mena-gmtdmp
صورة طفلين
كيف يختلف مرض التوحد من طفل لآخر؟

يُعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات النمائية التي تثير التساؤلات والاهتمام، ليس فقط بسبب انتشاره المتزايد، بل أيضاً بسبب طبيعته المتنوعة والمعقدة التي تجعل كل طفل مصاباً به حالة فريدة بحدّ ذاتها، إذ لا يمكن النظر إلى التوحد على أنه قالب واحد ينطبق على جميع الأطفال، بل هو طيف واسع تتباين فيه القدرات والتحديات والسلوكيات بشكل كبير، وهو ما يفسر لماذا قد يبدو طفلان مشخصان بالتوحد وكأنهما يعيشان تجربتين مختلفتين تماماً، رغم اشتراكهما في نفس التشخيص، فاختلاف التوحد من طفل لآخر لا يقتصر على جانب واحد فقط، بل يشمل التواصل، والسلوك، والقدرات الذهنية، والاستجابة الحسية، وحتى طريقة التفاعل مع العالم المحيط، في هذا الموضوع الشائق والمفيد يعرض الأطباء والاختصاصيون لأهم اختلافات مرض التوحد من طفل لآخر.

اختلاف مستوى القدرة على التواصل

اختلاف مستوى القدرة على التواصل

من أبرز أوجه الاختلاف بين الأطفال المصابين بالتوحد هو مستوى القدرة على التواصل، حيث نجد أن بعض الأطفال قد يعانون من تأخر شديد في الكلام أو قد لا يستخدمون اللغة اللفظية إطلاقاً، فيعتمدون على الإشارات أو الصور أو الوسائل البديلة للتعبير عن احتياجاتهم، بينما نجد أطفالاً آخرين يمتلكون حصيلة لغوية جيدة، بل وقد يتحدثون بطلاقة، إلا أن صعوباتهم تظهر في استخدام اللغة بشكل اجتماعي، مثل فهم النكات أو التعبيرات المجازية أو تبادل الحديث بشكل طبيعي، وهو ما يعكس أن المشكلة ليست دائماً في القدرة على الكلام بحدّ ذاته، بل في كيفية استخدامه ضمن السياق الاجتماعي، وهذا الاختلاف يجعل طرق الدعم والتدخل تختلف من طفل لآخر، فليس كل طفل يحتاج نفس الأسلوب أو نفس الأدوات.

التفاوت على صعيد التفاعل الاجتماعي

أما على صعيد التفاعل الاجتماعي، فنجد أيضاً تفاوتاً كبيراً، فبعض الأطفال يبدون انعزالاً واضحاً، يفضلون اللعب بمفردهم ولا يسعون إلى التفاعل مع الآخرين، وقد لا يظهرون اهتماماً كبيراً بمشاعر من حولهم أو بمحاولة بناء علاقات، بينما نجد أطفالاً آخرين يرغبون في التواصل والتقرب من الآخرين، لكنهم يفتقرون إلى المهارات اللازمة لذلك، فقد يقتربون بطريقة غير مناسبة أو يكررون نفس الأسئلة أو المواضيع من دون الانتباه لردود فعل الطرف الآخر، وهذا يوضح أن الرغبة في التواصل قد تكون موجودة، ولكن طريقة التعبير عنها هي التي تحتاج إلى دعم وتوجيه.

اختلاف في السلوكيات والاهتمامات

لا يقتصر الاختلاف على الجوانب الاجتماعية واللغوية فقط، بل يمتد أيضاً إلى السلوكيات والاهتمامات، حيث يُظهر بعض الأطفال سلوكيات متكررة مثل رفرفة اليدين أو الدوران حول أنفسهم أو التعلق الشديد بروتين معين، وقد يسبب أي تغيير بسيط في هذا الروتين حالة من القلق أو الانزعاج، بينما نجد أطفالاً آخرين قد لا يظهرون هذه السلوكيات بشكل واضح، لكنهم قد يمتلكون اهتمامات محددة ومكثفة للغاية، كالهوس بموضوع معين مثل الأرقام أو الخرائط أو نوع معين من الألعاب، يقضون وقتاً طويلاً في التركيز عليه من دون ملل، وهذا التفاوت يجعل من الصعب أحياناً التعرف إلى التوحد في بعض الحالات، خاصة إذا لم تكن الأعراض النمطية واضحة.

