريكا، نُهيِّئ جواً من الترحيبِ والعفويَّة، ومساحةً، يشعرُ فيها الجميع، بغضِّ النظرِ عن خلفيَّتهم أو مهاراتهم، بالانتماء. هذا الشعورُ بالأمانِ النفسي، هو ما يُطلِقُ العنانَ للإبداعِ الحقيقي. عندما يعلمُ المشاركون أن عملهم، لن يُحكَم عليه، أو يُقيَّم، يصبحون أكثر استعداداً للمخاطرةِ، والاستكشافِ، واللعب. في هذا السياقِ، يتحوَّلُ الطين إلى حليفٍ، فهو يمتصُّ التردَّد، ويعكسُ الأصالة، ويُكافئ الانفتاح».

وتشيرُ نور إلى أن «العمليَّةَ الإبداعيَّةَ في صناعةِ الخزف، تُقدِّم مظهراً ملموساً للتقدُّم، إذ يتَّخذ الشيءُ شكلَه على يدِ الصانع، ويُعزِّز هذا التحوُّلُ المرئي تقديرَ الذات. كلُّ مرحلةٍ من التشكيلِ إلى الحرق، تحملُ تحدِّياتها ورضاها الخاص، ما يُعلِّم المرونةَ والصبر، بل إن العيوبَ نفسها، تصبحُ جزءاً من القِصَّة، ما يُذكِّر المشاركين بأن الجمالَ غالباً ما يكمنُ في آثارِ العمليَّة. ومع أننا لا نقيسُ التغييرَ النفسي سريرياً، لكنْ الاختلافُ في الحالاتِ العاطفيَّةِ للمشاركين قد يكون واضحاً وعميقاً، وغالباً ما يصلُ بعضهم إلى الاستديو وهم يحملون وطأةَ ضغوطهم اليوميَّة، ويكونون متوتِّرين، ومشتَّتين، وأحياناً متشكِّكين، لكنْ مع تقدُّمِ الجلسات، تخفُّ وضعيَّاتُ الجسم، ويتباطأ التنفُّس، وتبدأ المحادثاتُ بالتدفُّقِ بحريَّةٍ أكبر.

 

 

 


تعدُّ الـ «فابريكا» مبادرةً متعدِّدةَ التخصُّصاتِ في الفنِّ والتصميم، وهي استديو للتصميمِ والفنون، وفي الوقتِ نفسه منصَّةٌ بحثيَّةٌ، تُركِّز على الموادِّ، والحِرفةِ، والابتكارِ، والتصميمِ التعاوني، وتُقدِّم مجموعةً من الصفوفِ والورشِ في الخزفِ «الطين»، منها التشكيلُ اليدوي، وعجلةُ الفخَّار، والتلوينُ، والزخرفةُ، والنحتُ للأطفال، للمبتدئين والمتقدِّمين، وتُركِّز على الابتكارِ في الموادِّ، والبحثِ في إمكاناتِ الطينِ والخزف، وتجربةِ التقنيَّاتِ ما بين الحِرفةِ والتكنولوجيا بهدفِ الاستفادةِ من الطين «الصلصال/الخزف» بوصفه مادةً للتشكيلِ الحِرَفي، ومُحفِّزاً للإبداعِ، والتغييرِ، والإدماجِ المجتمعي، إضافةً إلى الالتزامِ بالتعليمِ، والتجريبِ، والمشاركةِ المجتمعيَّةِ بوصفها عناصرَ أساسيَّةً في العمل. وفي بيئةٍ تعليميَّةٍ شفَّافةٍ، يتمُّ تشجيعُ المتعلِّمين على فهمِ كاملِ عمليَّةِ التصميمِ والتشكيل، وليس فقط النتيجةَ النهائيَّة، لأن الهدفَ، هو العملُ من منطلقِ، أن الحِرفة، يمكن أن تكون وسيلةً للتعبيرِ الفنِّي، والبحثِ، والتطوُّرِ المهني. ويمكن للمشاركين الوصولُ يومياً للمعدَّاتِ والموادِّ المطلوبة. لكنْ، كيف تتحوَّلُ عمليَّاتُ التصنيعِ اليدوي في Fabrica Design Platform إلى مساحاتٍ للتأمُّلِ، والتواصلِ، وإعادةِ بناءِ الذات. عن ذلك تجيبُ نور: «الفنُّ وسيلةٌ للبقاء، وفابريكا تؤمنُ بأن العملَ اليدوي، يفتحُ حواراً صادقاً بين الجسدِ والمادة، وبين الإحساسِ والفكر. الطينُ بملمسه الحي، واستجابته الفوريَّة، يعيدُ الإنسانَ إلى إيقاعه الطبيعي، ويُخفِّف التوتُّر، ويعيدُ التوازنَ الداخلي، ويُذكِّرنا بأن التشكيل، ليس مجرَّد حِرفةٍ، بل هو تأمُّلٌ صامتٌ في معنى الوجود أيضاً. المشاركون، يجدون في فابريكا مساحةً آمنةً للبوحِ دون كلماتٍ. إنه علاجٌ رمزي من خلال الكسرِ، وإعادة التشكيل، ثم التصميمِ من جديدٍ، وكثيرٌ من المشاركين، يُعبِّرون عن حزنهم، أو أملهم من خلال القطعِ التي يصنعونها، خاصَّةً أن الطين، يحملُ ما لا تستطيعُ اللغةُ حمله. بهذا الشكلِ، يتحوَّلُ الخزفُ إلى أرشيفٍ عاطفي، يحفظُ آثارَ اللمسِ والذاكرة، ويعيدُ نسجَ علاقةِ الإنسانِ بالأرضِ وبنفسه. وتضيفُ: «على الرغمِ من أن فابريكا ليست عيادةً نفسيَّةً إلا أن استديوهاتها تتبنَّى كثيراً من مبادئ العلاجِ بالفنِّ دون وصفةٍ طبيَّةٍ من خلال التركيزِ على العمليَّةِ أكثر من النتيجة، واحترامِ الإيقاعِ الفردي لكلِّ مشاركٍ، وتوفيرِ بيئةٍ آمنةٍ خاليةٍ من الأحكام، لذا في الجلساتِ الجماعيَّة، يمتزجُ الإبداعُ بالضحكِ والسكينة، وحول العجلاتِ والطاولات، تتشكَّلُ صداقاتٌ، وتذوبُ العزلة، ويتحوَّلُ الطينُ إلى جسرٍ بين الناس. هذه البيئةُ، تنبتُ الطمأنينة، وكلُّ تفصيلٍ في فابريكا صُمِّم ليُعزِّز الراحةَ النفسيَّةَ من خلال عواملَ عدة، نذكر منها الضوءَ الطبيعي، والألوانَ الترابيَّة، والموسيقى الهادئة، ورائحةَ الطين التي تملأ المكان. هنا لا وجودَ للتنافس، بل للتجريبِ، واللعبِ، والاكتشاف. إنها ورشةٌ تعليميَّةٌ بروحٍ تأمُّليَّةٍ حيث يُنظَرُ إلى الفشلِ بوصفه جزءاً من العمليَّة لا بوصفه خطأً يجبُ إصلاحه.

