نادراً ما يتوقّف الإنسان ليسأل نفسه سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في معناه: ما مستوى وعيي الذاتي؟
فنحن نعيش في عالم سريع الإيقاع، مليء بالأصوات، والتوقعات، والقواعد الجاهزة، حتى أصبح الانشغال بالخارج يطغى على الإصغاء إلى الداخل. نتحرّك، نقرّر، ننجح، ونفشل، من دون أن نتساءل بصدق: لماذا نتصرف بهذه الطريقة؟ وما الذي يحرّك أفكارنا ومشاعرنا فعلاً؟
تعريف الوعي الذاتي

الوعي الذاتي ليس معرفة سطحية بالنفس، ولا مجرّد إدراك لما نريده أو نرفضه. بل هو قدرة عميقة على ملاحظة الذات بصدق، وفهم أنماط التفكير والسلوك، والتعرّف إلى الدوافع الخفية التي تقف خلف قراراتنا وردود أفعالنا. إنه وعي يولد من التجربة، ويتشكّل مع الزمن، ويحتاج إلى شجاعة لمواجهة الذات من دون أقنعة أو تبريرات.
كثيرون يظنون أنهم واعون لأنهم يملكون معلومات، أو لأنهم اختبروا مواقف صعبة، لكن المعرفة وحدها لا تصنع وعياً. فالوعي الحقيقي يبدأ عندما يتحوّل الإنسان من التفاعل التلقائي إلى الملاحظة الواعية، ومن ردّ الفعل إلى الفعل المدروس. عندها فقط يبدأ في فهم الفجوة بين ما يعرفه نظرياً وما يعيشه فعلياً.
الوعي الذاتي: رحلة الإنسان من المعرفة إلى النضج الداخلي
أورانيا ضاهر، استشارية صحية نفسية وعلاج بالطاقة تشرح لـ"سيدتي" حول الوعي الذاتي.
وتقول: "المعرفة والوعي مفهومان يبدوان متقاربين في الظاهر، لكنّ بينهما فرقاً جوهرياً. فالمعرفة قد تُكتسب بالتعلّم، أمّا الوعي فهو حالة داخلية لا يصل إليها الجميع. إنّه ليس أمراً متاحاً تلقائياً، بل نتيجة عملٍ طويل يقوم به الإنسان على ذاته، عبر التجربة، والتراكم، والإنصات العميق للصوت الداخلي".
ما رأيك متابعة لماذا يكرر الشباب والبنات نفس الأخطاء؟
وتضيف: "يتشكّل الوعي من الخبرات التي نعيشها يوماً بعد يوم، ومن قدرتنا على التأمّل فيما نمرّ به، ومن المعرفة المتوارثة عبر الأجيال، والتي تختزنها ذاكرتنا العميقة، أو ما يمكن تسميته بالذاكرة الخلوية. ومن هنا، يظهر الفرق الكبير بين ما نعيه نظرياً وما نعيشه فعلياً. فقد يعرف الإنسان ما يريد فعله، وكيف يمكنه تحقيقه، لكن هذا الإدراك وحده لا يكفي ما لم يكن مصحوباً بوعي حقيقي لمعنى أفعاله ودوافعه".
وتوضح بأن: "الوعي الذاتي هو تلك اللحظة التي يدخل فيها الإنسان إلى داخله، فيتعرّف إلى سلوكياته، وطريقة تفكيره، وردود أفعاله، وكيفية تعامله مع ذاته ومع الآخرين. وهو مسار يتطلّب صبراً وجهداً، خاصة في ظل مجتمع يفرض قواعد ومعايير عامة يسير عليها الجميع. غير أنّ الوعي الشخصي يتجاوز هذه القواعد، لأنه يقوم على معرفة الفرد بنفسه، لا على الامتثال الأعمى لما هو سائد.
ويُعدّ التأمّل، سواء أكان تأمّلاً داخلياً أو في الطبيعة، من أهم الأدوات التي تساعد الإنسان على تنمية وعيه. فحين يراقب الشخص تصرّفاته في مواقف مختلفة، ويتساءل عن ردود فعله، ويُجري مراجعة ذاتية لما عاشه، يصبح أكثر قدرة على فهم نفسه، وضبط سلوكه، واتخاذ قرارات أكثر نضجاً في المستقبل".
وتشير إلى "أنّ الوعي الحقيقي لا يقوم على جلد الذات أو محاكمتها بقسوة. فطريقة حديث الإنسان مع نفسه تلعب دوراً أساسياً في بناء وعيه. فبدل أن يُغرق ذاته باللوم والأحكام السلبية، يمكنه أن يعترف بخطئه بهدوء، وأن يتعامل معه كفرصة للتعلّم والتطوّر. هذا الخطاب الداخلي الإيجابي يوجّه العقل الباطن نحو النمو، لا نحو الهدم، ويُنتج وعياً صحياً ومتوازناً".
نمط حياة جديدة

وتعتبر ضاهر أنه "مع الاستمرار في هذه الممارسة، تتحوّل طريقة التفكير إلى نمط حياة جديد. ومع الوقت، ينضج الوعي، ويصبح الإنسان أكثر انسجاماً مع نفسه، وأكثر قدرة على تطوير ذاته، والبحث عن الحقيقة، وبناء معرفة أعمق بالحياة. وينعكس ذلك على علاقاته، وعلى حضوره في محيطه، فيُنظر إليه كشخص ناضج، متزن، وذي ذكاء عاطفي عالٍ، قادر على التعامل مع الأزمات بوصفها دروساً، لا باعتباره ضحية لها."
وتؤكد أن "الوعي، رغم جماله، ليس طريقاً سهلاً. فكلما ازداد الإنسان وعياً، ازدادت أسئلته، واتّسعت الفجوة بينه وبين منْ يحيطون به، خصوصاً أولئك الذين ينظرون إلى الحياة من منظور سطحي. وقد يدفعه ذلك إلى الانطواء أو الانتقاء الدقيق لعلاقاته، بل وقد يُساء فهمه أو يُتَّهم بالتفلسف. غير أنّ هذا الثمن هو جزء من الرحلة، لأن الوعي الحقيقي غالباً ما يكون طريقاً فردياً".
قد يعجبك التحديات التي يواجهها الشباب في بناء هويتهم
وتختم بالقول:" يظلّ الوعي قيمة إنسانية عالية. فهو لا يمنح الإنسان فهماً أعمق لذاته فحسب، بل يحوّله أيضاً إلى عنصر نافع في مجتمعه. فالوعي، حين يوجد، لا يتوقف عند الفرد، بل يمتد أثره؛ ليصنع فرقاً في العالم من حوله."





