mena-gmtdmp

تجربتي كطبيبة في الحفاظ على نشاط الحامل والتمارين المناسبة لكل مرحلة

صورة حوامل يمارسن الرياضة
تجربتي كطبيبة في الحفاظ على نشاط الحامل والتمارين المناسبة لكل مرحلة

بصفتي طبيبة نسائية، كثيراً ما أسمع هذا السؤال من الأمهات الحوامل: "دكتورة، هل من الآمن أن أمارس النشاط البدني خلال فترة الحمل؟"
وهذا القلق مفهوم تماماً، فالحمل يرافقه تغيّرات كبيرة في جسم المرأة، ويولّد معها غريزة طبيعية لحماية الجنين. ومع ذلك، ومن منظور طبي، يمكن للحركة — إذا ما تمّت بطريقة صحيحة — أن تشكّل عنصراً مفيداً في دعم حمل صحي وسليم.
من المهم توضيح أمر أساسي منذ البداية: الحمل ليس حالة طبية تستدعي الراحة التامة لمعظم النساء، بل هو مرحلة فسيولوجية طبيعية تستفيد من التوازن والوعي والخيارات الحياتية المدروسة.

الدكتورة منار جبار حسين


أنا الدكتورة منار جبار حسين، أخصائية أمراض النساء والتوليد في قسم أمراض النساء والتوليد في مستشفى ميدكير للنساء والأطفال، أتكلم عن تجربتي كطبيبة في الحفاظ على نشاط الحامل، من خلال زياراتها لعيادتي.

لماذا يُعتبر النشاط البدني مهماً خلال الحمل؟

لماذا يُعتبر النشاط البدني مهماً خلال الحمل؟


في الممارسة السريرية، أشرح للمريضات غالباً أن الجسم خُلق ليتحرّك — حتى أثناء الحمل. فمع نمو الرحم وتغيّر الهرمونات، تبذل الأجهزة العضلية الهيكلية والقلبية الوعائية جهداً أكبر للتكيّف مع هذه التغيّرات. ويساعد النشاط البدني الخفيف والمناسب الجسم على التكيّف بشكل أكثر راحة وسلاسة مع هذه المتطلبات.
يمكن للنشاط البدني الموجّه طبياً أن يُساهم في تحسين الدورة الدموية، والتخفيف من بعض الأعراض الشائعة مثل آلام الظهر عند الحامل، والمساعدة في الحفاظ على الوظائف الجسدية بشكل عام. كما يؤدي دوراً مهماً في دعم الصحة النفسية والعاطفية، وهي جانب لا يقل أهمية خلال فترة الحمل.
ومع ذلك، لا ينبغي أبداً التعامل مع النشاط البدني خلال الحمل بشكل عشوائي أو بدون أخذ الحالة الصحية الفردية بعين الاعتبار.

ليست كل حالات الحمل متشابهة

من منظور طبي، لا توجد وصفة رياضية واحدة تناسب جميع الحوامل، إذ أن كل حمل يُعدّ تجربة فريدة من نوعها. ويجب أخذ عدة عوامل في الاعتبار، مثل التاريخ الطبي للحامل، والحالة الصحية الحالية، وتطور مراحل الحمل، وأي مضاعفات قائمة.
بالنسبة للنساء اللواتي يتمتعن بحمل طبيعي من دون مضاعفات، يُعتبر النشاط البدني الخفيف إلى المتوسط آمناً في معظم الحالات. ومع ذلك، قد تحتاج النساء اللواتي يعانين من حالات صحية معينة — مثل مشاكل في المشيمة، أو ضعف في عنق الرحم، أو ارتفاع ضغط الدم غير المسيطر عليه، أو مضاعفات في حمل سابق إلى قيود محددة أو متابعة طبية أكثر دقة.
ولهذا السبب، أُشدّد دائماً على أهمية استشارة الطبيب المختص قبل البدء أو الاستمرار في أي نوع من النشاط البدني خلال فترة الحمل.

ما أنواع الأنشطة المناسبة عادةً خلال الحمل؟

المشي يُعزّز صحة القلب والأوعية الدموية


من خلال تجربتي، فإن الأنشطة التي تتميّز بالسيطرة، وقلة التأثير على المفاصل خلال الحمل، وقابليتها للتعديل، تكون غالباً الأكثر ملاءمة وتحمّلاً أثناء الحمل. ومن بين هذه الأنشطة:
المشي: يُعزّز صحة القلب والأوعية الدموية من دون أن يُجهد المفاصل بشكل مفرط.
تمارين التمدد أو اليوغا الخاصة بالحمل: تركّز على تحسين المرونة، والتنفس السليم، وتوازن القوام.
السباحة أو التمارين المائية: تُخفف الضغط على المفاصل وتُعزّز الشعور بالراحة أثناء الحركة.
تمارين القوة الخفيفة: تهدف إلى دعم قوة العضلات وتعزيز الاستقرار الجسدي.
الغاية من هذه الأنشطة ليست تحقيق إنجازات رياضية، بل الحفاظ على الراحة والقدرة على الحركة والثقة أثناء أداء النشاطات اليومية.

