نعيش في وقت الكلام فيه سيد المواقف، وذلك بسبب السوشيال ميديا وكيف تسيطر على حياتنا. يمكن القول إن الأصوات تتسابق والصمت يتلاشى وسط الصخب.
ولأن السوشيال ميديا هي المصدر الأكثر تأثيراً على الشباب، فإن الصمت بات بينهم سلوكاً منبوذاً، حتى أنه يصنف كضعف أو خجل، لكن ما كشفه المختصون هو أن الصمت قد يكون في بعض المواقف قوة، كما أنه نوع من القيادة والثقة بالنفس.
إعداد: إيمان محمد
هل الصمت ضعف؟
يسوق للصمت أنه ضعف، لكن وفقاً لصحيفة The Guardian البريطانية، فإن الصمت سلوك يعكس القوة الداخلية للشباب، وتوضح أننا نعيش ما يسمى بـ"ديكتاتورية الضجيج". وتشير الصحيفة كذلك إلى أن الشاب الذي يختار الصمت في اجتماع عمل أو حتى في نقاش عائلي حاد، لا يفعل ذلك لأنه ليس لديه قدرة على الرد، ولكنه يفضل عدم الانجرار إلى فوضى الانفعالات.
ويصنف الخبراء هنا الصمت بـ"هيبة". تشرح الصحيفة أن وقت الضجيج والصياح الشخص الذي يختار الصمت يمنح نفسه "مساحة سيادية". فعندما يتوقف الشباب عن الكلام للحظات قبل الرد، فإن ما يحدث هو أن الشخص يرسل إشارة غير لفظية بأنه المتحكم في إيقاع الحوار، وليس مجرد صدى لأقوال الآخرين. هذا النوع من الصمت هو الذي يمنح الكلمات اللاحقة قيمة، فالكلام القليل المدروس يترك أثراً لا يُمحى، بعكس الثرثرة التي تستهلك طاقة الحضور وتفقد المتحدثة بريقها.

الصمت يولد أفكاراً إبداعية
من ناحية أخرى، ارتبط الصمت بالابتكار، فيقول الكاتب بيكو آير في مقال عن فوائد الصمت نشر في منصة TED Ideas إن الصمت هو المصنع الذي تتشكل فيه شخصيتنا الحقيقية، ففي أوقات السكون تتولد الأفكار الإبداعية والمستقلة عن الجميع. بالنسبة للشباب تحديداً فهم يواجهون تحديات الموازنة بين العمل والحياة الاجتماعية الصاخبة، يمثل الصمت محطة شحن ضرورية.
هل الصمت فراغ؟
يروج البعض أن الشخص الذي يصمت لا يجد ما يقول، يشعر بالفراغ الفكري، لكن ما يؤكده الخبراء هو أن الصمت ليس فراغاً، بل هو امتلاء بالذات. ويوضحون ما يحدث في أوقات الصمت قائلين إنه في أوقات الصمت يقوم العقل بمعالجة المعلومات بعمق، ومن هنا يمتلئ الشخص بالأفكار المدروسة، والقرارات المصيرية، والحلول للمشكلات المعقدة التي لا تأتي وسط الصراخ، بل تحتاج إلى وقت من الصمت لفهم المشهد جيداً. ولذلك، يؤكد الخبراء أن الصمت هو أداة الابتكار التي تجعل الشباب يتفوق في مجالاتهم، لأنه يسمح لهم برؤية ما لا يراه الآخرون المنشغلون بالكلام.
الصمت علامة على الذكاء
يبدو أن للصمت مزايا عديدة، ومن بينها أنه يشير إلى ذكاء الشخص، فعندما تصمت وتترك المساحة لمن أمامك للحديث، فإنه يتكشف أمامك تدريجياً، يمكنك خلال لحظات الصمت أن تقرأ لغة الجسد ونبرة الصوت، بالتالي لا يأتي الرد متسرعاً، بينما مدروساً وحكيماً، على عكس حلقات الصراع التي يتحدث فيها الجميع ولا يسمع أحداً.
إن الصمت في مواجهة الإساءة، مثلاً، ليس ضعفاً، بل هو ترفع يربك الطرف الآخر. فالرد بالصمت يضع المسيء في مواجهة مباشرة مع قبح فعله دون أن تمنحه الوقود لاستكمال الجدال. وهنا يوصف الشخص بالرصانة والهدوء وليس بالضعف كما يروج البعض لفرض حالة اجتماعية صاخبة.
كيف تحول صمتك إلى مصدر قوة؟
بعدما تكشف من خلال حديث الخبراء أهمية الصمت ودلالاته، فإن هذا السلوك يمكن اكتسابه من خلال مجموعة من النصائح، مثل:

صمت المفاوضات
ينصح الخبراء بالتحلي بالصمت بعد طرح طلباتك خلال أي نقاش مادي أو مهني، ومن الأفضل عدم الجدال، بينما امنح الطرف الثاني فرصة الحديث كما يشاء، فغالباً ما سيقدم تنازلات بسبب "ضغط السكون".
صمت الاستماع
الصمت خلال استماع الطرف الآخر هو ليس قوة فحسب، بينما هو من آداب الحديث، لذا، كن الشخص الذي يسمع أكثر مما يتكلم، هذا يمنحك جاذبية غامضة ويجعلك بئراً لأسرار الأصدقاء، كما يعطي انطباعاً بالحكمة.
صمت التأمل
الصمت لا يقتصر على أوقات التواصل مع الآخرين، ولكن حتى في الأوقات التي تقضيها مع نفسك، فأنت بحاجة لأن تصمت. خصص 10 دقائق يومية من الصمت التام، بعيداً عن الهاتف. هذا السكون يساعد الشباب على ترتيب الأفكار ويحد من التوتر والضغوط.
اقرئي أيضاً ما الذي يمنع الشباب من التقدم؟ اختصاصية تشرح كيفية الخروج من هذه الدائرة
