يمرّ العديد من الأمهات، خاصة في الثلث الأخير من الحمل، بحالة من الارتباك الشديد عند الشعور بآلام البطن، حيث يصعب التمييز أحياناً بين التقلصات الناتجة عن اضطرابات الجهاز الهضمي والغازات، وبين انقباضات الرحم التي تسبق المخاض. من الضروري جداً فهم أن "حرقة المعدة" أو آلام الانتفاخ قد تظهر في أي مرحلة من مراحل الحمل؛ نتيجة التغيرات الهرمونية وضغط الجنين على الأمعاء، بينما التقلصات الحقيقية هي عملية فيزيولوجية؛ تهدف لتحضير الجسم للولادة. إن إدراك الفروق في توقيت الألم، ومكانه، وطبيعة الإحساس به، يساعد الأم على اتخاذ القرار الصحيح بالتوجه إلى المستشفى، أو الاكتفاء ببعض الراحة في المنزل، مما يقلل من التوتر والقلق المرتبط بإنذارات الولادة الكاذبة.
طبيعة الألم وحدّته بين العشوائية والانتظام

تتميز آلام حرقة المعدة والغازات بأنها غالباً ما تكون حادة ومفاجئة، لكنها تفتقر إلى أي نمط زمني محدد، فهي تأتي وتختفي بشكل عشوائي تماماً. قد تشعر الأم بطعنات قوية في مناطق متفرقة من البطن، ويصاحب ذلك شعور عام بالامتلاء والثقل نتيجة تراكم الغازات، وهو ما يشبه آلام الدورة الشهرية لكن بحدة متفاوتة. في المقابل، تتبع انقباضات الولادة نمطاً تصاعدياً ومنتظماً للغاية؛ فهي تبدأ خفيفة ثم تزداد قوتها تدريجياً حتى تصل إلى ذروتها قبل أن تتلاشى، وتتكرر بانتظام كل عدة دقائق. هذا التسلسل الزمني هو المفتاح الذهبي للتمييز، حيث يمكن للأم استخدام ساعة توقيت لمراقبة الفترات الفاصلة، فإذا كان الألم يزورها بانتظام وثبات، فمن المرجح أن يكون مخاضاً حقيقياً.
ربما تودين التعرف إلى 7 طرق للتعامل مع التقلصات الرحمية أثناء الحمل.. وانتبهي لأسبابها
تأثير الحركة والنشاط البدني على مستوى الألم
يعتبر رد فعل الجسم تجاه الحركة اختباراً فعالاً لتحديد نوع التقلصات؛ ففي حالات آلام الجهاز الهضمي والانتفاخ، غالباً ما تُسهم الحركة الخفيفة، مثل المشي أو تمارين التمدد البسيطة، في تخفيف الألم بشكل ملحوظ؛ عبر مساعدة الغازات على التحرك والخروج، كما أن الذهاب إلى المرحاض والتبول أو التبرز؛ يؤدي عادة إلى راحة فورية وزوال المغص الهضمي. أما في حالة انقباضات الرحم التحضيرية أو الحقيقية، فإن الحركة أو تغيير طريقتك في الجلوس أو الوقوف لا يؤديان أبداً إلى تخفيف الألم أو إيقافه، بل قد تزداد حدة التقلصات مع النشاط البدني. لذا، إذا شعرتِ بأن الألم يتلاشى بمجرد المشي قليلاً في أرجاء الغرفة؛ فمن المؤكد تقريباً أنها مجرد تقلصات طبيعية ناتجة عن الغازات.
ارتباط الألم بنوعية الغذاء المتناول مؤخراً
تلعب العادات الغذائية دوراً رئيسياً في ظهور التقلصات الطبيعية أثناء الحمل، لذا يجب على الأم مراجعة قائمة طعامها عند الشعور بألم مفاجئ في البطن. هناك مجموعة من الأطعمة المعروفة بقدرتها على توليد الغازات والانتفاخ، مثل المقليات، الأطعمة الحارة، البقوليات كالفاصوليا، وبعض الخضروات مثل البروكلي والقرنبيط. إذا بدأت الآلام بعد وقت قصير من تناول وجبة غنية بهذه المكونات، فمن المرجح أن الجهاز الهضمي يكافح للتعامل مع الغازات والضغط الناجم عنها. هذا النوع من الألم يتركز في الأمعاء وليس في عضلة الرحم نفسها، ولا يصاحبه الشعور بالشد العضلي القوي الذي يميز تقلصات ما قبل الولادة، مما يجعله أمراً عارضاً يمكن السيطرة عليه بتعديل النظام الغذائي.
