عندما نتحدث عن سنّ اليأس، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى الأعراض الجسدية المعروفة، مثل الهبّات الساخنة، التعرّق الليلي، اضطرابات النوم وتغيّر الدورة الشهرية. لكن هذه المرحلة من حياة المرأة لا تتوقف آثارها عند حدود الجسد؛ إذ يمكن للتغيرات الهرمونية المصاحبة لها أن تنعكس بشكل واضح على الحالة النفسية والعاطفية، فتؤثر في المزاج، والثقة بالنفس، والعلاقات، وحتى نظرة المرأة إلى ذاتها وحياتها اليومية كما تشير اختصاصية علم النفس فانيسا حداد من خلال هذا المقال لـ "سيدتي".

سن اليأس مرحلة طبيعية
سنّ اليأس ليس مرضًا، بل مرحلة طبيعية تحدث عندما تتراجع وظيفة المبايض وتنخفض مستويات هرموني الإستروجين والبروجسترون، ما يؤدي في النهاية إلى انقطاع الدورة الشهرية. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى هذه المرحلة، المعروف بإسم مرحلة ما قبل سنّ اليأس، قد يكون مليئًا بالتغيرات التي تحتاج إلى فهم ودعم، وليس إلى تجاهل أو اعتبارها مجرد "تقلبات طبيعية".
عندما تتغير الهرمونات.. يتغير المزاج

للهرمونات الجنسية تأثير في الدماغ والمواد الكيميائية المرتبطة بتنظيم المزاج. لذلك، يمكن للتغيرات الهرمونية خلال مرحلة الانتقال إلى سنّ اليأس أن تجعل بعض النساء أكثر عرضة لتقلبات المزاج، والانفعال، والقلق أو الشعور بالحزن.
قد تلاحظ المرأة أنها أصبحت أكثر حساسية تجاه مواقف كانت تتعامل معها بسهولة في السابق، أو أنها سريعة الغضب، أو تشعر بأنها لا تملك الطاقة النفسية نفسها التي كانت تتمتع بها. قد تظهر هذه التغيرات بشكل تدريجي، بحيث يصعب أحيانًا الربط بينها وبين سنّ اليأس.
كما أن اضطرابات النوم، وهي من الأعراض الشائعة في هذه المرحلة، يمكن أن تزيد الأمر تعقيدًا. فقلة النوم لا تؤثر في الطاقة والتركيز فقط، بل قد تجعل التحكم بالمشاعر أكثر صعوبة وتزيد التوتر والقلق وسرعة الانفعال.
القلق والاكتئاب.. أكثر من مجرد "مزاج سيئ"

لا يعني سنّ اليأس أن كل امرأة ستصاب بالاكتئاب أو القلق، لكن بعض النساء قد يكنّ أكثر عرضة لظهور هذه الأعراض، خصوصًا إذا كنّ قد مررن سابقًا بنوبات اكتئاب أو اضطرابات مزاجية.وقد يظهر القلق في صورة تفكير مفرط، توتر مستمر، صعوبة في الاسترخاء أو شعور مبهم بأن شيئًا سيئًا سيحدث. أما الاكتئاب فقد يظهر من خلال فقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت تمنح المرأة المتعة، الانسحاب الاجتماعي، الشعور بالفراغ أو اليأس، انخفاض الطاقة وتغيّر الشهية أو النوم.
ومن المهم هنا عدم اختزال كل هذه الأعراض بعبارة “هذا بسبب سنّ اليأس”. فالتغيرات النفسية تستحق التقييم والاهتمام، خصوصًا عندما تكون شديدة أو مستمرة وتبدأ بالتأثير في الحياة اليومية.
صورة الجسد والهوية
لا ترتبط الصحة النفسية في هذه المرحلة بالهرمونات وحدها. فسنّ اليأس يأتي أحيانًا في فترة تشهد فيها المرأة تغيرات أخرى في حياتها: خروج الأبناء من المنزل، تغير طبيعة العمل، مسؤوليات تجاه الوالدين، أو تحولات في العلاقة الزوجية. إضافة إلى ذلك، قد تتغير بعض ملامح الجسم، مثل توزيع الدهون، والجلد والشعر والوزن والرغبة الجنسية. وقد يجعل ذلك بعض النساء يشعرن بأنهن يفقدن جزءًا من صورتهن السابقة أو جاذبيتهن.
لكن سنّ اليأس لا يعني نهاية الأنوثة أو الجاذبية أو الحياة العاطفية. إنه انتقال بيولوجي، وليس حكمًا على قيمة المرأة أو هويتها. الطريقة التي تنظر بها المرأة إلى هذه المرحلة يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تجربتها النفسية خلالها.
ماذا يمكن أن يساعد؟
الخطوة الأولى هي فهم ما يحدث بدل الخوف منه أو إنكاره. معرفة أن بعض الأعراض قد تكون مرتبطة بمرحلة الانتقال الهرموني يمكن أن تمنح المرأة شعورًا أكبر بالسيطرة والفهم.
ما يمكن أن يساعد الحفاظ على نمط حياة صحي، بما في ذلك النشاط البدني المنتظم، النوم الكافي قدر الإمكان، التغذية المتوازنة وتقليل مصادر التوتر. وتبقى العلاقات الاجتماعية الداعمة مهمة جدًا؛ فالتحدث مع أشخاص موثوقين ومشاركة التجربة بدل عيشها بصمت يمكن أن يخففا الكثير من الضغط النفسي.
وفي بعض الحالات، قد يكون الدعم النفسي مع اختصاصي صحة نفسية مفيدًا، خصوصًا عند وجود قلق مستمر، اكتئاب، مشاكل في صورة الجسد أو صعوبات في العلاقات. كما يمكن للطبيب تقييم الأعراض الجسدية والهرمونية ومناقشة الخيارات العلاجية المناسبة لكل امرأة بحسب حالتها الصحية.
مرحلة جديدة وليست نهاية
سنّ اليأس ليس مجرد لحظة تتوقف فيها الدورة الشهرية، بل مرحلة انتقالية يمكن أن تحمل تغيرات جسدية ونفسية واجتماعية في الوقت نفسه. لذلك، فإن الاهتمام بصحة المرأة خلالها يجب ألا يقتصر على علاج الهبّات الساخنة أو الأعراض الجسدية، بل يجب أن يشمل أيضًا صحتها النفسية والعاطفية.
الأهم أن نتوقف عن التعامل مع المعاناة النفسية في هذه المرحلة باعتبارها أمرًا يجب على المرأة تحمّله بصمت. طلب المساعدة ليس علامة ضعف، كما أن التغيرات النفسية ليست مبالغة أو “دلالًا”. إنها جزء محتمل من تجربة بيولوجية وإنسانية معقدة تستحق الفهم والرعاية.
فكما نعتني بالجسد عندما يتغير، نحتاج أيضًا إلى أن نمنح العقل والمشاعر المساحة نفسها من الاهتمام. وقد يكون سنّ اليأس، رغم تحدياته، بداية لمرحلة جديدة أكثر وعيًا بالذات، واحتياجاتها، وصحتها، وما يجعلها تشعر بالتوازن والرضا.
من المهم التعرّف الى كيفية الوقاية من مشاكل العظام خلال فترة انقطاع الطمث.
* ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، يجب استشارة طبيب مختص.

Google News