تُعدّ الصحة النفسية للأم من أكثر الجوانب التي لا تحظى بالاهتمام الكافي خلال مرحلة ما بعد الولادة، على الرغم من كونها محوراً أساسياً في هذه الرحلة الإنسانية العميقة. فبينما تنشغل الأسرة بالتحضيرات المادية لقدوم المولود، من تجهيز الغرفة واختيار عربة الطفل والطبيب المختص وترتيب تفاصيل الحياة الجديدة، غالباً ما تغيب الأم نفسها عن دائرة هذا الاهتمام. لا يُلتفت بما يكفي إلى عالمها الداخلي، إلى مشاعرها المتقلبة، وإلى التحوّل النفسي العميق الذي تعيشه. ومع ذلك، فإن الفترة التي تلي الولادة تُعدّ من أكثر المراحل تعقيداً في حياة المرأة، ليس فقط من الناحية الجسدية، بل أيضاً على المستويين العاطفي والنفسي.

د. ميرنا شوبح أخصائية علم نفس إكلينيكي في قسم علم النفس لمركز ميدكير الطبي، تتطرق إلى أهمية الصحة النفسية للأمهات بعد الولادة.
الأمومة الأولى تشبه المراهقة!

في هذه المرحلة، لا تعود الأم كما كانت، بل تدخل في مسار تحوّل داخلي يعيد تشكيل هويتها بالكامل. هذا التحوّل، الذي بات يُعرف في علم النفس بمفهوم «الماتريسنس»، يشبه إلى حد كبير مرحلة المراهقة، من حيث عمقه وتأثيره على الهوية. فالأمومة ليست مجرد حدث عابر أو دور جديد تضطلع به المرأة، بل هي عملية إعادة تشكيل شاملة للذات. لا تختفي الشخصية السابقة، لكنها تُعاد صياغتها بطرق معقدة، تتداخل فيها التجارب الماضية مع الحاضر، وتتشكل من خلالها رؤية جديدة للذات والعالم.
وقد أكدت الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب أن هذا التحوّل ليس مجازياً فحسب، بل هو واقع بيولوجي أيضاً؛ إذ أظهرت دراسات تصوير الدماغ أن دماغ الأم يخضع لتغيرات حقيقية بعد الولادة، خاصة في المناطق المرتبطة بالتعاطف والانتباه والاستجابة لمتطلبات الرعاية. هذه التغيرات تعكس استعداداً فطرياً لدى الأم للتكيف مع دورها الجديد، وهي ليست علامة ضعف كما قد يُعتقد، بل دليل على قوة هذا التحوّل وضرورته.
كيف يُنظر إلى هذه المرحلة؟
من زاوية التحليل النفسي، يُنظر إلى هذه المرحلة بوصفها إعادة تنظيم نفسية عميقة، حيث تستحضر الأم، غالباً بشكل غير واعٍ، تجارب طفولتها وعلاقتها بوالديها، بما تحمله من مشاعر وذكريات وجراح قديمة. وقد أشار العديد من المحللين النفسيين إلى أن كل أم تحمل في داخلها أثراً للطريقة التي تمت بها رعايتها في صغرها، وهذا الأثر يعاود الظهور عند دخولها تجربة الأمومة. وقد يكون هذا الاستحضار مصدراً للقلق أو الارتباك، لكنه في الوقت ذاته يحمل فرصة حقيقية لفهم الذات بشكل أعمق، وربما للشفاء من تجارب سابقة لم تُعالج.
حالتان تمر بهما الأمهات بعد الولادة
في خضم هذا التحوّل، تمرّ العديد من النساء بتجارب نفسية مختلفة قد يختلط فهمها. من أبرزها هاتان الحالتان:
الكآبة العابرة بعد الولادة
وهي حالة شائعة جداً تنتج عن تغيرات هرمونية، وتظهر عادة في الأيام الأولى بعد الولادة. قد تشعر الأم خلالها بالبكاء دون سبب واضح، أو بتقلبات مزاجية، أو بعدم الثقة في قدرتها على القيام بدورها الجديد. ورغم أن هذه الحالة مؤقتة وتختفي غالباً خلال أيام، إلا أنها تتطلب دعماً عاطفياً حقيقياً من المحيطين.
اكتئاب ما بعد الولادة
في المقابل، هناك حالة أكثر عمقاً وخطورة تُعرف باكتئاب ما بعد الولادة، وهي حالة طبية تصيب نسبة ملحوظة من الأمهات، وقد تستمر لفترة أطول وتؤثر بشكل مباشر على جودة حياة الأم وعلاقتها بطفلها. تتجلى هذه الحالة في شعور مستمر بالحزن، أو الفراغ، أو الإرهاق الشديد، وقد تصل إلى صعوبة في التواصل العاطفي مع الطفل أو فقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت تُشعر الأم بالراحة سابقاً. ومن المهم التأكيد أن هذه الحالة لا تعني بأي شكل من الأشكال ضعفاً في شخصية الأم أو تقصيراً منها، بل هي حالة صحية تستدعي الفهم والدعم والعلاج.
وتشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من حالات اكتئاب ما بعد الولادة في المنطقة العربية تبقى من دون تشخيص، بسبب عوامل اجتماعية وثقافية، أبرزها الخوف من نظرة المجتمع أو الشعور بالخجل. وهذا ما يجعل من الضروري تعزيز الوعي بهذه المسألة، وفتح المجال أمام الأمهات للتعبير عن مشاعرهن دون خوف أو حكم.
لماذا تغيب مشاعر الأمومة بعد الولادة؟ وما هي الكآبة البيضاء؟
كيف نفهم التجربة الأمومية

