هناك عوالمٌ لا تنتهي، ومشاعرُ تُخلدها الذاكرة، وقيمٌ تتوارثها الأجيال.
حين تُفتح أبوابه، وتتراقص الكلمات فوق صفحاته، تبدأ المتعة؛ متعة الإبحار في روائع اللغة والمغامرات الشائقة. هذا هو حال الكتاب العادي، فكيف إذا كان هذا الكتاب موجهاً لقلبِ وعقلِ الطفل؟
من منطلق اهتمامها بتطوير المحتوى العربي للأطفال، ترى المتخصصة في التربية الخاصة وعلم النفس التربوي السعودية ابتهال جمجوم أن الجيل الجديد لا يزال شغوفاً بالقراءة، على الرغم من إيجاده وسائط أخرى تزاحم الكتاب الورقي، الذي لم يفقد مكانته بعد.
وفي اليوم العالمي للكتاب، نُبحر مع 'جمجوم' في عالمها الخاص، حيث اختارت أن تكون حارسةً للغة والكلمة، متخذةً من كتب الأطفال منبراً لتأدية رسالتها.
فما الذي يميز هذا العالم يا ترى؟ وأي أفق ينتظر الكتابة والكُتَّاب في المملكة العربية السعودية؟ إليكم هذا الحوار الشائق.
الفخر باللغة..
"اللغة العربية مليئة بالإيقاع والخيال والأصوات الجميلة"
بداية عرفينا إلى ابتهال جمجوم؟ وكيف انطلقت في هذه المسيرة الملهمة؟
ابتهال جمجوم هي متخصصة في التربية الخاصة وعلم النفس التربوي، وشغفها الأكبر كان دائماً الطفل واللغة العربية وكيف يمكن أن تصبح أقرب إلى عالمه وأكثر متعة بالنسبة له.
انطلقت هذه المسيرة من ملاحظة بسيطة لكنها مهمة؛ كثير من الأطفال يرون تعلم العربية شيئاً صعباً أو تقليدياً، على الرغم من أن اللغة نفسها مليئة بالإيقاع والخيال والأصوات الجميلة.
ومن هنا بدأت فكرة العمل على تطوير محتوى عربي مختلف للأطفال، يجمع بين التعليم والمرح، ويعتمد على القصص، والأغاني، والحركة، والرسوم، والأنشطة التي تجعل الطفل يعيش اللغة ولا يكتفي بحفظها. ومع الوقت، تحول هذا الشغف إلى مشروع أوسع يهدف إلى تقديم تجربة تعليمية حديثة للأطفال، وفي الوقت نفسه تساعد المعلمين والأهل على توفير الوقت وتقديم محتوى أكثر جودة وتأثيراً.
الفكرة الأساسية كانت دائماً أن الطفل عندما يحب اللغة، سيتعلمها بسهولة أكبر، ويستشعر معانيها؛ ما يعزز الفخر بهُوِيَّته وثقافته وسلاسة التعبير عن ذاته بلغته أيضاً. وما يجعل هذه المسيرة ملهمة هو أنها لا تركز فقط على تعليم الطفل، بل على بناء علاقة إيجابية بينه وبين اللغة العربية منذ سنواته الأولى.
بين الورق والتكنولوجيا..

"أحد أسباب صمود الكتاب هو أن القراءة الورقية ما زالت تمنح الأطفال تجربة حسية وعاطفية يصعب تعويضها رقمياً"
هل استطاع الكتاب برأيك الصمود في وجه التحولات التكنولوجية الكبرى؟
بالنسبة لكتاب الطفل، فهو لم يختفِ أمام الشاشات والتطبيقات، بل أعاد تشكيل نفسه بطرق ذكية جعلته أكثر قدرة على البقاء. أحد أسباب صمود الكتاب هو أن القراءة الورقية ما زالت تمنح الأطفال تجربة حسية وعاطفية يصعب تعويضها رقمياً؛ لمس الصفحات، مشاهدة الرسوم، والقراءة المشتركة مع الأهل.
أظهرت دراسات أن التفاعل بين الطفل ووالديه في أثناء قراءة الكتاب الورقي يكون أعمق وأكثر فائدة لغوياً وعاطفياً مقارنة بالقراءة عبر الشاشة. في الوقت نفسه، لم يقف كتاب الطفل ضد التكنولوجيا، بل استفاد منها؛ ظهرت الكتب الإلكترونية، والقصص التفاعلية، والتطبيقات السردية، والمكتبات الرقمية التي أتاحت الوصول إلى آلاف الكتب بلغات مختلفة للأطفال حول العالم. مثال على ذلك: "International Children's Digital Library" التي وفرت كتباً للأطفال بعشرات اللغات وساعدت على نشر القراءة عالمياً.
كما أن التكنولوجيا لم تغير فقط شكل الكتاب، بل أثرت أيضاً في أسلوب الكتابة والرسم. أصبحت كتب الأطفال أكثر تفاعلاً، وأقرب إلى إيقاع الأطفال المعتاد على الفيديو والألعاب والتطبيقات. كثير من الكتب الحديثة تستخدم رسوماً أكثر جرأة، وتصاميم مستوحاة من الشاشات، وأساليب سرد غير تقليدية تجعل الطفل شريكاً في القصة لا مجرد مستمع.
وعلى الرغم انتشار الكتب الرقمية، ما زالت الأبحاث تشير إلى أن الكتب المطبوعة تساعد الأطفال أكثر في التركيز، والفهم العميق، وتذكُّر تسلسل الأحداث؛ لذلك لم يحدث استبدال كامل بالكتاب الورقي، بل أصبح هناك تكامل بين الشكلين؛ الورقي للتركيز والارتباط العاطفي، والرقمي للوصول السريع والتفاعل. يمكن القول إن كتاب الطفل صمد لأنه لم يعتمد فقط على الورق، بل على ما يقدمه من خيال، وقصص، وعلاقة إنسانية بين الطفل والكلمات؛ وهذه أمور لم تستطع التكنولوجيا أن تلغيها، بل دفعتها لتأخذ أشكالاً جديدة.
هل تراجعت معدلات القراءة الورقية لدى الجيل الجديد؟
نعم، يبدو أن معدلات القراءة الورقية تراجعت لدى الجيل الجديد، لكن ليس بالضرورة لأنهم توقفوا عن القراءة، بل لأنهم انتقلوا إلى وسائل أخرى مثل الجوال، الكتب الإلكترونية، الكتب المسموعة، ومواقع الإنترنت.
في السعودية مثلاً، أظهرت بعض الاستطلاعات أن نسبة أعلى من الناس يعتمدون على الجوال بوصفه وسيلة أساسية للقراءة، بينما بعضهم الآخر يعتمدون على القراءة الورقية.
ومع ذلك، ما زالت نسبة كبيرة يفضلون الكتب المطبوعة عندما يُسألون عن الوسيلة الأنسب للقراءة؛ ما يعني أن الكتاب الورقي لم يفقد مكانته بالكامل، لكنه لم يعُد الخيار الأول في الحياة اليومية. كثير من الشباب اليوم يرون أن المشكلة ليست في حب القراءة نفسها، بل في شكلها؛ فالهاتف والكتب الإلكترونية أسهل حملاً وأسرع وصولاً، بينما يبقى للكتاب الورقي قيمة خاصة مرتبطة بالتركيز، والهدوء، ومتعة ملمس الصفحات؛ بعض القراء يفضلون أن يقرؤوا إلكترونياً يومياً، ثم يشترون النسخة الورقية فقط للكتب التي يحبون الاحتفاظ بها؛ لذلك يمكن القول إن القراءة الورقية تراجعت فعلاً مقارنة بالماضي، لكن القراءة نفسها لم تختفِ؛ بل تغير شكلها وأدواتها.
السهل الممتنع..

"الكتابة للطفل بسيطة جداً من الخارج، لكنها في الحقيقة تحتاج إلى ذكاء كبير حتى تصل الفكرة بوضوح ودفء دون تعقيد"
يقول البعض إن الكتابة للطفل "سهل ممتنع"، أين تكمن متعة الكتابة لهذا الجمهور الصغير؟
تكمن متعة الكتابة للطفل في أنها تبدو بسيطة جداً من الخارج، لكنها في الحقيقة تحتاج إلى ذكاء كبير حتى تصل الفكرة بوضوح ودفء دون تعقيد؛ الكاتب يُضطر أن يرى العالم بعين الطفل؛ لماذا يستغرب؟ مِمَّ يضحك؟ ما الذي يخيفه؟ وما الذي يثير فضوله؟
الكتابة للطفل ممتعة لأنها تسمح للكاتب بأن يكون أكثر خيالاً وحرية؛ يمكنه أن يجعل القلم يتكلم، أو يجعل الشجرة تغني، أو يحول حرفاً عربياً إلى شخصية مرحة، وهي مساحة قد تكون أصعب أو أقل قبولاً في كتابة الكبار. وفي الوقت نفسه، هي كتابة دقيقة جداً؛ لأن الطفل يلتقط أي ملل أو تصنع بسرعة. لا يمكن إخفاء الفكرة خلف كلمات معقدة أو إطالة غير ضرورية. يجب أن تكون الجملة خفيفة، والصورة واضحة، والإيقاع جذاباً بالإضافة إلى عمق المحتوى وغزارة المفردات، خاصة إذا كانت الكتابة مرتبطة بالأغاني أو القصص أو الأنشطة.
ومن أجمل ما في الكتابة للطفل أن أثرها طويل جداً. قد ينسى الطفل تفاصيل كثيرة، لكنه يتذكر شعور القصة، والجملة التي أضحكته، والأغنية التي أحبها، والشخصية التي جعلته يشعر بالشجاعة أو الفضول؛ لذلك فالكاتب لا يكتب فقط كلمات، بل يشارك في تكوين ذاكرة الطفل وخياله ونظرته للعالم.
ما المعايير التي تجعل كتاب الطفل "متميزاً" في نظرك؟ وأي عنصر هو الأهم: القصة أم اللغة أم الرسالة أم الشكل؟
الكتاب المتميز للطفل هو الذي ينجح في أن يجذب الطفل من الصفحة الأولى، ويجعله يريد أن يكمله للنهاية، ثم يبقى في ذاكرته بعد ذلك. هناك عدة عناصر تصنع هذا التميز:
- قصة قريبة من عالم الطفل، فيها فضول أو مفاجأة أو مشاعر يفهمها.
- لغة بسيطة لكن جميلة، ليست معقدة ولا سطحية.
- إيقاع جيد، خاصة إذا كان الكتاب موجهاً للأطفال الأصغر سناً.
- رسومات أو تصميم بصري يدعم القصة ويضيف لها.
- رسالة موجودة بشكل غير مباشر؛ لأن الطفل عادة لا يحب أن يشعر أنه يتلقى درساً أو موعظة، بل يميل إلى ما يثير فضوله ويساعده في الإجابة عن تساؤلاته الفكرية بطرح أفكار ومواضيع مختلفة.
- شخصيات محببة يمكن للطفل أن يتخيل نفسه فيها أو يتعاطف معها.
أما العنصر الأهم؛ فأظن أنه يعتمد على عمر الطفل ونوع الكتاب، لكن إذا كان لا بُدَّ من اختيار عنصر واحد فهو "القصة"؛ لأن القصة هي التي تحمل اللغة والرسالة والشكل معاً. قد تكون الرسوم جميلة جداً، أو اللغة رائعة، لكن إذا لم تكن هناك قصة مشوِّقة؛ فلن يتعلق الطفل بالكتاب.
ومع ذلك، في كتب الأطفال الصغيرة جداً، خاصة في الأعمار المبكرة، قد يصبح الإيقاع واللغة والصورة البصرية بأهمية القصة نفسها أو حتى أكثر. وهذا قريب من نوع المحتوى الذي نعمل عليه؛ لأن الأطفال في هذه المرحلة غالباً يتفاعلون مع الموسيقى، والتكرار، والحروف، والألوان قبل أن يتفاعلوا مع الحبكة نفسها.
بالحديث عن الشكل، إلى أي مدى تسهِم الرسومات والتصاميم المرحة في جذب الطفل للقراءة؟
الرسومات والتصاميم المرحة ليست مجرد إضافة جميلة في كتاب الطفل، بل هي جزء أساسي من تجربة القراءة نفسها، خصوصاً في السنوات الأولى. الطفل غالباً يرى الصورة قبل أن يفهم الكلمات، ولذلك يمكن للرسومات أن تكون الباب الأول الذي يدخله إلى القصة؛ فالألوان، وتعابير الشخصيات، والتفاصيل الصغيرة، وطريقة توزيع العناصر على الصفحة؛ كلها تساعد الطفل على التركيز، وتثير فضوله لمعرفة ماذا سيحدث بعد ذلك.
في كثير من الأحيان، الرسومات تقوم بدور موازٍ للنص أو حتى تكمله. قد تشرح مشاعر الشخصية، أو تضيف موقفاً مضحكاً، أو تلمح إلى شيء لم يُذكر بالكلمات. لهذا فإن الطفل قد يعيد قراءة الكتاب مرات كثيرة ليس فقط بسبب القصة، بل لأنه في كل مرة يكتشف شيئاً جديداً في الصور. التصميم المرح أيضاً يساعد على جعل القراءة أقل رهبة وأكثر قرباً، خاصة للأطفال الذين لا يحبون الجلوس طويلاً أو الذين ما زالوا في بداية علاقتهم بالكتب.
وجود خطوط واضحة، ومساحات مريحة، وألوان جذابة، وتوزيع ذكي للنص والصورة؛ يجعل الطفل يشعر أن الكتاب ممتع وليس واجباً. وبالنسبة للأطفال الصغار جداً، قد تكون الرسومات أحياناً أهم من النص نفسه؛ الطفل قد لا يتذكر كل الكلمات، لكنه يتذكر الأرنب الأزرق، أو الشجرة المبتسمة، أو الحرف الذي تحول إلى شخصية مرحة. الرسوم القوية يمكن أن تجعل الحرف أو الكلمة أو الأغنية أكثر رسوخاً ومتعة في ذهن الطفل.
في سياق متصل، اقرؤوا: كتَّاب عالميون غيَّروا عالم كتاب الطفل.. كيف أثرت قصصهم في أجيال متعاقبة؟
تأثير البيئة والأهل..
لا يكفي وجود كتاب جيد، بل نحتاج لقارئ جيد؛ هنا تحديداً ما الدور الحقيقي للأهل؟
دور الأهل هو العامل الأهم تقريباً في تكوين علاقة الطفل بالقراءة؛ فالطفل لا يولد محباً للكتب أو كارهاً لها، بل يتعلم من البيئة المحيطة به. حين يرى الطفل أهله يقرؤون، أو يجد الكتاب موجوداً في البيت بشكل طبيعي، يبدأ في اعتباره جزءاً من الحياة اليومية وليس شيئاً مدرسياً فقط. وحتى لو كان الطفل صغيراً جداً، فإن مجرد أن يجلس أحد الوالدين معه ويقرأ له بصوت ممتع، ويغير نبرات صوته، ويشير إلى الصور، يجعل الكتاب مرتبطاً لديه بالدفء والاهتمام والوقت الجميل.
الأهل أيضاً لهم دور في اختيار الكتب المناسبة لعمر الطفل واهتماماته. بعض الأطفال يحبون القصص المضحكة، وبعضهم يحب الحيوانات أو الحروف أو القصص الخيالية. عندما يشعر الطفل أن الكتاب يشبهه ويشبه عالمه، يصبح أكثر استعداداً للقراءة. ومن المهم ألا تتحول القراءة إلى واجب أو اختبار؛ أحياناً يفسد الكبار متعة القراءة عندما يركزون فقط على "ماذا تعلمت؟"، "ماذا فهمت؟"، "احفظ الكلمة". الأفضل أن تكون القراءة مساحة للحوار، والخيال والضحك والأسئلة.
كما أن التكرار مهم جداً؛ الطفل قد يطلب القصة نفسها عشرات المرات، وهذا ليس مملاً بالنسبة له، بل هو جزء من التعلم والشعور بالأمان. في كل مرة يكتشف كلمة جديدة أو يربط حدثاً بشيء آخر. وبالنسبة للأطفال في المراحل المبكرة، خصوصاً في المحتوى العربي الذي يعتمد على الأغاني والحروف والحركة، فإن مشاركة الأهل تصبح أكثر أهمية. عندما يغني الأب أو الأم مع الطفل، أو يمثل القصة، أو يستخدم إشارات اليد مع الكلمات، تصبح القراءة تجربة كاملة وليست مجرد صفحات تقرأ.
بين القيم العالمية والهُوِيَّة المحلية..

"وجود المبادرات والجوائز أعطى الكاتب والرسام شعوراً بأن هناك سوقاً حقيقية ومساراً مهنياً يمكن البناء عليه"
بالنسبة للكاتب السعودي، كيف يوازن بين تقديم قيم عالمية والحفاظ على خصوصية الهُوِيَّة والموروث الشعبي للمملكة؟
الكاتب السعودي يستطيع أن يوازن بين القيم العالمية والهُوِيَّة المحلية عندما يكتب عن أشياء إنسانية يفهمها أي طفل في العالم، لكن من داخل بيئة سعودية واضحة ومميزة؛ فالطفل في أي مكان يمكن أن يفهم معنى الصداقة، أو الشجاعة، أو التعاون، أو الخوف من الظلام، أو حب العائلة؛ هذه قيم عالمية. لكن طريقة تقديمها يمكن أن تكون من خلال بيت سعودي في المدينة، أو القرية، أو الصحراء، أو البحر، أو المجلس، أو الأكلات الشعبية، أو الملابس، أو الألعاب القديمة، أو الحكايات التي كانت الجدات يروينها.
المشكلة ليست في أن تكون القصة محلية، بل في أن تكون محلية بشكل مغلق أو تقليدي جداً. عندما يكتب الكاتب عن الموروث بطريقة حية ومرحة وحديثة، يشعر الطفل أن هُوِيَّته جميلة ومهمة، وليس أنها شيء قديم فقط. مثلاً يمكن تقديم قصة عن طفل يكتشف معنى الكرم من خلال الضيافة السعودية، أو عن التعاون من خلال موسم التمر، أو عن الشجاعة من خلال رحلة في الصحراء، أو عن التنوع من خلال اختلاف مناطق المملكة ولهجاتها وعاداتها.
والأهم ألا تتحول الهُوِيَّة إلى درس مباشر أو شعارات؛ الطفل لا يحب أن يشعر أن هناك من يلقنه فكرة. الأفضل أن يرى القيم داخل الشخصيات والأحداث والمواقف. وهذا النوع من التوازن مهم جداً اليوم، لأن الأطفال يعيشون وسط محتوى عالمي ضخم؛ لذلك كلما رأوا أنفسهم ولغتهم وأماكنهم وقصصهم داخل الكتب؛ شعروا أن ثقافتهم تستحق أن تُروى أيضاً.
إلى أي مدى أسهمت الجوائز والمبادرات الوطنية في تحفيز الكتاب والرسامين السعوديين على الاحتراف؟
في السابق، كان كثير من المبدعين يعملون بشكل منفصل، مع فرص محدودة للنشر أو الظهور. أما اليوم؛ فوجود مبادرات من هيئة الأدب والنشر والترجمة، ومعارض الكتب، وبرامج النشر الرقمي، وورش العمل، والجوائز المتخصصة، أعطى الكاتب والرسام شعوراً بأن هناك سوقاً حقيقية ومساراً مهنياً يمكن البناء عليه.
مثلاً، برامج رقمنة كتب الأطفال في السعودية فتحت الباب أمام تحويل الكتب إلى محتوى تفاعلي ووصولها لجمهور أوسع، مع مشاركة عشرات دور النشر والمؤلفين في هذا المجال. كما أن معارض مثل معرض الرياض الدولي للكتاب ومعرض جدة للكتاب لم تعُد فقط أماكن لبيع الكتب، بل أصبحت منصات تُعرض فيها الأعمال الجديدة، وتُقام فيها جلسات وورش وتوقيعات كتب؛ ما يساعد الكاتب والرسام على بناء شبكة علاقات وفهم السوق بشكل أفضل.
