mena-gmtdmp

تأثير الضغوط الاجتماعية على قرارات الشباب والبنات برأي مختصة

تأثير الضغوط الاجتماعية على الشباب- مصدر الصورة freepik
تأثير الضغوط الاجتماعية على الشباب- مصدر الصورة freepik

في ظل التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، باتت الضغوط الاجتماعية من أبرز العوامل المؤثرة في حياة الشباب والبنات، حيث لم تعد تقتصر على نطاق الأسرة أو المجتمع المحيط، بل امتدّت لتشمل الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي التي تفرض معايير وتوقعات قد تكون بعيدة عن الواقع. هذه الضغوط تنعكس بشكل مباشر على طريقة تفكير الشباب، وتؤثر في قراراتهم اليومية والمصيرية على حدّ سواء، بدءاً من اختياراتهم الدراسية والمهنية، وصولاً إلى مواقفهم من الزواج، ونمط حياتهم، وصورتهم عن ذواتهم.
فريال عبدالله حلاوي دكتورة محاضرة ومستشارة في تقدير الذات، تشرح لـ"سيدتي" حول تأثير الضغوط الاجتماعية على قرارات الشباب والبنات.

الضغوط الاجتماعية وأثرها على هوية الشباب

الضغوط على الشباب
 نتيجة الضغوط الاجتماعية تتولد حالة من التوتر والضغط النفسي المستمر-مصدر freepik

فريال عبدالله حلاوي دكتورة محاضرة ومستشارة في تقدير الذات، تشرح لـ"سيدتي" حول تأثير الضغوط الاجتماعية على قرارات الشباب والبنات.
تشكّل الضغوطات الاجتماعية اليوم عبئاً متزايداً على الشباب والشابات، إذ تؤثر بشكل مباشر في خياراتهم المصيرية وأنماط حياتهم المختلفة، بدءاً من تفاصيل المظهر الخارجي، وصولاً إلى القرارات الكبرى كاختيار التخصص الجامعي، أو الشريك، أو حتى أسلوب الاندماج في المجتمع. وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز الوعي الذاتي وبناء جيل قادر على التمييز بين الواقع والوهم، واتخاذ قرارات نابعة من قناعاته الشخصية لا من توقعات المجتمع وضغوطه.
يمكنك متابعة الفرق بين ما يريده الشباب فعلاً وما يظن أنه يريده!
تُعد وسائل التواصل الاجتماعي من أبرز مصادر هذه الضغوط، حيث تعرض صوراً مثالية لحياة الآخرين، توحي بالنجاح الدائم، والرفاهية المطلقة، والجمال الكامل. غير أن هذه الصور غالباً ما تكون بعيدة عن الواقع، ومبنية على الانتقاء والتجميل. هذا الأمر يدفع الكثير من الشباب إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين، ما يخلق لديهم شعوراً بالنقص وعدم الرضا، ويؤثر سلباً على ثقتهم بأنفسهم وصورتهم الذاتية.
ويظهر تأثير هذه الضغوط بشكل واضح في مسألة المظهر الخارجي ونمط الحياة، إذ يسعى عدد كبير من الشباب إلى تقليد ما يشاهدونه من أزياء وماركات وسلوكيات استهلاكية، حتى وإن كان ذلك يفوق قدراتهم المادية. ومع عدم القدرة على مجاراة هذه الصورة "المثالية"، تتولد حالة من التوتر والضغط النفسي المستمر، نتيجة الشعور بالعجز أو الخوف من نظرة الآخرين.
كما تمتد الضغوطات الاجتماعية إلى سلوكيات الشراء والاستهلاك، حيث يصبح الإنفاق وسيلة لإثبات الذات أو الانتماء الاجتماعي، ولو كان ذلك على حساب الاحتياجات الأساسية أو الاستقرار المالي. ولا يقتصر الأمر على الجانب المادي فقط، بل ينعكس أيضاً على العلاقات الاجتماعية، إذ قد ينسحب بعض الشباب من المناسبات أو النشاطات الاجتماعية لشعورهم بعدم القدرة على تحمّل متطلباتها، ما يؤدي إلى العزلة والابتعاد عن المجتمع.