اختلاف في القدرات الذهنية والمعرفية

اختلاف في القدرات الذهنية والمعرفية

من الجوانب المهمة التي يظهر فيها الاختلاف أيضاً هي القدرات العقلية والمعرفية، إذ لا يمكن ربط التوحد بمستوى ذكاء معين، فهناك أطفال يعانون من تأخر ذهني مصاحب للتوحد، مما يزيد من التحديات التي يواجهونها في التعلم والتكيف، في حين نجد أطفالاً آخرين يمتلكون ذكاءً متوسطاً أو حتى مرتفعاً، وقد يُظهر بعضهم قدرات مميزة في مجالات محددة مثل الرياضيات أو الموسيقى أو الذاكرة، وهو ما يُعرف أحياناً بظاهرة “الموهبة الخاصة”، وهذا التنوع في القدرات يجعل من الضروري التعامل مع كل طفل بناءً على إمكانياته الفردية، وليس بناءً على التشخيص فقط.

الاختلاف في الحساسية تجاه الأصوات أو الأضواء أو اللمس

كما تلعب الاستجابة الحسية دوراً كبيراً في اختلاف تجربة التوحد بين الأطفال، حيث يعاني بعضهم من حساسية مفرطة تجاه الأصوات أو الأضواء أو اللمس، فقد ينزعج الطفل من صوت عادي بالنسبة لغيره، أو يرفض ارتداء ملابس معينة بسبب ملمسها، بينما قد يكون هناك أطفال آخرون على العكس من ذلك، يبحثون عن التحفيز الحسي بشكل مستمر، فيحبون القفز أو الضغط أو لمس الأشياء بشكل متكرر، وهذا التباين في المعالجة الحسية يؤثر بشكل مباشر على سلوك الطفل وتفاعله مع البيئة، ويحتاج إلى فهم عميق من قبل الأهل والمعلمين لتوفير بيئة مناسبة ومريحة له.

الاختلاف في التكيّف مع التغيرات

لا يمكن إغفال الاختلاف في القدرة على التكيف مع التغيرات، فبعض الأطفال المصابين بالتوحد يجدون صعوبة كبيرة في تقبل أي تغيير في الروتين اليومي، حتى وإن كان بسيطاً، مثل تغيير طريق الذهاب إلى المدرسة أو تبديل مكان الأثاث في المنزل، وقد يؤدي ذلك إلى نوبات غضب أو توتر شديد، بينما نجد أطفالاً آخرين أكثر مرونة نسبياً، قادرين على التكيف مع التغيرات بشكل أفضل، خاصة إذا تم تمهيدهم لها مسبقاً، وهذا الاختلاف يتطلب استراتيجيات مختلفة في التعامل، حيث يحتاج بعض الأطفال إلى إعداد مسبق وتدريجي لأي تغيير، مع استخدام وسائل بصرية أو شرح مبسّط.

اختلاف القدرة في التعبير عن المشاعر

اختلاف القدرة في التعبير عن المشاعر

من الجوانب التي تُظهر تبايناً واضحاً أيضاً هو التعبير عن المشاعر وفهمها، فبعض الأطفال قد يواجهون صعوبة في التعرف إلى مشاعر الآخرين أو تفسير تعابير الوجه ونبرة الصوت، مما قد يؤدي إلى سوء فهم في المواقف الاجتماعية، بينما قد يتمكن أطفال آخرون من فهم هذه الإشارات بشكل أفضل، لكنهم يواجهون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم الخاصة، فلا يستطيعون وصف ما يشعرون به أو طلب المساعدة عند الحاجة، وهذا التفاوت يبرز أهمية تعليم المهارات العاطفية بشكل تدريجي ومناسب لكل طفل.