كيف تفهمين إشارات جسدك؟

من أهم النصائح التي أقدّمها للنساء الحوامل هي تعلُّم الإنصات إلى أجسادهن. فالحمل يُحدث تغييرات في التوازن، وثبات المفاصل، وأنماط التنفس. وقد تصبح بعض الأنشطة التي كانت مألوفة سابقاً غير مريحة الآن — وهذه إشارة يجب الانتباه لها، لا دليلاً على الفشل.
من الناحية الطبية، يجب التوقف فوراً عن ممارسة أي نشاط بدني إذا ظهرت لدى المرأة الحامل أي من الأعراض التالية:

  • الدوخة أو الشعور بالإغماء.
  • ضيق في التنفس أثناء الحامل يتجاوز الحد الطبيعي للمجهود.
  • نزيف أو تسرب للسوائل.
  • ألم مستمر في البطن أو الحوض.
  • انقباضات منتظمة ناجمة عن النشاط البدني.

وتستدعي هذه الأعراض تقييماً طبياً فورياً من دون تأخير.

النشاط البدني خلال مراحل الحمل الثلاث: من منظور طبي

التعب والغثيان أثناء الحمل


تُرافق كل ثُلث من مراحل الحمل تغيّرات جسدية مختلفة، ويجب تعديل النشاط البدني بما يتناسب مع هذه المرحلة:
الثلث الأول: تُعدّ أعراض التعب والغثيان والتغيّرات الهرمونية أثناء الحمل شائعة. لذا، يُفضَّل التركيز على الحركات الخفيفة مثل المشي القصير أو تمارين التمدد البسيطة بدلاً من اتباع روتين رياضي منتظم.
الثلث الثاني: تشعر العديد من النساء في هذه المرحلة بزيادة في النشاط وتحسّن عام في الراحة الجسدية. وغالباً ما تُعتبر هذه المرحلة الأكثر أماناً واستقراراً لممارسة نشاط بدني منتظم وخفيف التأثير، وذلك تحت إشراف طبي.
الثلث الثالث: مع تغيّر التوازن وصعوبة الحركة، يجب أن يتركّز النشاط البدني على الراحة، وتصحيح القوام، والتنفس السليم، والحركة اللطيفة. ومن الطبيعي أن تقلّ شدة التمارين ومدتها خلال هذه المرحلة.
تعديل النشاط وفقاً للحالة الجسدية هو مؤشر على الوعي الطبي، وليس علامة على الضعف أو القيد.

تصحيح المفاهيم الشائعة

من المفاهيم الخاطئة الشائعة التي أواجهها بشكل متكرر، الاعتقاد بأن الراحة التامة أكثر أماناً من الحركة دائماً. في الواقع، قد يؤدي الخمول المطوّل إلى تيبّس في المفاصل، وشعور بعدم الراحة، وانخفاض في القدرة البدنية على التحمّل.
وفي المقابل، لا تُعد فترة الحمل مناسبة لممارسة التمارين عالية الشدة أو تعريض الجسم للإجهاد البدني. فمن الناحية الطبية، يُنصح بتجنّب التطرّف في أي من الاتجاهين—سواء قلة الحركة أو الإفراط في المجهود أثناء الحمل. فالاعتدال، والاستمرارية، والسلامة هي المبادئ الأساسية التي يجب الالتزام بها خلال هذه المرحلة.
كيف يفيد النشاط البدني خلال الحمل كلاً من الأم والطفل؟

الجانب النفسي للنشاط البدني

بصفتي طبيبة، أُدرك تماماً الأثر العاطفي الذي يمكن أن يُحدثه الحفاظ على النشاط خلال فترة الحمل. فالحركة الخفيفة تساهم في تعزيز شعور المرأة بالترابط مع جسدها، وتُخفف من التوتر عند الحامل، وتمنحها إحساساً بالسيطرة في مرحلة تمرّ بتحولات كبيرة على الصعيدين الجسدي والنفسي.
ويُعد تحقيق التوازن النفسي والعاطفي عنصراً أساسياً في صحة الأم، وغالباً ما يتم إغفاله رغم أهميته الكبيرة.

الاستعداد لمرحلة التعافي بعد الولادة

الاستعداد لمرحلة التعافي بعد الولادة


من الجوانب الأخرى التي أحرص على مناقشتها مع المريضات هو تأثير رعاية الحمل على مرحلة التعافي السريع بعد الولادة.
فالمحافظة على مستوى مناسب من النشاط البدني خلال الحمل يمكن أن تساعد في الحفاظ على قوة العضلات، وتنشيط الدورة الدموية، وتعزيز الوعي الجسدي، وهي عوامل تُسهم بشكل فعّال في دعم عملية التعافي بعد الولادة.
ومع ذلك، تماماً كما هو الحال خلال الحمل، يجب أن تكون وتيرة النشاط البدني بعد الولادة خاضعة لتوجيهات طبية ومراعية للظروف الفردية لكل حالة ومدة التعافي الخاصة بها.

نصيحة ختامية

من منظور طبي، فإن البقاء نشيطة خلال فترة الحمل لا يتعلق بمجاراة التوجهات أو اتباع نصائح عامة، بل يقوم على اتخاذ قرارات مدروسة تستند إلى التوجيه الطبي واحترام احتياجات الجسم المتغيرة خلال هذه المرحلة الفريدة. فعندما تتم ممارسة النشاط البدني بطريقة مدروسة وآمنة، يمكن أن يُشكّل عنصراً داعماً خلال الحمل، بما يعزّز شعور الأم بالراحة والثقة، ويساهم في تعزيز صحة الحامل العامة ورفاهها النفسي. وقبل كل شيء، أشجّع الأمهات الحوامل على طرح الأسئلة، وطلب الإرشاد من المختصين، والثقة بأن العناية بأنفسهن هي جزء لا يتجزأ من العناية بصحة الجنين وراحته.