ملمس البطن وصلابة عضلات الرحم

يعدّ فحص ملمس البطن باليد أثناء الألم وسيلة تشخيصية مهمة للأمهات؛ ففي حالة انقباضات المخاض، تنقبض عضلات الرحم بالكامل وبشكل مكثف، مما يجعل البطن بأكمله يبدو صلباً جداً ومشدوداً كالحجر تحت يد الأم، ثم يلين تدريجياً بعد انتهاء الانقباضة. هذا الشعور بـ "الضيق" العضلي هو السمة البارزة للولادة، حيث يعمل الرحم على دفع الجنين للأسفل. أما في حالات حرقة المعدة والغازات، فقد تشعر الأم بانتفاخ في منطقة معينة أو تمدد في الجلد؛ نتيجة ضغط الهواء الداخلي، لكن البطن لا يتصلب بشكل دوري ومنتظم في جميع أنحائه كما يحدث في المخاض. فالغازات تسبب شعوراً بالانزعاج الداخلي من دون إشراك عضلات الرحم في هذا النشاط العضلي المجهد.
ظهور العلامات الجسدية المصاحبة للمخاض
لا تأتي انقباضات الولادة الحقيقية بمفردها عادة، بل ترافقها مجموعة من العلامات الجسدية التي تؤكد أن الجسم يستعد فعلياً لاستقبال المولود. من أبرز هذه العلامات ظهور إفرازات متغيرة، أو ما يُعرف بـ "السدادة المخاطية"؛ التي قد تكون مصحوبة بمسحات خفيفة من الدم، بالإضافة إلى الشعور بضغط شديد في منطقة الحوض أو آلام مستمرة في أسفل الظهر. أما آلام الغازات والتقلصات المعوية، فتظل محصورة في منطقة البطن ولا يرافقها أي تغير في الإفرازات أو ضغط الحوض. غياب هذه العلامات المصاحبة يشير بقوة إلى أن الأمر لا يتعدى كونه مشكلة هضمية عابرة أو ما يُسمى بتقلصات "براكستون هيكس" (الطلق الكاذب) التي لا تؤدي لفتح عنق الرحم.
استجابة الألم للراحة والتبول
تعتبر الاستجابة للراحة والقيام بالوظائف الحيوية معياراً نهائياً للتمييز بين نوعي التقلصات؛ فآلام الغازات والانتفاخ غالباً ما تنتهي بمجرد التخلص من الفضلات أو الغازات الزائدة، حيث يشعر الجسم براحة فورية، ويعود البطن لحالته الطبيعية. كما أن الاستلقاء بطريقة معينة قد يساعد في تهدئة المغص الهضمي بشكل كبير. في المقابل، فإن تقلصات المخاض الحقيقية تتسم بالاستمرارية والقوة ولا تتأثر بالراحة أو الذهاب للمرحاض، بل تستمر في التكرار بنسق ثابت ومزعج. إذا استمر الألم لأكثر من ساعة -رغم محاولات الراحة وتغيير طريقتك في الجلوس أو الوقوف، وكان يزداد في شدته وتقارب فتراته الزمنية- فمن الضروري الاتصال بالفريق الطبي فوراً؛ للتحقق من مكان الجنين وعنق الرحم.
متى يجب الذهاب إلى الطبيب؟
عليكِ بدليل الطوارئ المختصر والمباشر، والذي يوضح الحالات التي تتطلب التوجه فوراً إلى المستشفى، أو الاتصال بطبيبكِ الخاص من دون تأخير، بغض النظر عن طبيعة التقلصات التي تشعرين بها:
- نزول الماء (انفجار كيس السائل الأمنيوسي): إذا شعرتِ بتدفق مفاجئ للسوائل أو حتى تسريب مستمر وبسيط، فهذا يعني ضرورة التوجه للمستشفى فوراً؛ لتجنب حدوث عدوى، حتى لو لم تشعري بأي آلام أو انقباضات.
- النزيف: أي ظهور لدم أحمر صريح (بكمية تشبه الدورة الشهرية أو أكثر) هو حالة طارئة تستوجب الفحص الفوري للاطمئنان على سلامة المشيمة والجنين.
- انخفاض حركة الجنين: إذا لاحظتِ أن طفلكِ يتحرك بشكل أقل من المعتاد أو توقف عن الحركة تماماً لفترة، يجب إجراء تخطيط لقلب الجنين فوراً؛ للتأكد من وصول الأكسجين والغذاء له بشكل سليم.
- انقباضات منتظمة وقوية قبل الأسبوع 37: إذا شعرتِ بتقلصات تتكرر أكثر من 4 مرات في الساعة الواحدة وأنتِ لم تصلي بعد للشهر التاسع، فقد تكون هذه علامة على ولادة مبكرة، تتطلب تدخلاً طبياً لإيقافها.
- ألم شديد ومستمر في البطن: إذا كان الألم لا يزول أبداً (إذا كان مستمراً وليس على شكل موجات) أو إذا كان البطن صلباً جداً ولا يلين بين التقلصات، فهذا يستدعي فحصاً عاجلاً.
- أعراض تسمم الحمل: مثل الصداع الشديد الذي لا يزول بالمسكنات، زغللة العين، أو ظهور بقع أمام الرؤية، وتورم مفاجئ وكبير في الوجه واليدين.
* ملاحظة من «سيدتي»: قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليكِ استشارة طبيب متخصص.