في هذا السياق، يقدّم التحليل النفسي بعداً مهماً في فهم التجربة الأمومية، من عدة جهات:
التعمّق في المشاعر غير المعلنة
إتاحة المساحة للتعمّق في المشاعر غير المعلنة، وفهم ما يكمن خلف القلق أو التوتر، لذلك يعتبر النوم الكافي، وطلب المساعدة، وتقاسم المسؤوليات، والتعبير عن المشاعر، واستعادة لحظات خاصة للذات- كلها ممارسات أساسية تسهم في الحفاظ على التوازن. فالأمومة رحلة طويلة، تحتاج إلى دعم مستمر، وتعاطف مع الذات، ووعي بأن التحديات جزء طبيعي منها.
إزالة مشاعر الذنب لدى غالبية الأمهات
عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض، بل السعي للكشف عن جذور المشاعر، مثل الخوف من عدم الكفاية، أو الشعور بالذنب عند الرغبة في الحفاظ على مساحة شخصية، حيث تظل الأمومة رحلة إنسانية غنية بالتحديات والتحوّلات، لكنها أيضاً مساحة للنمو واكتشاف الذات من جديد. وكلما حظيت الأم بالدعم والفهم، أصبحت أكثر قدرة على خوض هذه التجربة بثقة وطمأنينة. إن الاستثمار في صحة الأم النفسية ليس خياراً ثانوياً، بل هو أساس لبناء أسرة متوازنة ومجتمع أكثر وعياً واحتواءً.
التمييز بين حب الطفل والشعور بالإرهاق
فهم التناقض الطبيعي بين حب الطفل والشعور بالإرهاق. هذه المشاعر، التي قد تبدو مربكة، هي في الواقع جزء طبيعي من التجربة الإنسانية للأمومة، والاعتراف بها يساعد على تخفيف حدّتها والتعامل معها بشكل صحي، لذلك، من الضروري أن تتحدث الأم بصراحة عن حالتها النفسية منذ المراحل الأولى بعد الولادة، وأن تدرك أن طلب الدعم هو علامة قوة لا ضعف. فهي ليست وحدها في هذه الرحلة، والعناية بنفسها هي أعمق أشكال العناية بطفلها، والأساس الذي تُبنى عليه علاقة صحية ومستقرة تمتد لسنوات قادمة.
اللجوء لجلسات استشارية أو مجموعات دعم

توفير مساحة آمنة للأم للتعبير عن نفسها، سواء من خلال جلسات استشارية أو مجموعات دعم، يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في تجربتها. فهذه المساحات تمنحها الفرصة للحديث عن ذاتها، عن مخاوفها وتطلعاتها، بعيداً عن التركيز الحصري على دورها كأم. وفي ظل هذا الفهم، يصبح الاهتمام بالصحة النفسية للأم مسؤولية مشتركة، لا تقع على عاتقها وحدها، بل تشمل الأسرة والمجتمع والمؤسسات الصحية. فحين ندعم الأم، فإننا في الواقع ندعم الطفل أيضاً، ونؤسس لجيل أكثر توازناً وصحة.
ما مصير المرأة العربية؟
شهدت الدول العربية في خدمات الصحة النفسية تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت العديد من المؤسسات الصحية تقدّم دعماً متخصصاً للأمهات بعد الولادة، ضمن بيئة تراعي التنوع الثقافي وتفهم اختلاف الخلفيات. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة لمزيد من الجهود في كسر الحواجز الاجتماعية التي تمنع بعض النساء من طلب المساعدة.
تعلّق د. ميرنا شوبح: "هنا يبرز دور المحيط القريب من الأم، سواء الزوج أو الأسرة أو الأصدقاء، في توفير الدعم الحقيقي. فالسؤال البسيط "كيف حالكِ أنتِ؟" قد يكون له أثر عميق، لأنه يوجّه الاهتمام نحو الأم نفسها، لا فقط نحو الطفل. هذا النوع من الدعم العاطفي يمكن أن يغيّر بشكل كبير مسار تجربة الأمومة، وفي نهاية المطاف، من المهم إعادة التأكيد على أن العناية بالنفس ليست رفاهية، بل ضرورة. فالأم التي تعتني بصحتها النفسية والجسدية تكون أكثر قدرة على رعاية طفلها وتوفير بيئة آمنة ومستقرة له. وتشير نظريات علم النفس إلى أن جودة العلاقة بين الأم والطفل لا تعتمد على الكمال، بل على الحضور الحقيقي والوعي.


Google News