يقال إنه روائي خالد في عشق وتقديس المرأة، لم يتكرر وجوده مرة أخرى في صفوف أجيال المبدعين عبر التاريخ، فلا أحد نطق بعبارات الولع الحارقة، وتفجر بركانه لإنصاف النساء وتعرية محاسنهن، والتحليق بهن في سماء عالية من الإطراء والتقدير، مثل ما فعل الكاتب «ستندال»، بل إن الروائي الفرنسي الشهير لم يسبقه أحد في وصف حالة الفوز بامرأة، تماماً مثل الانتصار في معركة عسكرية ملغمة وحامية الوطيس.
شغف وهذيان
في مثل هذه الأيام وقبل 233 سنة ولد الكاتب الفرنسي ستندال، وهو صاحب رائعة «دير بارم» وكذا رواية «الأحمر والأسود» الشهيرتين، أظهر حباً كبيراً وتحيزاً لافتاً للمرأة منذ طفولته، مبدياً تواطؤاً خاصاً مع الأنثى ضد أقرانه من الذكور، وكثيراً ما كان يهيم بخياله ليحلم في اليقظة أنه فارس منقذ لامرأة مجهولة جميلة من الخطر، تماماً وكأنه ينقذ ملاكاً من براثن الهلاك فوق الأرض، وقيل إنه كتب لأحد أصدقائه في باريس مؤكداً: «ما أبحث عنه امرأة ساحرة وسوف أعبدها، مثلما أجعلها تعرف أسرار روحي» وعندما تقدمت به السن كتب في أوراق ملونة، الأحرف الأولى من أسماء النسوة اللائي أحبهن طيلة حياته، ويتقاطع كل من عرفه حول حقيقة أن المرأة ظلت شغفه الرئيسي حد الهذيان، وجوهر حياته حتى رحل.
ربطات العنق
وما يعرف عن «ستندال» أنه أتقن جيداً لعبة التخفي وراء الأسماء المستعارة، وتم ذكر أن عددها بلغ 200 وقد تصل إلى عدد ملابسه أو ربطات عنقه التي استعملها وأشهرها «ستندال»، على اعتبار أن اسمه الحقيقي «ماري هنري بيل» ومولود عام 1783 والمتوفى في سنة 1842، صنف ضمن أهم القامات الأدبية الفرنسية، ورغم رومانسيته النثرية إلا أنه لم يتخل يوماً عن نقده الاجتماعي الساخر الذي يتفنن في طرحه ويتألق كثيراً في استحضاره، حلم منذ صباه أن يصبح كاتباً مسرحياً، لكن والده المحامي رفض ذلك بسبب استصغاره واعتقاده أن ابنه قبيح الملامح، كما يراه صورة للبؤس الذي عاش فيه مع والدته، التي نعتها بالماكرة والحقودة، لكن «ستندال» عرف كيف يعوض قسوة الأب بحنان الجد، مرتكزاً على تشجيعه في احتراف الفن الموسيقي والأدب. وحمل من عائلته ميله للحياة الأرستقراطية، رغم تعاطفه مع الطبقة الكادحة لأغلبية الشعب.
صديق النساء
قالت عنه سيمون دي بوفوار مقولتها الشهيرة التي كانت بمثابة شهادة صادقة وحية على الذي وقفت عليه في تعاطف وتقديس هذا الرجل لحواء: «الصديق الرقيق للنساء» ويشهد لهذا الروائي أنه لم يكن يؤمن بالغموض النسوي، بل وكان يتذوق متعة التأمل أمام المرأة بسحر خاص، أي مثل وقع سحر المنظر الطبيعي أو اللوحة الفنية على النفس الذواقة.
ومن أشهر ما قال الكاتب عن المرأة: «من المستحيل فهم رقة النساء وحساسيتهن وحرارتهن من غير أن يصبح الرجل بدوره ذا روح رقيقة وحساسة وملتهبة، فالعواطف النسائية تخلق عالماً من ظلال الألوان ومتطلبات يكون اكتشافها مثرياً للرجل».
يذكر أن «ستندال» اليوم صار يُقرأ في العالم أكثر من كل كتّاب فرنسا.

Google News