لا أحد يمكنه أن يصف شعور وإحساس الأم عندما ترى مولودها الأول، والذي طال انتظاره بكل شوق ولهفة، فهذا الشعور والإحساس لا يمكن أن يُوصف بأي كلمات، وذلك حين تضع المولود في حضنها وتضمه بكل حنان إلى صدرها، ففرحة الأم بقدوم المولود الأول بعد عناء الحمل والولادة هي فرحة لا تعادلها أي فرحة، سواء عند الأم التي تعبت حملاً وولادة، أو عند الأب الذي حقق حلماً طال انتظاره وهو الإحساس بالأبوة نحو كائن صغير وديع، ولذلك فقد تكون الأم حريصة على طفلها الأول خصوصاً، وتريد أن تضعه في صندوق مغلق وتهتم به وحدها بكل الطرق، التي تراها تعبيراً عن الحب وعاطفة الأمومة، ولكنها للأسف لا تعرف أنها ترتكب من خلال ذلك أخطاء تربوية صعبة الإصلاح والتجاوز في تعاملها مع تجربة أمومتها الأولى؛ والتي سوف تؤدي إلى نتائج غير مرغوبة أو متقبلة منها ومن المجتمع على المدى القريب أو البعيد.
فالطفل الأول عند الأم هو الخط الأحمر الذي يجب عدم الاقتراب منه بالنسبة لها، ولذلك فهي تُسرف في الاهتمام به وتوفير سبل رعايته، ولا تعرف أن التربية تعني عدم الانجرار خلف العاطفة مهما كانت، ولذلك فقد التقت "سيدتي وطفلك"، وفي حديث خاص بها، بالمرشد التربوي عثمان عبد الله؛ حيث أشار إلى 3 أخطاء تربوية تقع بها الأم مع طفلها الأول كتجربة أولى للأمومة وطرق تلافيها؛ لكي لا تستمر مدى الحياة، ومنها الحماية المفرطة وغيرها وذلك في الآتي:
أسباب وقوع الأم في أخطاء تربوية كثيرة أثناء تربية الطفل الأول

- اعلمي أن فرحة الأم الغامرة بالطفل الأول كأول تجربة حقيقية للأمومة، تؤدي إلى نسيانها أن هذا الطفل القادم إلى العالم حديثاً يجب تربيته؛ لكي يكون عضواً فعالاً في هذا المجتمع، وأنه يجب أن يكون قادراً على تحمل المسؤولية ومسئولية نفسه أولاً، وأن الطفل لن يبقى في حضن الأم الدافئ الحنون إلى الأبد، وكذلك فالطفل سوف يكبر كما ستكبر الأم وتتقدم في العمر، ولا يمكن أن تستمر في التعامل معه بأسلوب الفرحة المُبالغ فيها، وكأن الزمن سوف يتوقف بحيث تحتضنه على الدوام وتقبله وتتلمسه بيديها ولا تتركه لكي يغادر ذراعيها.
- لاحظي أنه في حال تعرض الأم إلى ولادة متعسرة وتعرض الجنين بالتالي إلى مخاطر ومضاعفات بعد هذه الولادة، تؤدي وبشكل تلقائي بل أكثر من المتوقع لأن تتمسك الأم بالطفل الأول بشكل مبالغ فيه، وهي لا تصدق نفسها أنه فعلياً قد نجا وتكون سعيدة وفرحة به، وكذلك فهي تمر بشعور الفقد لمدة قصيرة؛ أي شعور أنها كادت تفقد طفلها المنتظر أو تفقد حياتها، وبالتالي فشعور الفقد حتى لو مؤقتاً يكون مؤلماً، وبمجرد الإحساس القصير أو المؤقت به، فهي لذلك وبدافع الفطرة تتمسك بالطفل الأول على اعتقاد أنها قد لا تُعيد تجربة الحمل الثاني، وتقع وفق ذلك في أخطاء تربوية أثناء تربيته؛ لأن كل ما يهمها في ذلك الوقت هو الحفاظ على وجوده وسلامته في الحياة.
