mena-gmtdmp

رحلة التعافي بعد الولادة: ما تحتاج كل أمٍّ معرفته

صورة لأم تتفحص مولودها الجديد
التعافي بعد الولادة يحتاج لفهم ووعي ودعم

كثيراً ما نتخيل وترسم الإعلانات صورة وردية للأمومة، ومعها صور للابتسامات الأولى مع المولود، بينما هناك رحلة تعافٍ طويلة تمر بها كل أمّ جسدياً ونفسياً؛ فواحدة من كل خمس نساء حول العالم تعاني من اضطرابات نفسية خلال الحمل أو بعد الولادة، وذلك وفقاً لـمنظمة الصحة العالمية، ومعظم هذه الحالات لا يتم تشخيصها أو علاجها. إذن رحلة التعافي بعد الولادة ليست فترة قصيرة تنتهي بعد أسابيع قليلة، بل تجربة إنسانية متكاملة تحتاج من الأم فهماً ووعياً ودعماً حقيقياً.
اللقاء والدكتور رضا محمود السيد أستاذ طب النساء والولادة للتعرف إلى الحقائق التي تحتاج كل أمّ لمعرفتها، ما بين كيفية التعافي النفسي والتعافي الجسدي.

التعافي بعد الولادة.. رحلة إنسانية معقدة

أمٌّ متعبة تحتضن مولودها

رحلة بين الجسد الذي يتغير، والمشاعر التي تتقلب، والمسؤوليات الجديدة، قد تشعر الأم أحياناً بالقلق والتوتر. ليس المطلوب أن تكوني مثالية، بل أن تكوني واعية، ولطيفة مع ذاتك، ومستعدة لطلب المساعدة عندما تحتاجينها، فالأمومة لا تبدأ بالقوة بل بالإنسانية، ما يحدث للجسم طبيعي لكنه مفاجئ.

التعافي الجسدي من آلام ما بعد الولادة

كثير من النساء يسمعن أن "فترة النفاس ستة أسابيع"، لكن الحقيقة أن التعافي الجسدي قد يستمر عدة أشهر وأحياناً أكثر، بحسب طبيعة الولادة وظروف الجسم.
النزيف بعد الولادة، أو ما يُعرف بالنفاس، أمر طبيعي، وقد يستمر من أربعة إلى ستة أسابيع، يتغير لونه وكثافته تدريجياً، وهو جزء من عودة الرحم إلى حجمه الطبيعي، وتُفاجأ كثير من الأمهات بطول المدة أو شكل النزيف.
وهناك آلام أسفل البطن والانقباضات الرحمية الشائعة جداً، خاصة أثناء الرضاعة الطبيعية؛ ذلك لأن إفراز هرمون الأوكسيتوسين يساعد الرحم على الانقباض، وهي مؤشر على أن الجسم يقوم بعمله.
في حال الولادة القيصرية، التعافي يحتاج وقتاً أطول؛ فالأمر لا يتعلق فقط بجرح خارجي، بل بعملية جراحية كاملة في البطن والرحم، لذلك فإن الشعور بالألم أو صعوبة الحركة في الأسابيع الأولى أمر متوقع.
التعب الشديد بعد الولادة نتيجة طبيعية لفقدان الدم، والتغيرات الهرمونية الحادة، وقلة النوم المتواصلة، فالجسد لم يعد كما كان قبل أشهر قليلة، بل خاض تجربة هائلة ويحتاج وقتاً؛ ليستعيد توازنه.

مخاطر عدوى النفاس: أسبابها ومضاعفاتها وطرق التعامل معها هل تودين الاطلاع عليها؟

التغيرات الهرمونية: السبب الخفي وراء تقلب المشاعر

بعد الولادة مباشرة، تنخفض مستويات هرموني الأستروجين والبروجسترون بشكل مفاجئ، هذا الانخفاض السريع يؤثر على الدماغ والمزاج بشكل واضح.
تجدين نفسك تبكين دون سبب واضح، أو تشعرين بتقلبات مزاجية حادة، أو بقلق وعصبية غير معتادين، هذا لا يعني أنك غير ممتنة لطفلك، ولا يعني أنك غير مستعدة للأمومة، بل إنها استجابة بيولوجية طبيعية.
كآبة بعد الولادة أمر شائع جداً، وتصيب معظم الأمهات في الأسبوعين الأولين، تتمثل في حساسية عاطفية زائدة، سرعة البكاء، وتوتر عام. غالباً ما تختفي تدريجياً مع استقرار الهرمونات والحصول على دعم كافٍ.

الصحة النفسية: الأمومة لا تعني السعادة الدائمة

أمٌّ سعيدة تنظر لمولودها بشغف وامتنان

رغم أن لحظة الولادة قد تكون من أسعد اللحظات، فإن الشعور بعدم الارتباط الفوري بالطفل أمر شائع أيضاً، وقد يظهر على شكل حزن مستمر، فقدان اهتمام، شعور بالذنب، أو أفكار سوداوية.
طلب المساعدة النفسية مبكراً يحمي الأم والطفل أيضاً؛ لأن صحة الأم النفسية تؤثر مباشرة على جودة الرعاية والتفاعل، والصمت بدافع الامتنان لوجود طفل قد يزيد المعاناة ويؤخر العلاج.