تباين في مدى الاستقلالية والاعتماد على النفس

ويظهر الاختلاف كذلك في مدى الاستقلالية والاعتماد على النفس، فبعض الأطفال قد يحتاجون إلى دعم كبير في الأنشطة اليومية مثل الأكل أو اللباس أو النظافة الشخصية، في حين نجد أطفالاً آخرين قادرين على القيام بهذه المهام بشكل مستقل إلى حدّ كبير، وهذا لا يعني أن أحدهما “أفضل” من الآخر، بل يعكس ببساطة اختلاف مستوى الدعم الذي يحتاجه كل طفل، وهو ما يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار عند وضع الخطط التربوية والعلاجية.

اختلاف من الاستجابة للعلاجات

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن استجابة الأطفال لبرامج التدخل والعلاج تختلف بشكل كبير، فبينما يحقق بعض الأطفال تقدماً ملحوظاً خلال فترة زمنية قصيرة عند تطبيق برامج تدريبية مناسبة، قد يحتاج أطفال آخرون إلى وقت أطول وجهد أكبر لتحقيق نفس النتائج، وقد تتفاوت الاستجابة حتى لدى نفس الطفل من فترة لأخرى، تبعاً لعوامل مختلفة مثل البيئة، والدعم الأسري، والحالة النفسية للطفل، وهذا يؤكد أن التقدم في التوحد ليس خطاً مستقيماً، بل هو رحلة مليئة بالتقلبات.

الاختلاف حسب تأثير البيئة المحيطة

الاختلاف حسب تأثير البيئة المحيطة

كما أن البيئة التي يعيش فيها الطفل تلعب دوراً مهماً في إبراز أو تخفيف بعض سمات التوحد، فالطفل الذي ينشأ في بيئة داعمة، تفهم احتياجاته وتوفر له فرص التعلم والتفاعل، قد يظهر تطوراً أفضل مقارنة بطفل لا يحظى بنفس المستوى من الدعم، وهذا لا يعني أن التوحد يختفي، بل إن آثاره قد تصبح أقل حدّة وأكثر قابلية للإدارة، وهو ما يبرز أهمية التوعية المجتمعية وتدريب الأهل والمعلمين على كيفية التعامل مع اضطراب التوحد.

الفروق الفردية الطبيعية

لا يمكن الحديث عن اختلاف التوحد بين الأطفال من دون التطرق إلى الفروق الفردية الطبيعية التي توجد بين جميع البشر، فكل طفل، سواء كان مصاباً بالتوحد أم لا، يمتلك شخصية فريدة، واهتمامات خاصة، وطريقة مختلفة في التفكير والتفاعل، وعندما نجمع بين هذه الفروق الطبيعية وخصائص التوحد، نحصل على مزيج متنوع جداً من الأنماط والسلوكيات، وهو ما يجعل من المستحيل وضع “وصفة واحدة” تناسب جميع الأطفال.

ما الذي تسببه المقارنات؟

وفي ضوء كل ما سبق، يصبح من الضروري الابتعاد عن المقارنات بين الأطفال المصابين بالتوحد، لأن كل مقارنة قد تكون غير عادلة، بل وقد تؤدي إلى إحباط الأهل أو الطفل نفسه، والأفضل هو التركيز على تقدم الطفل مقارنة بنفسه، وملاحظة التحسن مهما كان بسيطاً، والعمل على تطوير نقاط القوة لديه، بدلاً من التركيز فقط على التحديات.
فالتوحد ليس حالة واحدة بل هو طيف واسع من الاختلافات، وأن فهم هذه الاختلافات هو الخطوة الأولى نحو تقديم الدعم المناسب لكل طفل، فكل طفل يحمل داخله عالماً خاصاً يستحق أن يُفهم ويُحترم، وكلما اقتربنا من هذا العالم بحب وصبر ووعي، استطعنا أن نساعده على النمو والتطور بطريقته الخاصة، وأن نمنحه الفرصة ليكون أفضل نسخة من نفسه، بدون محاولة إجباره على أن يكون نسخة من الآخرين.

تعرفي أيضًا على أنشطة لتعليم الأطفال التغلب على مرض التوحد