من الطبيعي وفي كل بيت تقريباً، تقف الأم في قلب المشهد؛ تنظّم، ترتّب، تطبخ، تتابع الواجبات المدرسية، وتحلّ المشكلات قبل أن تظهر، تفعل كل ذلك بدافع الحب، وبغريزة الحماية، وبخوفٍ فطري من أن يتألم طفلها أو يفشل، فتبدو وكأنها تمسك بزمام الأمور بين أصابعها!
وهنا يطرح الدكتور محمد هاني أستاذ الصحة النفسية سؤالاً حساساً: هل يمكن أن يتحوّل هذا الحب الزائد- المفرط - إلى عائق خفي أمام نمو الطفل؟ وهل هيمنة الأم داخل المنزل تمنع محاولات الطفل الاعتماد على نفسه؟ ما يفتح باباً مهماً لإعادة التفكير في شكل الرعاية التي يقدّمها الآباء لأطفالهم، وتعريف الفرق الدقيق بين الحماية الصحية والحماية المفرطة.
أرقام ودلالات تهمك

وفقاً لليونيسف هناك أكثر من 40% من الأطفال عالمياً لا يحصلون على فرص كافية لتنمية واكتساب المهارات الحياتية الأساسية في السنوات الأولى، ما يؤثر على استقلاليتهم لاحقاً.
إن تنمية الاستقلالية لدى الأطفال تساهم في تقليل الاضطرابات النفسية بنسبة ملحوظة في مرحلة المراهقة؛ والاستثمار في الطفولة المبكرة يحقق عائداً اجتماعياً واقتصادياً جيداً.
والآن إليك تفاصيل القضية المطروحة من خلال خمسة محاور، وطرق لحلها:
الصراع بين هيمنة الأم وتعليم الطفل الاعتماد على نفسه

- في كثير من البيوت- وخاصة ربة البيت التي لا تعمل- تقوم الأم بكل شيء تقريباً نيابة عن الطفل: تختار ملابسه، ترتّب غرفته، تحضّر الحقيبة المدرسية له، بل أحياناً تحلّ مشكلاته مع أصدقائه أو مدرّسيه.
- في الظاهر يبدو هذا سلوكاً مثالياً نابعاً من الحب والتفاني والحرص، لكنه يحمل في داخله رسالة غير مقصودة للابن أو الابنة: "أنت لا تستطيع وحدك".
- عندما يعتاد الطفل أن الأمان مرتبط بوجود الأم فقط، يبدأ في ربط قدرته على العيش والنجاح بوجودها الدائم، لا بقدراته الذاتية، ومع الوقت، قد يشعر أن المبادرة أو اتخاذ القرار ليس من دوره، بل من دور الأم التي تعرف دائماً الأفضل؟.
- السيطرة المفرطة على تفاصيل حياة الطفل - حتى الصغيرة منها - تحرمه من تجربة الخطأ، بينما الخطأ هو أحد أهم أدوات التعلّم؛ الطفل الذي لا يُسمح له بأن يخطئ، لا يتعلّم كيف يصحّح، ولا كيف يتحمّل نتائج اختياراته.
- المفارقة أن الأم تريد حماية طفلها من الألم، لكنها قد تحميه أيضاً من النضج، وغالباً ما تكون نوايا الأم نقيّة ومليئة بالحب.
- لكن الإفراط في الرعاية قد يتحوّل من دون قصد إلى تقييد لنمو مهارات الطفل الحياتية، مثل الاستقلال، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرار.
سلبيات اعتماد الطفل على الوالدين بشكل زائد

الاعتماد الزائد لا يظهر فجأة، بل ينمو ويتشكّل تدريجياً مع السنوات، وتظهر آثاره النفسية والسلوكية بوضوح مع تقدّم الطفل في العمر، ويتمثل في:
ضعف الثقة بالنفس
الطفل الذي لا يُنجز مهامه بنفسه، يشعر في داخله بأنه أقل كفاءة من أقرانه، يرى الآخرين ينجحون وحدهم وبمجهودهم، بينما هو ينتظر المساعدة دائماً، هذا الشعور قد يتحوّل إلى اعتقاد راسخ: "أنا لا أستطيع".
الاعتمادية المفرطة
عندما يعتاد الطفل أن هناك من يقوم بكل شيء نيابة عنه، يتوقّع أن يستمر هذا النمط في المدرسة، ثم في الجامعة، ثم في العمل؛ والنتيجة الفعلية أنه يفقد حس المبادرة، ويصبح الانتظار أسلوب حياة.
بطء النضج الاجتماعي
الطفل الذي لم يُمنح فرصة التعامل مع المواقف اليومية البسيطة؛ كحل خلاف صغير، أو اتخاذ قرار بسيط، يجد صعوبة في التواصل مع الآخرين، وفي فهم الحدود الاجتماعية، وفي تحمّل مسؤولية أفعاله.
الخوف من التجربة
لأنه اعتاد على أن الخطأ لم يكن مسموحاً في طفولته، يصبح الخطأ في نظره أمراً مخيفاً، فأصبح يتجنّب التجربة، ويتردّد كثيراً، ويفضّل السلامة على المحاولة.
مشاكل سلوكية لاحقة
يجد نفسه يشعر بحساسية مفرطة تجاه النقد، أو التعلّق القلِق بالوالدين، أو التردّد الشديد في اتخاذ القرارات، وكلها سمات قد ترافق الإنسان حتى الرشد إن لم يتم التعامل معها مبكراً.
إيجابيات تعليم الطفل الاعتماد على النفس