الجسد وصورته: جسدكِ أنجز الكثير

  • بعد الولادة، قد يبقى الوزن زائداً، وقد يبدو البطن مترهلاً، وقد تظهر علامات تمدد. كل ذلك طبيعي.
  • عضلات البطن، خاصة إذا حدث انفصال بسيط بينها، تحتاج وقتاً وتأهيلاً تدريجياً.
  • عضلات قاع الحوض التي تحملت ضغط الحمل، تحتاج تمارين خاصة لاستعادة قوتها.
  • مقارنة الجسد بما كان عليه قبل الحمل، أو بصور مشاهير بعد أسابيع من الولادة، مقارنة غير عادلة.
  • احترام الجسد والامتنان له جزء أساسي من التعافي، هذا الجسد لم يفشل، بل حمل ونما وأنجب.

الرضاعة: رحلة تدريب وتعلم وليست غريزة فطرية فقط

رغم أن الرضاعة الطبيعية توصف غالباً بأنها "فطرية"، فإنها في الواقع مهارة تحتاج تعلماً وممارسة، قد تكون مؤلمة في الأيام الأولى، خاصة إذا كانت جلسة الالتقام غير صحيحة.
قلة الحليب في الأيام الأولى أمر طبيعي؛ لأن الجسم يبدأ بإنتاج اللبأ، وهو سائل مركز غني بالمغذيات، ثم يزداد تدريجياً مع التحفيز المستمر، وليست كل أم قادرة أو راغبة في الرضاعة الطبيعية، لأسباب صحية أو نفسية أو شخصية.
الدعم والإرشاد من مختصة رضاعة أو ممرضة، يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في تجربة الرضاعة، ويقلل الألم والقلق.

الحرمان من النوم والإرهاق: لهما ثمن

قلة النوم: بعد الولادة ليست تفصيلاً بسيطاً؛ الحرمان من النوم يؤثر على المزاج، والتركيز، والذاكرة، وحتى التعافي الجسدي.
النوم المتقطع: لا يعني فشل التنظيم، بل هو جزء طبيعي من مرحلة حديثي الولادة؛ حيث يحتاج الطفل للرضاعة كل ساعتين أو ثلاث.
النصيحة الشائعة: عندما ينام الطفل جيداً نظرياً لكنها ليست دائماً واقعية، خاصة مع وجود مسؤوليات أخرى أو أطفال أكبر سناً، لذلك، توزيع المهام وطلب المساعدة ضروريان لتقليل الإرهاق.
إهمال النوم لفترات طويلة قد يزيد من احتمالية القلق والاكتئاب، لذا يجب التعامل معه بجدية.

تغيير العلاقة مع الشريك.. طبيعي

  • بعد الولادة، تتغير العلاقة الزوجية جسدياً وعاطفياً، وهذا يرتبط بالتغيرات الهرمونية، والإرهاق، وأحياناً الخوف من الألم.
  • الحوار الصريح، والحديث عن المشاعر، والاحتياجات، والمخاوف يساعد على تقليل سوء الفهم.
  • الدعم العاطفي، والمشاركة في رعاية الطفل، وتقدير الجهد المبذول، كلها عوامل تعزز العلاقة في هذه المرحلة الحساسة. العودة إلى الطبيعي لا تحدث فجأة، بل تدريجياً.

الدعم الاجتماعي: لا يمكنكِ فعل كل شيء وحدكِ

الأم الحديثة تحتاج شبكة دعم، طلب المساعدة في الطبخ، أو التنظيف، أو رعاية الطفل لبعض الوقت ليس فشلاً، بل وعي بحدود الطاقة.
الضغوط قد تجعل بعض النساء يشعرن بالذنب إذا اشتكين أو طلبن العون، لكن الحقيقة أن وجود امرأة أخرى تفهم التجربة - أخت، صديقة، أمّ، أو حتى مجموعة دعم - يُحدث فرقاً نفسياً كبيراً.
متى يجب طلب المساعدة الطبية؟
رغم أن كثيراً من التغيرات طبيعية، فإن هناك علامات تستدعي استشارة طبية فورية:

  1. استمرار الحزن أو القلق لأكثر من أسبوعين.
  2. أفكار مؤذية للنفس أو للطفل.
  3. آلام شديدة لا تتحسن، أو نزيف غزير وغير طبيعي.
  4. الشعور بالعجز الكامل عن العناية بالنفس أو الطفل.
  5. الاستشارة المبكرة قد تمنع مضاعفات أكبر، وتمنح الأم فرصة للتعافي بأمان.

*ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.