- توقعي أن تأخر حدوث الحمل لكِ ولمدة طويلة حتى يصل الطفل الأول وهو حلم الأمومة، فتصل الأم إلى مرحلة من اليأس، وبعد أن تعبت في العلاج والتنقل المقلق من طبيب إلى آخر، وكذلك فهي تكون مع زوجها قد أنفقت أموالاً طائلة للعلاج من مكان لآخر ومن طريقة لأخرى، على أمل أن يحدث الحمل، ومع مرور الوقت يصبح الطفل القادم هو محور حياتها وأملها الوحيد هو حدوث الحمل، وقد تطول فترة تأخر الحمل؛ بسبب تأثير الحالة النفسية بالطبع على فترة تأخر الحمل، وحين يحدث الحمل الحقيقي؛ لأنها قد تتعرض للحمل الكاذب فهي لا تصدق نفسها، ولذلك حين يأتي الطفل الأول؛ تلقائياً سوف تُفرِط في التعلق به، ولا تهتم بكل قواعد وأسس التربية الصحيحة، وبالتالي فهي تقع حتماً في أخطاء تربوية تضر بالطفل وتكوين شخصيته حين يكبر، وتتحول الفرحة بالطفل إلى معاناة، مقارنة بما قد يحدث مع تجربة باقي الأمهات.
ما الأخطاء التي تقعين فيها مع أول تجربة للأمومة؟
1- الإسراف في التدليل
- لا تسرفي في تدليل الطفل الأول مهما كنتِ في حالة شوق وترقب له، ولا تدلليه كأنه لا يوجد طفل في الكون غيره، فأنتِ بذلك وبكل وضوح سوف تفسدين تربيته، ولا تشعرين في البداية بفداحة ما تقومين به، ولكنك وبالتدريج سوف تلاحظين أن طفلك الأول سوف يتحول إلى طفل لديه تصرفات وأخلاق غير محببة، ويقوم بسلوكيات غير لائقة، وسوف تسببين لك الكثير من الإحراج؛ مثل أن يفتقر إلى احترامه للكبار، وقد تتساءلين: كيف أعرف أن ابني مدلل؟ ولكن الإجابة تظهر من خلال تصرفاته، وعلى سبيل المثال حين ترين أن ابنك لا يضع اعتباراً أو احتراما لأحد ولا يهمه تقدير الكبار، بل إنه حين يكبر قليلاً فسوف يسخر منهم أو يسيء التعامل معهم وربما يسبب الأذى لهم.
- توقفي عن كل مظاهر التدليل التي تستخدمها الأمهات دون قصد مع طفلك؛ لأنه لن يتوقف عن مطالبتك مقابل ذلك بالاستمرار بهذه الطرق عندما تأتين بأخوة آخرين له، وعندما يكبر أيضاً سوف يصبح أنانياً، وسوف تلاحظين مثلاً أنه يريد أن يستحوذ عليكِ، فقد يصل إلى سن المدرسة؛ وهو لا زال يصرّ على الجلوس على ركبتيك أمام الناس، ويسبب بذلك التصرف الإحراج لكِ، ويكون هذا الموقف وغيره مدعاة للسخرية منه والانتقاص من شخصيته.
2- الإسراف في الحماية

- توقفي عن خنق طفلك عن طريق تطويقه بين جناحيك أي ذراعيك ومنعه من التحليق والطيران؛ لأن طفلك سوف يكبر يوماً بعد يوم، ولن يبقى صغيراً، وهذا ما يجب أن تضعيه في اعتبارك في الدرجة الأولى، وسوف يخرج إلى الحياة وتكبر مهاراته وخبراته؛ لكي يصبح عضواً فعالاً فيها، ابتداء من خروجه من البيت إلى دار الحضانة، ثم الانتقال إلى أجواء المدرسة، وحيث سيتعرف الطفل هناك إلى مجتمع جديد، ولن يتقبل هذا المجتمع أخطاءه ولن يتغاضى عنها، ولن يقوم بتدليله أيضاً كما تفعلين أنتِ؛ لأن حضن الأم يختلف عن المعلمة والمربية، والفصل يكون به عدد كبير ومتباين الطباع والسلوك من التلاميذ، وتكون مهمة المعلمة ليست التدليل ولكن توصيل المعلومات إليهم جميعاً والعدل والمساواة فيما بينهم.
