بلس /ثقافة وفنون

مسابقة القصة الفكاهية: حاتم التائي

من القصص الفكاهية المستوفيّة لشروط مسابقة «سيدتي» للقصة الفكاهية القصيرة، نقدم لكم قصة: «حاتم التائي» لعبدالعزيز زيوان، مع العلم أن القصص لم تخضع لأي تصحيح، عدا التصحيحات اللغوية والإملائية، على أن تقوم لجنة الجائزة باختيار الأصلح بينها.
حاتم التائي
كان أمسك زملائه يدًا وأعياهم لسانًا. لم يسلم منذ استقراره في الحي الجامعي بالعاصمة، قادمًا إليها من قريته في الجنوب، من خبث الطلاب الذين أطلقوا عليه سخرية لقب «حاتم التائي».
التحق مجالسوه بالمقصف، كدأبهم كل مساء، وألفوه ينتظرهم، وقد وضع براد شاي صغيرًا أمامه. كان يثور في وجه كل من يجرؤ على وصمه بالبخيل معتبرًا الحرص على المال فرض عين على كل طالب وطالبة في ظل حكومة رفعت شعار التقشف وخفضت المنح الجامعية من أجل رفع أجور الوزراء!
لم يكن عشقه الأبدي للشاي نابعًا من كونه الأنسب في المشاربة والمجالسة، ولكن أيضًا لكونه المشروب الأرخص ثمنًا بين كل الطلبيات التي يوفرها القائمون على المقصف. كان كلما سكب الشاي بالنعنع لأحدهم في كأس زجاجية صغيرة كان قد علم منتصفها بخط أحمر غليظ حتى لا يتجاوزه عند الصب مراعاة لمبدأ العدل، طالبه في الحال بدفع درهم ونصف الدرهم. كان رفاقه يسايرونه في حماقاته المضحكة التي كانت تنفس عنهم كرب الجامعة ورتابة المحاضرات.
حل شهر تموز بلهيبه الخانق، وبقي حاتم وفيًّا لشايه، متشبثًا بطقس المنصافة القسري. وصل الأبالسة، قبيل الغروب، لاهثين مثل كلاب صيد، وأفصحوا عن نيتهم في خرق «معاهدة الشاي»، ورغبتهم الجامحة في بل ريقهم بشيء بارد، اعترض حاتم بشدة على ما أسماه «الانقلاب الصيفي» وأخذ يعدد فوائد شراب أباطرة الصين قبل أن يضيف:
- أ تتتتتتدرون أيها الانقلابيون، أكد المعهد البريطاني لعلم النباتتتتتات أن نبتتتتتتتتتتتة الشاي مقاومة مثثثثثالية للعطش.
تغامزوا كعادتهم وهم يعجبون من قدرته على تبرير أدنى تصرفاته الشاذة، مازحه أحدهم قائلاً:
- أتدري، يا صاحبي؟! أنت أيضًا مقاوم مثالي للإننننفاق.
انفجر الرفاق ضحكًا، وتابع آخر:
- لو كان أبوك يعلم الغيب حين ولادتك، لسماك «مادرا».
استلقى الطلاب من الضحك، وانبرى حاتم يهوي على الملاعين بكراسة كبيرة كانت تجثم على الطاولة، وهم يتترسون من ضرباته الموجعة بمحافظهم الجلدية. انفلت منه شريكه في الغرفة وصرخ مستهزئًا:
- لو عاصرت الجاحظ لأفرد لنوادرك مجلدًا من جزءين.
تعالت القهقهات حتى أزعجت الجيران الذين شرعوا يسترقون النظرات قبل أن ترتسم على وجوههم ابتسامات بلهاء متظاهرين بفهم ما يجري. استمر المسكين في صد تخابثهم بتأتآته التي لم تزد الموقف إلا هزلاً، ولم تزده إلا إحراجًا. وما إن أدرك زعيم اللئام تضايق حاتم حتى أوغل:
- والله لو كتب لك أن تصبح وزير الاقتصاد والمالية لصرنا نقرض الأميركيين.
غضب حاتم، وهم بالانصراف، لكن الأوغاد أقبلوا يقبلون رأسه، وما إن توسطهم من جديد حتى رشقوه بما لا يرضى:
- لقد سئمنا تأتآتك، هلا فأفأت قليلاً.
انتفض «التائي»، وتخطى المجلس، ثم اندفع خارج المقصف من شدة الحنق تتبعه التوسلات اليائسة.

X