يمكنك أيضًا الاطلاع على العائلة في خطر...التحولات الأسرية وآثارها المجتمعية

 

 

"عند لمس الطين، يحدث أمر لافت: العقل يهدأ، والتنفس يصبح أعمق والجسد يبدأ في الاسترخاء"
فانيسا حداد

 

 


كيف يستعيد الفن تماسك النفس

وتوضحُ نور: «في فابريكا، نؤمنُ بأن العملَ اليدوي يُنشِئ حواراً مباشراً بين الجسمِ والمادة. إنه حوارٌ يمكن أن يكون مُجدِّداً للنشاطِ بعمقٍ، فالخزفُ يدعو إلى الصبرِ، والتركيزِ، وتهدئةِ الإيقاع. فابريكا ليست عيادةً، إنها استديو تعليميي ذو بُعدٍ علاجي غير مباشرٍ من خلال هذه البيئةِ الآمنةِ وغير المتحيِّزةِ لتعزيزِ حريَّةِ التعبير والإبداع. اللمسُ، والعجنُ، والتكرارُ، تخلقُ كلّها تواصلاً حسياً مباشراً مع المادة، ويعيدُ الطينُ الإنسانَ إلى الأرض، ويُنمِّي الحضورَ الذهني، والهدوءَ الداخلي، فتتحوَّلُ العمليَّةُ الإبداعيَّةُ إلى وسيلةٍ لتنظيمِ الذات، وتقليلِ القلق».

وتُكمِلُ: «باختصارٍ شديدٍ، الطينُ أداةٌ علاجيَّةٌ، وفابريكا مكانٌ للشفاءِ المجتمعي، فالجلساتُ الجماعيَّة، تخلقُ روابطَ اجتماعيَّةً، وتحدُّ من العزلة. الطينُ، أصبح اليوم فناً ومساراً للبوحِ، والتحوُّل، ولغةً بديلةً عن الكلام، فهو يتيحُ التعبيرَ عن الألمِ، والأملِ، والذاكرة. إن إعادةَ التشكيلِ المادي، تُحاكي التحوُّلَ النفسي الداخلي، وورشةُ العملِ هذه، تُراعي الإيقاعَ النفسي للمشاركين من خلال التركيزِ على العمليَّةِ أكثر من النتيجة، ما يُقلِّل القلق، ويُعزِّز الثقةَ بالنفس. هنا تجدرُ الإشارةُ إلى أن المدرِّبين، يلاحظون التحوُّلاتِ النفسيَّةَ دون تدخُّلٍ علاجي مباشرٍ، لأن الاستدامةَ النفسيَّةَ طويلةُ الأمد. وفي الختام، نحن لا نرى الخزفَ مجرَّد حِرفةٍ، لذا فإن فابريكا أكثر من مجرَّد مكانٍ للتعلُّم. إنها مساحةٌ للشفاءِ الجماعي حيث يعيدُ الإبداعُ بهدوءٍ ما تآكلَ من الصراعِ وعدمِ اليقين».