- لا تمنعي طفلك من خوض التجربة والمحاولة والاكتشاف والقيام بأعمال بسيطة، وكل ذلك بدافع خوفك عليه ولأنه طفلك الأول الذي طال انتظاره، وربما ظل هو الطفل الوحيد لديك وأنك تخافين عليه لدرجة لا توصف، فمثلاً حين تمنعين الطفل من نقل صينية بها أكواب من فوق طاولة الضيافة وحملها للمطبخ، فسوف يكسر كل الأكواب دفعة واحدة حين يكبر وسوف يسخر منه الجميع؛ لأنه لم يتعود على المسئولية والتجربة، كما أنه سوف يصبح بمعنى الكلمة طفلاً اتكالياً ومتراخياً ومهملاً؛ لا يستطيع أن يقوم بأي عمل وحده؛ لأنه لم يتعلم ذلك منذ صغره ويترك كل المهام التي يجب أن يقوم بها حتى أصغرها على الأم وعلى باقي الأخوة إنْ وجدوا.
- غيّري طريقة وأسلوب تعاملكِ مع طفلكِ الأول في حال أنك كنتِ فعلاً تبالغين في حمايته وتسمعين ملاحظات حول ذلك ممن حولك، وفي حال أنك تسرفين في عدم إتاحة الفرصة له لكي يجرب ويخطئ ويصيب؛ لأنه سوف يتحول إلى طفل جبان ومتردد ومنطوٍ وخجول، وكل هذه الصفات السلبية تعد حالات نفسية تحتاج إلى علاج طويل ومرهق، وقد لا تجدي في الإصلاح وإن قمتِ بإصلاحها فسوف يحدث ذلك متأخراً، وأنت هدفك هو الحصول على طفل بشخصية سليمة وقويمة ومتزنة ومعتدلة.
3- الإسراف في تلبية كل الرغبات
- امتنعي تماماً عن تلبية كل رغبات طفلك الأول؛ لأن الطفل الذي يحصل على استجابة فورية لكل طلباته ورغباته المادية والمعنوية يتحول إلى طفل أناني ومتكبر ومتسلط، وربما يصبح طفلاً عدوانياً فيعتدي على الأطفال الآخرين؛ لكي يحصل على أشيائهم الخاصة ومتعلقاتهم منذ صغره، ولذلك حين يصل طفلك الأول إلى مرحلة الاعتداء على الآخرين وممتلكاتهم، فسوف تتساءلين عن كيفية التعامل معه، وأنت لا تعرفين أنكِ أحد بل أهم أسباب وجود وتكوين الطفل العدواني الذي أصبح في بيتك، وتحول إلى مصدر أذى، والذي يرى أن العالم كله قد أصبح ملكاً له؛ بسبب أسلوب تربية الأم الخاطئ له من حيث تلبية كل رغباته وطلباته وكأنها أوامر غير قابلة للنقاش، لدرجة أن بعض الأمهات وعلى تماديهن في حب الأبناء يفعلن المستحيل للحصول على أي شيء يريده طفلهن الأول والمدلل، والذي يرغب به ويبكي بكاءً مراً؛ ليحصل عليه حتى لو كان ملكاً لطفل آخر، أو في حال كان هذا الشيء غالياً أو لا يخصه، فالأم بهذا التصرف تعزز لدى الطفل إحساس الأنانية المفرط، وتحوله إلى شخص أناني ومعتدٍ على حقوق الآخرين أيضاً.
- اضبطي جيداً واجعلي هناك نوعاً من الاعتدال مع طلبات ورغبات طفلك الأول؛ لأنه في البداية وعلى سبيل الدلال سوف يطلب منك كل شيء، وبعد ذلك سوف يرى أن كل ما يطلبه هو بمثابة حق مكتسب، وليس من حقك أن تمتنعي عن تلبيته أو أن تخبريه بأنك لا تستطيعين توفير هذا الشيء بسرعة له، فليس لدى الإنسان دائماً المقدرة المادية أو حتى الطاقة الجسمية لتوفير كل طلبات ورغبات أطفاله، وبالتالي سوف يتمرد طفلكِ بسبب رفضكِ أو تأخركِ، وسوف يصبح لحوحاً ومزعجاً؛ لأنه واثق أنك سوف تلبين طلبه؛ ولأنه تعوّد على أن تكوني بالنسبة إليه "مصباح علاء الدين"، السحري ولن يعرف معنى كلمة "لا" أو الاكتفاء والقناعة.
قد يهمك أيضاً: 7 خطوات مهمة يجب اتباعها لتربية طفل واثق بنفسه ومستقل ذاتياً


Google News