الجوائز أيضاً رفعت سقف الجودة؛ لأن المنافسة لم تعُد فقط على النص، بل على الرسوم، والإخراج، والفئة العمرية المناسبة، وحتى على الأصالة والهُوِيَّة. كثير من الجوائز العربية في أدب الطفل تشجع التعاون بين الكاتب والرسام ودار النشر، وتدفع الجميع لتقديم أعمال أكثر احترافية. والأهم أن هذه المبادرات جعلت المبدع السعودي يشعر أن قصته المحلية ولهجته وبيئته يمكن أن تكون مادة مهمة ومطلوبة، وليس عليه دائماً أن يقلد النماذج الغربية. وهذا شيء مهم جداً لأي كاتب أو رسام يريد أن يقدم محتوًى طفولياً سعودياً أصيلاً وحديثاً في الوقت نفسه.
قصص تستحق أن تُحكى..
"أطمح أن يحمل الجيل الجديد هُوِيَّته السعودية والعربية بثقة، وأن يعرف أيضاً كيف يبتكر ويواكب العالم"
بوصفك اختصاصية تربوية سعودية، ما الأثر الذي تطمحين لتركه في عقول وقلوب جيل رؤية 2030؟
أطمح أن يكون الأثر الذي أتركه في الطفل أكبر من مجرد تعليم حرف أو كلمة. أتمنى أن يشعر الطفل أن اللغة العربية ليست شيئاً صعباً أو ثقيلاً، بل عالم ممتع مليء بالأغاني، والقصص، والشخصيات، والخيال. أطمح أن يكبر طفل رؤية 2030 وهو يشعر بالفخر بلغته وهُوِيَّته، وفي الوقت نفسه يكون منفتحاً، واثقاً بنفسه، قادراً على التعبير، وعلى التفكير والإبداع.
أتمنى أن يرى في العربية لغة يمكن أن يضحك بها، ويغني بها، ويحلم بها، وليس فقط لغة كتب ومدرسة. كما أتمنى أن أترك أثراً في علاقته بنفسه؛ أن يشعر أن الاختلاف جميل، وأن لديه قدرات خاصة، وأن التعلم ليس شيئاً مخيفاً، بل رحلة ممتعة. وإذا استطعت أن أجعل الطفل يتذكر أغنية، أو يحب حرفاً، أو يشعر بالأمان في قصة، أو يكتشف موهبة جديدة بداخله؛ فأظن أن هذا أثر كبير جداً.
بالنسبة لجيل رؤية 2030 تحديداً، أطمح أن يكون جيلاً يحمل هُوِيَّته السعودية والعربية بثقة، لكنه يعرف أيضاً كيف يبتكر ويواكب العالم. لأن الطفل الذي يعرف من هو، ويحب لغته وثقافته، يكون أكثر قدرة على بناء المستقبل.
لو أتيح لك توجيه رسالة لأطفال العالم اليوم بمناسبة اليوم العالمي للكتاب؛ فماذا عساها تكون؟
أيها الأطفال، الكتب ليست مجرد أوراق وكلمات، بل أبواب تفتح لكم عوالم لا تنتهي. في كل قصة يمكن أن تجدوا صديقاً جديداً، أو مغامرة، أو فكرة، أو حلماً يشبهكم. اقرؤوا عن الأشياء التي تحبونها، واسألوا كثيراً، وتخيلوا كثيراً، ولا تخافوا من أن تكون لكم أفكار مختلفة؛ فكل كتاب تقرؤونه يضيف شيئاً جميلاً إلى قلوبكم وعقولكم. وتذكروا دائماً أن لغتكم، وقصصكم، وأماكنكم، وأحلامكم تستحق أن تُحكى. ربما يكون أحدكم هو كاتب القصة القادمة التي سيحبها ملايين الأطفال حول العالم.
وبالحديث عن كتاب الطفل نعود لمقال نشرناه: في اليوم العالمي لكتاب الطفل 2026: ازرعوا القصص مع أندرسن ليزهر العالم

Google News