تأثير الضغوط الاجتماعية على القرارات المصيرية

الضغوط الاجتماعية
                                    قد تقود الضغوطات المتراكمة إلى قرارات سلبية وسلوكيات هدامة

أما على مستوى القرارات المصيرية، فتبرز الضغوط الاجتماعية بحسب حلاوي بوضوح في المجال التعليمي والمهني." فقد أصبح اختيار التخصص الجامعي أو المسار المهني قراراً معقداً، تحكمه في كثير من الأحيان توقعات الأسرة والمجتمع، أو السعي وراء المردود المادي المرتفع، بدلاً من مراعاة الميول الشخصية والقدرات الفردية". ونتيجة لذلك، ترى حلاوي "أن العديد من الشباب يعيش حالة من الضياع والتشتت، وقد يجدون أنفسهم في مسارات لا تعبّر عن طموحاتهم الحقيقية ولا تسهم في تحقيق ذواتهم".
وتضيف حلاوي: كذلك يُعد موضوع الزواج والارتباط من أكثر المجالات تأثراً بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية. فقد أصبح هذا القرار مؤجَّلاً لدى كثير من الشباب والشابات، نتيجة الخوف من الالتزام طويل الأمد، والقلق من الأعباء المادية، وعدم وضوح المستقبل. وتشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن الزواج في سن الثلاثين بات أمراً شائعاً وطبيعياً، في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة. إلا أن هذه الظاهرة قد ترافقها تساؤلات وجودية وضغوط نفسية، خاصة فيما يتعلق بتقدير الذات والشعور بالاستقرار.
وفي حال غياب الوعي والدعم النفسي والاجتماعي، قد تقود الضغوطات المتراكمة إلى قرارات سلبية وسلوكيات هدامة، مثل الانخراط في ممارسات خطرة، كوسيلة للهروب من الواقع أو محاولة للتماهي مع صورة يفرضها المجتمع. كما تؤثر هذه الضغوط على هوية الشباب وصورة أجسادهم، التي تبقى في حالة مقارنة دائمة مع المعايير غير الواقعية التي يروجها الإعلام.
من هنا، تشير حلاوي " تبرز أهمية الوعي الذاتي بوصفه الخطوة الأولى نحو التوازن النفسي واتخاذ القرارات السليمة. فإدراك الشباب والشابات أنهم يتعرضون لضغوط اجتماعية هو أمر طبيعي في هذا العصر المتسارع، لكنه ضروري لتجنّب الانسياق الأعمى خلفها. إن الركض المستمر وراء الكمال أو إرضاء الآخرين لا يؤدي إلى الرضا الحقيقي، بل يزيد من الشعور بالتعب والفراغ".
لذلك، تشدد حلاوي على "ضرورة تنمية مهارات التعامل الصحي مع الضغوط، والتمييز بين القرارات التي تُتخذ تحت تأثير التوتر والانفعال، وتلك التي تنبع من وعي ونضج وفهم عميق للذات والواقع. فحين ينسجم القرار مع القيم الشخصية والمعايير الإنسانية للفرد، يصبح أكثر ثباتاً وقدرة على الصمود أمام تحديات الحياة".
ما رأيك متابعة طرق التعامل مع ضغوط المجتمع والتوقعات العالية
وتختتم حلاوي بالقول: "إن الوعي بالذات، والثقة بالقناعات الشخصية، يشكّلان الأساس لأي قرار ناجح وسليم. فعندما يتحرر الشباب من سطوة الضغط الاجتماعي، ويمنحون أنفسهم حق الاختيار الواعي، يكونون أقرب إلى بناء حياة متوازنة تعكس حقيقتهم، لا صورة مفروضة عليهم من الخارج".