الشفاء لا يحتاج إلى كلمات كثيرة

الطينُ له علاقةٌ متعدِّدةُ الجوانبِ بالصحَّةِ النفسيَّة سواء من منظورِ العلاجِ النفسي الإبداعي، أو التفاعلِ مع الطبيعة، أو حتى الكيمياءِ الحيويَّةِ للجسمِ والعقل. هذا ما أكَّدته لنا فانيسا حداد، اختصاصيَّةُ علم النفس، وتابعت: «في عالمٍ، تزدادُ فيه السرعةُ والضجيج، يبحثُ الإنسانُ عن طرقٍ، تساعدُ في تهدئةِ ذهنه، واستعادةِ توازنه الداخلي، ومن بين الوسائلِ التي أثبتت فاعليَّتها في العلاجِ النفسي والعاطفي، يبرزُ الطين بوصفه أداةً بسيطةً وعميقةً أيضاً، تجمعُ بين اللمسِ، والإبداعِ، والتأمُّل. الطينُ، ليس مجرَّد مادةٍ، تُستَخدمُ في الفنِّ، إنه تجربةٌ حسيَّةٌ، تُعيد الإنسانَ إلى جذوره، إلى الطبيعةِ التي انبثقَ منها، وإلى ذاته الحقيقيَّةِ التي كثيراً ما تُرهقها الضغوطُ اليوميَّة».

وتضيفُ: «عند لمسِ الطين، يحدثُ أمرٌ لافتٌ: العقلُ يهدأ، والتنفُّسُ يصبحُ أعمقَ، والجسدُ يبدأ في الاسترخاء. الملمسُ الليِّنُ للطين، يمنحُ إشاراتٍ مهدِّئةً للجهازِ العصبي، تساعدُ في خفضِ مستوياتِ القلقِ والتوتُّر. خلال التشكيل، يتركَّزُ الانتباه في اللحظةِ الجاريَّة، ويبدأ الذهن في التحرُّرِ من الأفكارِ المتراكمة. هذه العمليَّةُ تُشبه التنفُّسَ العاطفي حيث يتمُّ تفريغُ ما لا يمكن قوله بالكلماتِ من خلال الحركةِ واللمس».

وتستطردُ فانيسا: «يتمُّ استخدامُ الطينِ بوصفه وسيلةَ علاجٍ نفسي، وطريقةً للعودةِ إلى الذاتِ عبر اللمسِ، والتشكيلِ، واستعادةِ الإحساسِ بالسيطرة. في كلِّ مرَّةٍ يُشكِّل فيها الإنسانُ قطعةً من الطين، يُعيد إلى نفسه شعورَ السيطرةِ الذي قد يفقده وسطَ تحدِّياتِ الحياةِ اليوميَّة. هو مَن يُقرِّر الشكلَ، والملمس. يُغيِّر، يُضيف، أو يبدأ من جديدٍ تماماً كما يفعل في حياته. وتُوضح الاختصاصيَّةُ، أن «الطينَ، يُستَخدمُ في العلاجِ النفسي بوصفه وسيلةً للتعبيرِ غير اللفظي، خاصَّةً عندما يصعبُ على الشخصِ التعبيرُ بالكلمات. من خلال الأشكالِ التي يصنعها، أو حتى الطريقةِ التي يتعاملُ بها مع المادة، يمكن للمشاعرِ الدفينةِ أن تجدَ طريقها إلى السطحِ بأمانٍ. هذه العمليَّة، تمنحُ مساحةً للوعي الداخلي، وتتيحُ للنفسِ أن تُفرِّغ ما في داخلها دون مقاومةٍ، أو حكمٍ».

وتكشفُ عن أن «الطينَ، يُحفِّز الحواس، ويُنشِّط الإبداع، ويمنحُ شعوراً بالإنجاز. حين يرى الشخصُ شيئاً جميلاً، خرجَ من بين يديه، يزدادُ شعوره بالقيمةِ والقدرة. هذه المشاعرُ الإيجابيَّة، تُسهم في تحسينِ المزاج، وتخفيفِ الأعراضِ المرتبطةِ بالاكتئاب، لأنها تُعيد للفردِ علاقته باللحظةِ، وبقوته الداخليَّة. أمَّا من الناحيةِ العصبيَّة، فاللمسُ المتكرِّرُ للطين، يُرسِل إشاراتٍ مهدِّئةً إلى الدماغ، تساعدُ في تنظيمِ المشاعرِ والانفعالات. وأخيراً، الطينُ يُذكِّرنا بأن الشفاءَ لا يحتاج دوماً إلى كلماتٍ كثيرةٍ، بل إلى لحظاتٍ صادقةٍ من اللمسِ، والاتِّصالِ، والخلق. هو وسيلةٌ بسيطةٌ، لكنَّها تحملُ قدرةً عميقةً على تفريغِ التوتُّر، وتهدئةِ الذهن، وإعادةِ الإنسانِ إلى ذاته الحقيقيَّة، ليكون أكثر حضوراً، وأكثر هدوءاً، وأكثر توازناً مع الحياة».

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط