mena-gmtdmp

لماذا نشعر أن الجميع ناجحون ونحن مكاننا؟ وكيف يتخطى الشباب هذا الشعور؟

المقارنات الرقمية سبب في الشعور بالفشل -المصدر freepik
المقارنات الرقمية سبب في الشعور بالفشل -المصدر freepik

عندما نطالع مواقع التواصل الاجتماعي، لا نرى سوى نجاحات الآخرين؛ فهناك من حصل على شهادة، وآخر ترقية، أو حتى استعراض لأنماط أخرى من النجاح، إلى حد قد يشعرنا، ولا سيما الشباب، بأن العالم بأجمعه يتقدمنا، بينما نحن واقفون لا نعرف من أين نبدأ.
هذه الحالة ليست عابرة، ولا تتوقف بمجرد الانتهاء من سلوك الاطلاع على السوشيال ميديا، بل آثارها تمتد لتصيب الشباب تحديداً بالإحباط، كما أن هذا الشعور يعزز الغيرة غير الصحية بين الأشخاص.

إعداد: إيمان محمد

أسباب شعور الشباب بالفشل

هناك متغيرات عصرية تدفع بعض الشباب للشعور بالتراجع وربما الفشل مهما حققه من نجاحات، وفي التالي أبرز هذه الأسباب:

المقارنة غير العادلة بين الشباب

وفقاً لموقع Psychology Today، فإن العقل البشري لديه دافع فطري لتقييم نفسه من خلال مقارنة قدراته وإنجازاته بالآخرين. هذه العملية تُعرف بـ"نظرية المقارنة الاجتماعية"، وعلى الرغم من أن الأمر شائع، وربما طبيعي، غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في أننا نقع في فخ مقارنات غير عادلة، فبينما نعيش تفاصيل يومية صعبة، فنحن فقط نقارنها بلحظات مميزة على مواقع التواصل الاجتماعي، قرر صاحبها أن يبرزها، فيما يخفي لحظات أخرى من الإخفاق أو التراجع. هذا الخلل في المقارنة يؤدي حتماً إلى تآكل الثقة بالنفس والشعور الزائف بالدونية المهنية أو الشخصية.
عندما يعيش الشاب هذه الحالة بشكل يومي، فإن ما يُصاب به أكثر، هو تجاهل المنطق؛ فيصبح لا يرى المجهود الذي يقوم به الشخص للحصول على نجاح أو مكافأة، ومن هنا نحكم على حياتنا بأنها فاشلة.

السوشيال ميديا تعرض النجاحات فقط -المصدر freepik

تغيُّر مفهوم النجاح

أحد أسباب تفشي الشعور بالفشل بين الشباب، يعود إلى تغير مفهوم النجاح، فحسب Harvard Business Review فإن النجاح بات يُقاس بمعايير وضعها آخرون. ويرى خبراء هارفارد أن هذا الشعور يتكرس في بيئة العمل، يصبح الأمر أكثر حدة، إلى درجة أنه قد يكون من أكبر معوقات الإنتاجية والسعادة المهنية.
وبحسب الخبراء، فإن مفهوم النجاح بات يرتكز على المظاهر الخارجية للنمو، مثل المسميات الوظيفية البراقة، أو الوجود الرقمي القوي الذي يُقاس بعدد المتابعين والمشاهدات، بينما يتم تجاهل النمو الداخلي مثل اكتساب المهارات الصعبة، الاستقرار النفسي، أو حتى الاستمرارية في ظروف ضاغطة.
وتحذر هنا هارفارد قائلة: "عندما تركز عينك على مسار شخص آخر، فأنت تفقد تركيزك على مسارك الخاص، ولذلك قد تتعثر خطواتك، ويصعب الاستقرار في وظيفة، وينتهي الأمر بك بأن تشعر بالفشل على الرغم من أي نجاحات تحققت".

متلازمة المحتال

يشير الخبراء إلى حالة تسببها المقارنات الرقمية والضغوط الراهنة، وهي متلازمة المحتال، التي قد تكون السبب وراء عدم شعورك بالنجاح والتقدم؛ ففي كثير من الأحيان، لا يكون الشخص واقفاً مكانه فعلياً، بل يكون قد حقق نجاحات ملموسة، لكنه يشعر داخلياً بأنه لا يستحقها، أو أن نجاح الآخرين أكثر حقيقية من نجاحه. المصادر النفسية تؤكد أن الشخص الذي يعاني من هذه المتلازمة يرى نفسه دائماً أقل من المحيطين به، مهما بلغت درجة كفاءته.
ويعيد خبراء علم النفس انتشار هذه الحالة، إلى الضغوط الناتجة عن "ثقافة الإنجاز المستمر" التي يفرضها العالم الراهن، والتي تدفعك إلى ضرورة أن تنجز أمراً مختلفاً كل يوم، حتى إن الانتهاء من المهام التقليدية اليومية أمر غير كافٍ لتُعَدَّ بين الناجحين.

تأثير خوارزميات السوشيال ميديا

سبب آخر دفع به الخبراء، وهو أن إبراز كل ما هو مبهر وناجح واستثنائي، يُعَدُّ جزءاً من عمل خوارزميات السوشيال ميديا؛ فهي مصممة لتعزيز الإبهار، لذلك السوشيال ميديا تُظهر لنا فقط الناجحين، أولئك الذين نجحوا في مشروعاتهم، أو حصلوا على وظائف أحلامهم. لكنها لا تظهر آلاف الأشخاص الآخرين الذين هم في مكانك نفسه، يكافحون يومياً، يواجهون التحديات نفسها، وربما يشعرون بشعورك نفسه.

ثقافة الإنتاجية المبالغ فيها

نعيش في عصر يقدس الضجيج، إذا لم تكن مشغولاً إلى درجة الإنهاك؛ فأنت مُقصر. هذا المنظور المهني السطحي جعلنا نشعر بالذنب إذا قررنا الحفاظ على وتيرة حياة متوازنة. الشعور بأن مكاننا غالباً ما يكون نتيجة لرفضنا اللاواعي للدخول في هذا السباق. لكن هذا النمط الذي سوَّقت له السوشيال ميديا يتنافى تماماً مع الدراسات العلمية التي تؤكد ضرورة المرور بفترات من الهدوء؛ لاستيعاب الخبرات وتثبيت الأقدام قبل الانطلاق لمرحلة جديدة. الثبات هنا ليس جموداً، بل هو تأسيس.

مفهوم النجاح بات زائفاً -المصدر freepik

كيف يتخطى الشباب الشعور بعدم الإنجاز؟

هناك خطوات فعَّالة ومجربة لمواجهة الضغوط السابق ذكرها، أبرزها:

المقارنة بالذات

المقياس الوحيد العادل هو مقارنة نفسك اليوم بنفسك قبل عام. هل أنت تطورت؟ هل اكتسبت خبرات؟ بغض النظر عن إنجازات المحيطين، ولا سيما على السوشيال ميديا؛ لأنها كما سبق أن ذكرنا مجرد جزء من حياة مليئة بتفاصيل أخرى.

إعادة تعريف النجاح

النجاح ليس قالباً يناسب الجميع. بالنسبة إلى شخص ما، النجاح هو الوصول إلى منصب قيادي، ولآخر هو تحقيق التوازن بين العمل والأسرة، ولثالث هو إتقان مهارة صعبة؛ لذلك تعريف النجاح هو شيء شخصي.

الحد من الاستهلاك الرقمي

إدراك أن ما نراه على الشاشات هو نسخة منقحة ومجملة من الواقع، من هنا فمن الضروري أحياناً أخذ استراحة من العالم الرقمي لاستعادة الاتصال بالواقع الملموس وإدراك حجم الإنجازات الصغيرة التي نحققها يومياً.

التركيز على الرحلة لا النتيجة

النجاح رحلة وكل تجربة فيها إضافة للشخص، ليست كل المسارات تُكَلَّل بالنجاح، ولكن عدم تحقيق الهدف الذي وضعته في البداية لا يعني فشلاً، بينما كل خطوة هي نجاح؛ لذلك لا تقيم النتائج فقط.
اقرئي أيضاً: كيف يبدأ الشباب من الصفر من دون إحباط؟ نصائح لمواجهة الفشل