لا تقتصر اضطرابات الأكل عند الأطفال على مجرد "عناد" أو "فقدان شهية" عابر، بل تظهر أعراضها لدى الطفل عندما يبدأ في تكوين تصورات سلبية عن مظهر جسده، ليبدأ في المعاناة من مخاوف مفرطة حول وزنه، مما ينعكس سلباً على سلوكه الاجتماعي وصحته البدنية ونموه الطبيعي، ولأن هذه الاضطرابات لا تفرّق بين عمر أو خلفية اجتماعية، فإنها تترك آثاراً عميقة تتجاوز مجرد "مائدة الطعام" لتصل إلى العزلة العاطفية. إليكِ، وفقاً لموقع "هيلث لاين"، أنواع اضطرابات الأكل، وأهم الأعراض التحذيرية الخفية وأسبابها.
فقدان الشهية العصبي

يُعد هذا الاضطراب من أخطر الحالات النفسية التي تؤثر على علاقة الطفل بطعامه، حيث يتملكه خوف مرضي ودائم من زيادة الوزن، يصاحبه اضطراب في رؤيته لنفسه؛ فمهما بلغ نقص وزنه، يرى جسده في المرآة "سميناً". هذا التصور المشوّه يدفع الطفل لفرض قيود غذائية صارمة وقاسية على نفسه، وينقسم هذا الاضطراب إلى نمطيْن رئيسييْن:
- النمط التقييدي: وفيه يلجأ الطفل لتقليل كميات الطعام بشكل حاد، أو الصيام لفترات طويلة، أو ممارسة الرياضة الشاقة والمرهقة؛ لحرق كل سعرة حرارية تدخل جسمه.
- نمط الشراهة: وفيه يمر الطفل بنوبات يتناول خلالها كميات من الطعام، لكنه يتبعها فوراً ببعض السلوكيات في محاولة للتخلص من كميات الطعام؛ مثل: تحفيز القيء الذاتي، أو الاستخدام المفرط للمسهلات؛ رغبة منه في التخلص من أثر ما قام بتناوله.
تعرفي إلى المزيد حول أعراض حساسية الطعام الأكثر شيوعاً عند الأطفال ومتى يجب القلق؟
اضطراب الأكل القهري
يتمثل هذا الاضطراب في فقدان الطفل القدرة على كبح جماح شهيته، حيث يمر بنوبات متكررة يتناول خلالها كميات ضخمة من الطعام في وقت قصير جداً، ويصاحب ذلك شعور بفقدان السيطرة وعدم القدرة على التوقف عن الأكل، حتى مع الشعور بالشبع التام.
ويكمن الفرق بينه وبين "الشره المرضي" في أن الطفل هنا لا يلجأ إلى سلوكيات تعويضية (مثل القيء أو الرياضة القاسية) للتخلص مما تناوله، مما قد يؤدي غالباً إلى زيادة ملحوظة في الوزن. إلا أنه في المقابل، يعاني هؤلاء الأطفال من صراعات نفسية عديدة، حيث تتبع نوبات الطعام مشاعر حادة من الذنب، الخجل، والضيق النفسي، مما يُدخله في دائرة مغلقة من الأكل العاطفي للهروب من هذه المشاعر القاسية.
اضطراب الأكل الانتقائي (ARFID)
يُعرف هذا الاضطراب برفض الطفل الشديد والمتكرر لأنواع محددة من الأطعمة، ليقتصر نظامه الغذائي على خيارات محدودة جداً. ولا يرتبط هذا الرفض بالرغبة في النحافة، بل يعود إلى مخاوف نفسية أو حسية عميقة؛ فقد يخشى الطفل تجربة صنف جديد (فوبيا الطعام الجديد)، أو يتملكه خوف قهري من "الاختناق" أو القيء أو المرض إذا تناول أطعمة محددة.
أحياناً، يظهر الاضطراب في شكل حساسية مفرطة تجاه درجة حرارة الطعام أو ملمسه أو رائحته، أو حتى فقدان تام للرغبة في تناول الطعام لعدم الشعور بالجوع.
يتجاوز هذا السلوك مجرد صعوبة الإرضاء، ليصبح حاجزاً يمنع الطفل من الحصول على احتياجاته الغذائية الضرورية، مما قد يؤدي إلى معاناته من نقص في الفيتامينات أو تأخر في النمو البدني الطبيعي.
لماذا يُصاب الأطفال باضطرابات الأكل؟
لا يمكن إرجاع اضطرابات الأكل إلى سبب واحد، بل هي نتيجة تشابك معقد لمجموعة من العوامل الحيوية والبيئية التي تشكّل ضغطاً على نفسية الطفل، وتتلخص في النقاط التالية:
- العوامل الوراثية والبيولوجية: يلعب التاريخ العائلي دوراً مهماً، فالأطفال الذين لديهم أقارب عانوا من اضطرابات مماثلة؛ يكونون أكثر عرضة للإصابة، كما أن اختلال توازن الناقلات العصبية في الدماغ يؤثر بشكل مباشر على تنظيم الشهية والمزاج، بالإضافة إلى التغيرات الهرمونية الحادة التي تصاحب مرحلة البلوغ وتؤثر على سلوك الطفل الغذائي.
- العوامل النفسية والشخصية: ترتبط هذه الاضطرابات غالباً بصفات محددة؛ مثل "النزعة للكمال" والحاجة المفرطة للسيطرة، أو تدني مستوى احترام الذات، والشعور المستمر بعدم الرضا عن مظهر الجسم، مما يجعل الطعام وسيلة للتعبير عن هذه الصراعات الداخلية.
- الضغوط الاجتماعية والثقافية: يعيش الأطفال تحت وطأة رسائل مجتمعية وإعلامية تهتم بـ "النحافة" وتعتبرها المعيار الوحيد للجمال والنجاح، مما يولد ضغطاً هائلاً عليهم للوصول إلى صورة جسم مثالية.
- التجارب الحياتية القاسية: قد تكون اضطرابات الأكل رد فعل على أحداث مؤلمة أو "صدمات" تعرض لها الطفل؛ مثل التنمر من أقرانه حول وزنه أو شكله، أو التعرض لسوء المعاملة، حيث يصبح التحكم في الأكل وسيلة دفاعية للتعامل مع الألم النفسي.
وجود هذه العوامل يزيد من احتمالية الإصابة، لكنه لا يعني حتمية حدوثها، فكل طفل يمتلك درجة مختلفة من المرونة النفسية في التعامل مع هذه المحفزات.
كيف تكتشفين اضطراب الأكل لدى طفلكِ؟
يُعدّ الانتباه المبكر للأعراض هو "طوق النجاة" للطفل؛ فعلى الرغم من أن كل اضطراب له سمات خاصة، فإن هناك مؤشرات عامة تظهر في سلوك الطفل وجسده، وتتطلب يقظة تامة:
- في حالة فقدان الشهية: ستلاحظين إصراراً على تقليص الوجبات بشكل حاد، وهوساً بالسعرات الحرارية.
- في حالة الشره المرضي: قد يختفي الطفل فوراً بعد الأكل (للذهاب للحمام)، أو يمارس الرياضة بجنون لفقدان ما أكله.
- في حالة الأكل القهري: ستجدين كميات كبيرة من الأطعمة تختفي بسرعة، أو تلاحظين آثار تناول طعام بشراهة في أوقات قصيرة.
- التغيرات الجسدية الملحوظة: تشمل فقدان الوزن المفاجئ بشكل غير مبرر، وشكوى الطفل المستمرة من الدوار والتعب العام.
- المؤشرات العاطفية والنفسية: ينعكس الاضطراب على نفسية الطفل في صورة قلق دائم واكتئاب، مع تدني ملحوظ في تقدير الذات. ستجدين طفلكِ مهتماً بشكل مفرط بشكل جسده في المرآة.
كيف يتم علاج اضطرابات الأكل عند الأطفال؟

علاج اضطراب الأكل ليس مجرد "تعديل وجبة"، بل هو بروتوكول متكامل؛ يهدف إلى إعادة التوازن للجسد والروح معاً، ويشمل:
- التدخل الطبي: الأولوية القصوى هي معالجة المضاعفات الجسدية الناتجة عن سوء التغذية أو الجفاف، والعمل تحت إشراف طبي دقيق لاستعادة الوزن الصحي، والحفاظ على استقرار العلامات الحيوية.
- العلاج النفسي السلوكي: يُعد "العلاج السلوكي المعرفي" (CBT) أساسياً، حيث يساعد الطفل على تحديد الأفكار المشوهة حول جسده، وتغيير السلوكيات الضارة ببدائل صحية.
- العلاج الدوائي: في بعض الحالات، قد يصف الأطباء أدوية (مثل مضادات الاكتئاب أو القلق)؛ للمساعدة على إدارة الاضطرابات النفسية المرافقة، وتحسين الحالة المزاجية للطفل.
كيف تدعمين طفلكِ في المنزل؟
دور الوالدين هو المحرك الأساسي لنجاح أي خطة علاجية، إليكِ خطوات عملية لتكوني السند الحقيقي لطفلكِ:
- التواصل الآمن: اخلقي بيئة يسودها الحب غير المشروط، وشجّعي طفلكِ على التعبير عن مشاعره ومخاوفه بشأن جسده من دون خوف من إلقاء اللوم أو الانتقاد.
- التسلّح بالمعرفة: ثقفي نفسكِ حول طبيعة الاضطراب ومحفزاته؛ فكلما فهمتِ الضغوط المجتمعية التي يواجهها طفلكِ، كنتِ أقدر على احتوائه بذكاء وصبر.
- تغيير مفهوم الجمال: ركزي في حديثكِ على أن "الصحة والقوة" هما المعيار الحقيقي، وليس الأرقام على الميزان. علّمي طفلكِ أن الأجسام تختلف في أشكالها وأحجامها، وهذا سرّ تميزها.
- كوني قدوة لطفلك: راقبي سلوككِ الخاص؛ فتجنبي الحديث السلبي عن وزنكِ أو اتباع حميات قاسية أمام طفلكِ، وكوني قدوة في الاستمتاع بالطعام الصحي والنشاط البدني المتوازن.
- التحرك السريع: عند ملاحظة أي علامة خطر، لا تترددي في طلب المساعدة من المتخصصين فوراً. العلاج الذاتي في هذه الحالات قد يؤدي لمضاعفات، والتشخيص الدقيق هو أولى خطوات الشفاء.
* ملاحظة من «سيدتي»: قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليكِ استشارة طبيب متخصص.






