mena-gmtdmp

اكتشاف مركب بكتيري يحمي الجسم من مرض السكري

اكتشاف طبي قد يحد من إصابات السكري - المصدر freepik
اكتشاف طبي قد يحد من إصابات السكري - المصدر freepik

يعد مرض السكري من النوع الثاني أحد الأمراض المزمنة التي تؤثر على حياة الملايين دون توفر حل جذري، من ثم لا يكف العلماء عن البحث عن طرق لمنع الإصابة من البداية. في هذا الصدد، يبدو أن ثمة بريق أمل قد يحمي البشر من الإصابة بالسكري من النوع الثاني، بعد أن توصل الباحثون إلى جزيء تنتجه ميكروبات الأمعاء قد يساهم في تهدئة الالتهاب المرتبط بسكر الدم. ويعد ما توصل إليه العلم فرصة جديدة لفهم مقاومة الإنسولين، وهي المرحلة التي تسبق غالباً الإصابة بالسكري من النوع الثاني.

إعداد: إيمان محمد

ما هو الميكروب الذي قد يحمي من السكري؟

الجزيء الذي تدور حوله الدراسة التي نشرت نتائجها في مجلة Nature Metabolism يعرف باسم Trimethylamine (TMA)، وهو ناتج تصنّعه بعض بكتيريا الأمعاء عند تفاعلها مع عناصر غذائية معينة. الجديد هنا ليس وجود TMA نفسه، بل إن الباحثين يقدمونه بوصفه طريقة لفهم كيف يمكن للميكروبيوم أن يؤثر مباشرة في مسارات الالتهاب والتمثيل الغذائي، بدل الاكتفاء بالحديث العام عن أهمية بكتيريا الأمعاء للصحة.

كيف يقي المركّب البكتيري من السكري؟

اختبار السكري - المصدر freepik

 

السكري من النوع الثاني غالباً ما يصيب الإنسان نتيجة عدة عوامل، أغلبها تتعلق بنمط الحياة، مثل الوزن الزائد، أو طريقة الغذاء الغنية بالدهون، وكذلك قلة الحركة. كل هذه العوامل مسببة للالتهاب المزمن، الذي لا يظهر مرة واحدة، بينما يتسرب للجسم تدريجياً، ثم يسبب حساسية الخلايا للإنسولين، فتبدأ مقاومة الإنسولين ثم ترتفع قراءات السكر مع الوقت. وفي هذا الصدد تركز الدراسة على أن كسر حلقة الالتهاب والذي قد يكون طريقاً مهماً لتحسين التحكم في السكر.

علاقة المركّب البكتيري بالبروتين المسبب للالتهابات

تلفت الدراسة الانتباه إلى بروتين مناعي اسمه IRAK4 (Interleukin-1 receptor-associated kinase 4). هذا البروتين جزء من أدوات المناعة لحماية الجسم عندما يستشعر إشارات تهديد. المشكلة، وفق نتائج الباحثين، أن نشاط هذا البروتين قد يصبح مفرطاً بسبب التغذية السيئة أو السمنة، مما يسبب الالتهاب ويزيد مقاومة الإنسولين.

كيف يعمل المركّب البكتيري؟

أكدت الدراسة أن هذا المركّب البكتيري يعمل كمثبط لـIRAK4. بمعنى الجزيء الصغير القادم من نشاط البكتيريا يمكنه أن يهدئ هذا البروتين الذي يضخ إشارات التهابية، فتقل الالتهابات المسببة لحساسية الإنسولين، وتقول الورقة البحثية إن المركّب البكتيري استطاع أن يفصل بين السمنة الناتجة عن الغذاء وبين الالتهاب ومقاومة الإنسولين أثناء الدراسة، أي أنه خفف آثار الالتهاب الناتج عن السمنة والنظام الغذائي الغني بالدهون.

الأدلة العلمية على فاعلية المركّب البكتيري في الوقاية من السكري

وفق ما ورد في الدراسة، اختبر الباحثون التأثير على مستويات مختلفة:

  • مستوى الخلايا: أظهروا أن TMA يُضعف إشارات مسار TLR4 في خلايا بشرية أولية مثل خلايا كبدية وخلايا مناعية وحيدة النواة من الدم.
  • مستوى الحيوان: ربطوا ذلك بتحسّن مؤشرات مرتبطة بالالتهاب والتحكم السكري في نماذج فئران تخضع لحمية عالية الدهون.

ما أهمية هذا الاكتشاف؟

لأن TMA معروف أيضاً باعتباره المقدمة لمركّب آخر هو TMAO الذي ارتبط في دراسات كثيرة بمؤشرات سلبية للقلب والأوعية. الدراسة تبرز هذه المفارقة بوضوح وتقول الجزيء السابق TMA قد يحمل تأثيرات نافعة في سياق الالتهاب والسكري، ما يعني أن العلاقة البيولوجية أكثر تعقيداً من تصنيف مركّب ما بأنه سيئ أو جيد.
اقرئي أيضاً هل يؤدي التوتر المزمن إلى الإصابة بمرض السكري؟ إجابة صادمة من اختصاصية

كيف يمكن أن تستفيد الأبحاث الطبية من ذلك؟

تقول Imperial College London إن IRAK4 هدف دوائي معروف في أبحاث الأدوية، ما يجعل هذه النتائج قابلة للترجمة إلى مسارات علاجية محتملة، إما عبر تطوير مثبطات أكثر دقة أو عبر فهم كيف يمكن للتغذية والميكروبيوم أن يدعما المسار نفسه.
كما تشير الدراسة إلى أن التعطيل الجيني لـIRAK4 أو تثبيطه كيميائياً أدى إلى تحسنات أيضية ومناعية في نموذج الحمية عالية الدهون، وهو ما يعزز فرضية أن IRAK4 نقطة ارتكاز في العلاقة بين الالتهاب ومقاومة الإنسولين.

لكن هل يعني هذا وقاية مؤكدة أو علاجاً قريباً؟

هنا تأتي المسافة التي يحرص العلماء عادة على توضيحها، ما نملكه الآن هو دليل آلي قوي يشرح كيف يمكن لجزيء ميكروبي أن يؤثر في الالتهاب والتحكم السكري، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى نصيحة استهلاكية أو وصفة غذائية. فالتوازن بين TMA وTMAO، واختلاف تركيبة الميكروبيوم بين الأشخاص، والجرعات الآمنة، كلها أسئلة لا تحسم إلا عبر تجارب بشرية دقيقة.
الرسالة الأهم في هذا الاكتشاف ليست أن البكتيريا تعالج السكري بشكل مبسط، بل إن هناك جزيئات محددة تصنعها ميكروبات الأمعاء قد تتدخل مباشرة في مفاتيح الالتهاب التي تقود مقاومة الإنسولين. إذا نجحت الأبحاث اللاحقة في تحويل هذه الآلية إلى تدخلات آمنة وفعالة، فقد نكون أمام مسار جديد في الوقاية والعلاج، يمر من بوابة المناعة والميكروبيوم، لا من بوابة السكر وحده.


* ملاحظة من "سيّدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج تجب استشارة طبيب مختص.