في المقابل، فإن منح الطفل مساحة آمنة للاستقلال لا يعني إهماله، بل دعمه بطريقة مختلفة:
- تنمية شخصية قوية، عندما ينجح الطفل في إنجاز مهمة بمفرده - مهما كانت بسيطة - يشعر بقيمة نفسه، هذا الشعور يتراكم، ويصنع شخصية واثقة، قادرة على مواجهة الحياة.
- تعزيز القدرات المعرفية، الاعتماد على النفس يعلّم الطفل ترتيب الأولويات، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات، وهي مهارات عقلية أساسية لا تُكتسب بالحفظ أو التلقين، بل بالممارسة.
- الاستقلال العاطفي، الطفل المستقل عاطفياً لا ينهار أمام كل موقف صعب، بل يتعلّم تهدئة نفسه، وفهم مشاعره، وطلب المساعدة عند الحاجة، لا الاعتماد الكامل عليها.
- تنمية الحس بالمسؤولية، حين يدرك الطفل أن له دوراً داخل المنزل أو المدرسة، يبدأ في احترام ذاته واحترام الآخرين، المسؤولية هنا لا تعني الضغط، بل الإحساس بالمشاركة.
- القدرة على التكيّف مع التحديات، الأطفال الذين تعلّموا الاعتماد على أنفسهم، يكونون أكثر مرونة في مواجهة التغيّرات، وأقل خوفاً من المجهول.
تأثير الاعتماد على النفس مستقبلاً

من الناحية النفسية:
تشير تقارير اليونيسف إلى أن تنمية المهارات الحياتية في الطفولة المبكرة ترتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب في المراحل اللاحقة من الحياة. الطفل المستقل يتمتع بثبات انفعالي أكبر، وقدرة أفضل على إدارة التوتر، وهو ما ينعكس إيجابياً على صحته النفسية.
من الناحية الدراسية:
الأطفال الذين يعتمدون على أنفسهم يظهرون قدرة أعلى على تنظيم الوقت، وإدارة المهام الدراسية، والدافعية الذاتية للتعلّم. ووفق تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فإن المهارات غير المعرفية مثل الاستقلال وتحمل المسؤولية تلعب دوراً أساسياً في النجاح الأكاديمي.
كيف تُربين أطفالاً مستقلين؟ الخطوة الأولى تبدأ من البيت هل تودين معرفة التفاصيل؟
من الناحية الاجتماعية:
الاعتماد على النفس ينعكس على جودة العلاقات الاجتماعية. الطفل يصبح قادراً على بناء علاقات ناضجة، قائمة على الاحترام المتبادل، وليس على التعلّق المفرط. كما تزداد قدرته على الاندماج في المجتمع وسوق العمل بثقة وكفاءة في المستقبل.
همسة في أذن الأم:
أنت لستُ مطالبة بأن تتراجعي عن حبك لأطفالك، ولا أن تتخلّي عن دورك، بل أن تعيدي تعريفه؛ فالأم القوية ليست التي تفعل كل شيء بدل طفلها، بل التي تثق بقدرة طفلها على أن يفعل، وتبقى قريبة لتدعمه لا لتقيّده.
وعليك ان تدركي؛ أن الاعتماد على النفس لا يُولد فجأة، بل يُزرع يوماً بعد يوم؛ بقرارات صغيرة، ومساحات آمنة، وثقة صادقة. وربما يكون أعظم ما تقدّمينه لطفلك، ليس الحماية الدائمة، بل القدرة على الوقوف وحده، وهو يعلم أنك موجودة إن احتاجك.






