أنا دكتورة ريهام إسماعيل، أخصائية طب الأطفال في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة والأطفال، في مستشفى ميدكير للنساء والأطفال، وبصفتي طبيبة أطفال، كثيراً ما ألتقي بأولياء أمور يتساءلون عمّا إذا كانت الفحوصات الطبية المنتظمة لا تزال ضرورية بعد بلوغ طفلهم سن الثالثة. ففي السنوات الأولى من عمر الطفل، تكون هناك زيارات مجدولة بشكل متكرر تشمل التطعيمات والتقييمات التنموية. ولكن بعد مرحلة الطفولة المبكرة، يفترض الكثير من العائلات أن الفحص الروتيني لم يعد ضرورياً ما لم تظهر على الطفل أعراض مرضية، في هذا الموضوع أشرح أهمية الفحوصات الطبية الأساسية للأطفال في سن الثالثة وما بعدها.

من منظور طبي، تُعد الفترة ما بين سن الثالثة وبداية مرحلة المراهقة من أكثر المراحل ديناميكية في نمو الطفل، بدنياً وعقلياً واجتماعياً. وتوفّر الفحوصات المنتظمة خلال هذه السنوات فرصة مهمة لمتابعة هذا النمو، والكشف المبكر عن أي مؤشرات مقلقة، وتوجيه الأسر نحو ترسيخ أسس الصحة الجيدة مدى الحياة.
لماذا تُعد الفحوصات الروتينية مهمة بعد سن الثالثة؟
خلال الفترة ما بين سن الثالثة والثانية عشرة، يمر الأطفال بتغيّرات سريعة في النمو، والمهارات الحركية، والتواصل، والتعلّم، والسلوك، والتطور العاطفي. وهناك العديد من الحالات الصحية التي قد لا تكون واضحة داخل البيئة المنزلية، لكنها تُكتشف من خلال الفحص الطبي المنهجي. وبالنسبة لنا كأطباء أطفال، تتيح لنا هذه الزيارات فرصة لمراجعة الحالة الصحية العامة للطفل، والتأكد من تحقيقه للمراحل النمائية المتوقعة، وتقديم الدعم والإرشاد العلمي المستند إلى الأدلة للوالدين.
ولا تقتصر أهمية هذه الفحوصات على الكشف عن أمراض الطفولة الشائعة فحسب، بل تكمن أيضاً في الوقاية، والتدخّل المبكر، وضمان حصول كل طفل على أفضل انطلاقة ممكنة نحو نمو صحي وسليم.
ما الذي تتضمنه الفحوصات الروتينية عادة؟

تُخصّص كل استشارة طبية وفقاً لعمر الطفل واحتياجاته، لكنها تشمل بشكل عام تقييم النمو والتغذية، إذ تُعد أنماط النمو من المؤشرات الأساسية على صحة الطفل. وخلال الفحص الروتيني، يتم قياس الطول، والوزن، ومؤشر كتلة الجسم (BMI)، ومقارنتها بالمخططات النمائية المعيارية. وتساعد هذه المؤشرات في تقييم كفاية التغذية، ومخاطر الإصابة بسوء التغذية أو زيادة الوزن، والإمكانات الجينية للنمو، إلى جانب رصد أي تغيّرات قد تستدعي تقييماً إضافياً.
كما نناقش خلال الفحص العادات الغذائية، والشهية، وأنماط النوم، وأي مخاوف تتعلق بالتغذية، وذلك لضمان حصول الطفل على تغذية متوازنة تدعم نموه الصحي. وتشمل الفحوصات أيضاً تقييم النظر والسمع، إذ قد تمر بعض صعوبات الإبصار أو السمع من دون ملاحظة في المنزل أو المدرسة، ما يجعل الكشف المبكر أمراً بالغ الأهمية، نظراً لتأثير هذه المشكلات غير المعالجة على التعلم والسلوك والتطور الاجتماعي. ويهدف فحص النظر إلى الكشف عن أخطاء الانكسار، أو كسل العين، أو اضطرابات في المحاذاة البصرية، في حين تساعد فحوصات السمع المنتظمة على ضمان عدم تأثر تطوّر النطق واللغة لدى الطفل بمشكلات سمعية غير مكتشفة.
ويشمل الفحص الروتيني أيضاً التقييم النمائي والسلوكي، إذ يمر الأطفال بعد سن الثالثة بمراحل متسارعة من التطور في مهارات التواصل، والحركة، والتعبير العاطفي، والتفاعل الاجتماعي. وتُوفّر هذه الفحوصات فرصة لأطباء الأطفال لمتابعة التقدّم النمائي والكشف المبكر عن مؤشرات قد تستدعي القلق، مثل تأخر في النطق أو اللغة، أو صعوبات في التعلم، أو مشكلات في الانتباه والتركيز، أو تحديات عاطفية وسلوكية.
أهم الفحوصات اللازمة

يساعد الاكتشاف المبكر لهذه الحالات في تقديم الدعم والإرشاد المناسبين في الوقت المناسب، مما ينعكس إيجاباً على تطور الطفل ونتائجه المستقبلية.
مراجعة صحة الفم والأسنان
تلعب صحة الفم والأسنان عند الطفل دوراً أكبر في الصحة العامة للطفل مما يدركه الكثير من الأهل. وتشمل الفحوصات الروتينية للأطفال مناقشة عادات النظافة الفموية، وتقييم العلامات المبكرة لتسوس الأسنان، وتقديم التوجيه للأسر حول سبل الوقاية والعناية السليمة بصحة الفم منذ المراحل الأولى.
مراجعة التطعيمات
حتى بعد سن الثالثة، قد يحتاج الأطفال إلى جرعات تعزيزية من بعض اللقاحات. وخلال الزيارات الروتينية، نقوم بمراجعة سجل التطعيمات للتأكد من أن جميع الجرعات مُحدّثة ومتوافقة مع الجداول الوطنية المعتمدة.
الفحص البدني العام
يشمل هذا الفحص التحقق من أصوات القلب والرئتين، وفحص منطقة البطن، والتهاب الجلد عند الطفل وصحة الشعر، بالإضافة إلى تقييم حالة الجسم واستقامة العمود الفقري، والتنسيق الحركي. وتُسهم هذه الفحوصات في الكشف عن مشاكل صحية قد لا تكون قد ظهرت عليها أعراض بعد، مما يتيح التدخل المبكر عند الحاجة.
دعم الأهل من خلال التوعية الصحية

