أحد التحديات التي تواجه الشباب هو عدم القدرة على الانضباط، ربما يعتبرون هذا المسار تقييداً لحريتهم، أو أن الانضباط عكس الحرية، ولكن هذا التصور غير حقيقي، فالانضباط قوة داخلية تساعد الشباب على تحقيق الأهداف.
وللحديث عن الانضباط النفسي، التقت "سيدتي" مع كوتش مها بنورة، مدربة ومستشارة أسرية وتربوية وخبيرة في تنمية الوعي والرفاهية النفسية؛ لتعرفنا معنى الانضباط النفسي وكيفية اكتساب السلوكيات المعززة لهذا الفكر.
ما هو الانضباط النفسي؟
تقول المدربة مها إن الانضباط النفسي هو قوة داخلية صامتة تُعيد تشكيل حياتك من الداخل قبل أن تظهر آثارها في الخارج. ولكن هذا لا يعني أن تنطلق من جدول مهام يبدو أنيقاً، بل هذا السلوك يحتاج أولاً إلى لحظة وعي يقول الشاب لنفسه رسالة مفادها: "أنا مسؤول عن نفسي"، دون أن ينخرط في جَلْد الذات أو تبرير للظروف التي تعطل المضي قدماً نحو الانضباط.
أسرار الانضباط النفسي
تشير كوتش مها إلى أن الشباب تحديداً بحاجة إلى الالتفات لأهمية الانضباط النفسي، وهذا المسار يمكن تحقيقه من خلال الوعي بالأسرار التالية:

الانضباط ليس قسوة على النفس
بعض الشباب يعتقدون بأن الانضباط نوع من القسوة، وهم في مرحلة عمرية تميل إلى الحرية واللامسؤولية، لكن تقول الخبيرة: "الحقيقة أن الانضباط قدرة واعية على توجيه الطاقة اليومية نحو ما يخدم أهدافك وقيمك". وتشدد أنه حين يصبح سلوكك مجرد انعكاس للمزاج، فهذا قد يكون مساراً لتبديد الطاقة، واتخاذ قرارات غير مدروسة. وتقول "أما حين تُمسك بزمام التوجيه الداخلي، فتتحول رغباتك من حالة متقلبة إلى إشارات تفهمها وتضعها في مكانها الصحيح". وتختصر كوتش مها الأمر في قاعدة عملية، وهي "بدل أن تسأل نفسك هل لديّ دافع؟ اسأل: ما الخطوة الصغيرة التي تُبقي الاتجاه صحيحاً حتى لو اختفى الدافع؟.
الانضباط مهارة يمكن بناؤها
في حديث الخبيرة يظهر هذا المعنى بوضوح، وهو أن الانضباط لا نولد به ولا مجرد قوة إرادة لحظية، بل مهارة داخلية تتقوى بالممارسة وتُبنى مع الأيام. وهذه ليست عبارة ملهمة فحسب، فالأبحاث في علم تكوين العادات تشير إلى أن تكرار سلوك محدد في السياق نفسه يومياً، يمكن أن يجعل السلوك أكثر تلقائية مع الوقت والاستمرارية، وأن متوسط الوصول لمرحلة التلقائية قد يكون قرابة 66 يوماً، مع اختلافات واسعة بين الأشخاص ونوعية السلوك. وتنصح كوتش مها قائلة: لا تبنِ نظامك على بطولة يوم واحد، ابنِه على تكرار صغير متماسك.

واجِه نفسك دون جَلد للذات
تؤكد مها أن الانضباط الداخلي يبدأ من مواجهة صادقة مع الذات، لا بهدف جَلدها، بل لتحويل نقاط الضعف إلى بوابة للانطلاق نحو الطريق الصحيح والمناسب. وتقول خلال حديثها "كثيرون ينهارون لأنهم يتعاملون مع التعثر كأنه حكم لا رجعة فيه على شخصياتهم، بينما الانضباط الحقيقي يُعيد تعريف هذا التعثر باعتباره مجرد موقف يمكن تغييره". وتشير إلى أن الشاب أو الفتاة يجب أن يواجهوا أنفسهم بأسئلة مثل: لماذا حدث؟ متى يحدث غالباً؟ ما الشيء الذي سبق السقوط؟ ومن هنا يبدأ التحسين من خلال تغيير في البيئة أو التوقيت أو الخطوة، بدل أن أتهم نفسي فقط.
لغة الحوار الداخلي
من أكثر النقاط التي أكدت عليها الخبيرة أن الكلمات التي تهمس بها لنفسك يومياً تصنع صورتك عن ذاتك. فالشخص الذي يكرر اتهام "أنا لا ألتزم" يُدرب عقله على سلوك الهروب، لا على سلوك المحاولة والتقدم، الانضباط هنا ليس كلاماً إيجابياً لغوياً فحسب، بل إعادة برمجة للتوقعات، وهنا تقول إن الخطاب النفسي يجب أن يكون في اتجاه "أنا شخص يتعلم الالتزام عبر خطوات صغيرة".
الأهداف لا تكفي
تقول كوتش مها إن الأهداف وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون نابعة من قيم الإنسان. عندما يخرج الهدف من عمق المعنى مثل العائلة، الصحة، الأثر، الاستقلال، الدور المجتمعي، يتحول الالتزام من عبء ثقيل إلى رغبة حقيقية قادرة على الاستمرار حتى حين يهبط الدافع. وتشدد من جانبها "إذا اختفى الحماس أسبوعاً هل يبقى الهدف منطقياً لأن وراءه قيمة؟ إن كانت الإجابة نعم، فأنت على الطريق الصحيح".
عادات مناسبة وشخصية
تقول كوتش مها للشباب "صمّم العادة على مقاسك"، وتوضح "اختر سلوكاً بسيطاً يمكن تكراره، وثبته على إشارة يومية واحدة، مثل: بعد الإفطار، بعد الصلاة، قبل النوم، وراقب التكرار دون تضخيم. كما أن التخلف عن هذه العادة مرة لا يهدم البناء عادة، المهم العودة سريعاً للسياق ذاته.
واختتمت المدربة مها بنورة حديثها قائلة "الانضباط النفسي لا يجعلك مثالياً، بل واعٍ. والوعي هو أعظم أشكال القوة: أن ترى نفسك بصدق، وتوجّهها برحمة، وتبني نظاماً يساندك بدل أن يطالبك بمعجزات يومياً.
اقرئي أيضاً هل تبدأ العمل أثناء الجامعة أم تنتظر التخرج؟
