mena-gmtdmp

أسرار بناء الثقة بالنفس.. هل هي مهارة مكتسبة أم سمة فطرية؟

الثقة بالنفس
أسرار بناء الثقة بالنفس

تُعدّ الثقة بالنفس إحدى الركائز الأساسية في تكوين الشخصية الإنسانية السوية، وهي ليست ترفاً نفسياً ولا صفة يولد بها بعض الناس ويُحرم منها آخرون، بل هي عملية داخلية متدرجة تتشكل عبر التجارب اليومية، وطريقة تفسيرنا لذواتنا، وكيفية تعاملنا مع النجاحات والإخفاقات على حدّ سواء. فالثقة بالنفس تؤثر في قراراتنا، وفي علاقاتنا، وفي قدرتنا على التعبير عن أنفسنا، كما تلعب دوراً محورياً في تحديد جودة حياتنا النفسية والاجتماعية.

مفهوم الثقة بالنفس في المجتمع العربي

أسرار بناء الثقة بالنفس هو حديث عن رحلة داخلية طويلة

وفي مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص، كثيراً ما يُساء فهم مفهوم الثقة بالنفس، فيُختزل في الجرأة المفرطة أو الصوت العالي أو السيطرة على الآخرين، بينما حقيقتها أعمق وأهدأ من ذلك بكثير. فالثقة الحقيقية تنبع من الداخل، من شعور الإنسان بقيمته، ومن قدرته على احترام ذاته حتى في لحظات الضعف والارتباك، ومن استعداده للاستمرار رغم الشك والخوف.

إن أسرار بناء الثقة بالنفس لا تكمن في الشعارات التحفيزية السريعة، ولا في تجاهل المشاعر السلبية، بل في الوعي بالذات، والمثابرة، والتصالح مع النقص الإنساني. إنها تُبنى حين يتعلم الفرد أن يثق بخياراته، وأن يمنح نفسه الحق في الخطأ والتعلم، وأن يواصل السير حتى عندما لا تكون الطريق واضحة تماماً.

ومن هنا، فإن الحديث عن أسرار بناء الثقة بالنفس هو حديث عن رحلة داخلية طويلة، تتطلب صبراً، وشجاعة هادئة، واستمرارية واعية. رحلة لا تهدف إلى الكمال، بل إلى الثبات النفسي، والانسجام مع الذات، والإيمان العميق بالقدرة على النمو والتغيير.

المثابرة تبني ثقة المرأة بنفسها

ساندرا فاعور اللقيس مدربة المرونة العاطفية والجسدية

ساندرا فاعور اللقيس، ممارِسة الصحة العقلية ومدربة المرونة العاطفية والجسدية، تشرح لـ"سيدتي" حول أسرار بناء الثقة بالنفس عند المرأة.

بالنسبة لكثير من النساء، يُساء فهم الثقة بالنفس على أنها صفة ثابتة: إما أن تمتلكها المرأة أو تفتقر إليها. وغالباً ما تُربط هذه الثقة بالحزم، والظهور، واليقين، وهي صفات ما زالت، في العديد من الثقافات، تُشجَّع لدى الرجال أكثر مما تُشجَّع لدى النساء.
يمكنكِ أيضاً متابعة كيف أستعيد ثقتي بزوجي مجدداً؟

غير أن الأبحاث في علم النفس تؤكد بشكل متكرر أن الثقة بالنفس ليست سمة شخصية فطرية، بل هي مهارة مكتسبة. إنها تُبنى عبر التجربة، والتكرار، والمثابرة. وبالنسبة للنساء على وجه الخصوص، فإن هذا البناء غالباً ما يكون هادئاً، وبطيئاً، ومتأثراً بالسياق الاجتماعي والثقافي المحيط.

تشير الدراسات المتعلقة بـ الكفاءة الذاتية إلى أن النساء يمِلن إلى التقليل من قدراتهن، حتى عندما يكون أداؤهن مساوياً أو متفوقاً على التوقعات. هذا التفاوت لا يعود إلى نقص في الكفاءة، بل إلى تراكم طويل من التنشئة الاجتماعية والرسائل الضمنية التي تكافئ المرأة على الحذر، والانسجام، والتشكيك في الذات، أكثر مما تكافئها على المبادرة والتأكيد على النفس.

ونتيجة لذلك، تنتظر كثير من النساء الشعور بالجاهزية الكاملة قبل الإقدام على الفعل. لكن الحقيقة الجوهرية هي أن الثقة لا تسبق الفعل، بل تأتي بعده.

كيفية بناء الثقة بالنفس

تبني المرأة ثقتها بنفسها من خلال المثابرة: عبر الاستمرار رغم عدم اليقين، والبقاء منخرطة بعد الإخفاقات، والعودة إلى ذاتها بعد لحظات الشك الداخلي. في كل مرة تفي فيها المرأة بالتزام ما — سواء في العمل، أو في العلاقات، أو مع نفسها — فإنها تعزز إيماناً داخلياً بالغ الأهمية:

  • أنا قادرة على التعامل مع ما هو قادم.
  • هذه المثابرة غالباً ما تكون غير مرئية.
  • لا تظهر في صورة إعلانات جريئة أو أداء مثالي بلا أخطاء.

بل تتجلى في الحضور رغم التعب، وفي الاختيار من جديد بعد الخيبة، وفي الاستمرار دون انتظار تصديق أو اعتراف خارجي.

وتدعم علوم الأعصاب هذا الفهم. فالتصرفات المتكررة تعزز المسارات العصبية المرتبطة بالثقة بالذات واتخاذ القرار. وبعبارة أبسط، يتعلم الدماغ الثقة من خلال الممارسة لا من خلال التطمين اللفظي. ما تفعله المرأة مراراً، لا سيما في لحظات عدم الراحة، يتحول تدريجياً إلى ما تؤمن به عن نفسها.

ومن المهم أيضاً توضيح أن المثابرة لا تعني التحمل بلا حدود. فكثيراً ما تُمدح النساء على قدرتهن على التحمّل المستمر، وكأن الاستنزاف فضيلة. لكن المثابرة الصحية تشمل أيضاً معرفة متى يجب التوقف، ومتى يحين وقت الراحة، ومتى ينبغي تغيير الاتجاه. إن الذكاء العاطفي، لا التضحية بالذات، هو ما يحافظ على الثقة بالنفس على المدى الطويل.

النساء اللواتي يبدون واثقات بأنفسهنّ نادراً ما يكنّ خاليات من الخوف. إنهن نساء تعلمن البقاء حاضرات في مواجهة عدم اليقين، وتحمّل غياب الإجابات الواضحة، والاستمرار دون أن يتخلين عن ذواتهن.

في الختام، لا تُبنى الثقة بالنفس في لحظات الوضوح التام، بل في لحظات المثابرة. في كل مرة تستمر فيها المرأة رغم الشك أو الصمت، فإنها تقوّي علاقتها بذاتها. لا لأن كل شيء سار على نحو مثالي، بل لأنها بقيت.
قد يعجبك كيف تشتري السعادة؟ طرق للتعامل مع الشخص "السّام" في حياتك المهنية.

لعل الثقة بالنفس لا تعني الإيمان بالذات بصوت عالٍ، بل تعني عدم التخلي عن الذات بصمت.