يُشكّل توجيه الأهل جزءاً أساسياً من دوري كطبيبة أطفال، إذ أحرص خلال الفحوصات الدورية على مناقشة مواضيع صحية تؤثر بشكل مباشر في حياة الطفل اليومية. وغالباً ما تشمل هذه الحوارات الحديث عن روتين النوم، والتغذية السليمة والترطيب، والمستويات الآمنة لاستخدام الشاشات، والنشاط البدني المناسب للعمر، والصحة العاطفية والتطور الاجتماعي، ومدى استعداد الطفل للمدرسة والدعم الأكاديمي، إلى جانب كيفية التعامل مع الأمراض البسيطة في المنزل. وتُسهم هذه النقاشات في تعزيز وعي الأهل وبناء ثقتهم في التعامل مع مختلف جوانب نمو الطفل وتطوره.
مؤشرات تستدعي مراجعة طبية فورية
على الرغم من أهمية الفحوصات الروتينية، فإن هناك علامات معيّنة يجب أن تدفع الأهل إلى طلب الاستشارة الطبية في وقت مبكر. ومن بين هذه المؤشرات: الشعور المستمر بالتعب، ضعف الشهية، أو تغيرات غير مبررة في الوزن، تكرار الإصابة بالعدوى، تغيرات في السلوك أو المزاج أو التفاعل الاجتماعي، تأخر في النطق أو صعوبة في نطق الكلمات بوضوح أو فهم التعليمات، صعوبات في التنسيق الحركي أو المشي، أو مواجهة صعوبة في الرؤية داخل الصف أو كثرة التحديق أو إغلاق العينين. ويجب ألا يتردد الأهل في طلب المشورة الطبية متى شعروا أن هناك شيئاً غير طبيعي، فملاحظاتهم في المنزل تُعد مصدراً بالغ الأهمية في الكشف المبكر عن المشكلات الصحية.
دور الفحوصات السنوية
بالنسبة للأطفال من سن الثالثة فما فوق، يُوصى بإجراء فحص طبي سنوي في معظم الحالات السريرية. وتُتيح هذه الزيارات لأطباء الأطفال متابعة التغيرات التي تطرأ مع مرور الوقت، والتأكد من أن النمو والتطور يسيران في المسار الصحيح.
حتى في حال بدا الطفل بصحة جيدة، تُسهم الفحوصات السنوية في التأكد من أن أجهزة الجسم المختلفة -مثل الجهاز القلبي الوعائي، والجهاز التنفسي، والجهاز العصبي، والجهاز العضلي الهيكلي- تعمل بشكل طبيعي كما هو متوقَّع.
ترسيخ نهج الرعاية الوقائية مدى الحياة
إن تشجيع الأطفال على إجراء الفحوصات الصحية بانتظام منذ سن مبكرة يُسهم في تعزيز علاقتهم الإيجابية مع منظومة الرعاية الصحية، فمع مرور الوقت يزداد شعورهم بالثقة أثناء الفحوصات الطبية، ويتراجع لديهم الخوف من الأجواء العلاجية، كما يزداد وعيهم بصحتهم واحتياجاتهم الجسدية والنفسية.
بصفتنا أطباء أطفال، لا يقتصر دورنا على علاج الأمراض فحسب، بل يشمل أيضاً ترسيخ أسس صحية قوية تمهّد لحياة سليمة في مرحلة البلوغ، فالعادات التي يكتسبها الطفل منذ الصغر -مثل العادات الغذائية السليمة للأطفال، والنشاط البدني، والنوم المنتظم، والمتابعة الطبية الدورية- تُثمر عن فوائد طويلة الأمد؛ تنعكس إيجاباً على صحته وجودة حياته مستقبلاً.
كلمة ختامية من طبيبة أطفال

من واقع خبرتي، تُعد الفحوصات الروتينية للأطفال، بدءاً من سن الثالثة وما فوق، جزءاً أساسياً من منظومة الرعاية الوقائية، فهي تتيح لنا متابعة النمو، ودعم التطوّر النمائي، والكشف المبكر عن أي مشكلات صحية قبل أن تؤثر في الحياة اليومية أو أداء الطفل الدراسي.
رغم أن كل طفل يختلف عن الآخر، فإن كل طفل يستحق المتابعة الطبية المنتظمة التي تمنحه الطمأنينة والرعاية المناسبة. ومن خلال الفحوصات الدورية في الوقت المناسب، والتواصل المفتوح بين الأهل ومقدّمي الرعاية الصحية، يمكننا دعم الأطفال لتحقيق أقصى إمكاناتهم على المستويات الجسدية والعاطفية والاجتماعية.
العناية بصحة الطفل هي مسؤولية مشتركة بين الأسر ومقدّمي الرعاية الصحية. ومن خلال خطوات مدروسة وتعاون فعّال، يمكننا تمكين كل طفل من التقدّم بثقة نحو مستقبل صحي ومزدهر.






