كثيراً ما يلاحظ الآباء أن بعض أطفالهم ينسون الأشياء بشكل متكرر، سواء كانت واجبات مدرسية، أو مواعيد، أو حتى الأشياء اليومية الصغيرة مثل مكان اللعب أو حقيبة المدرسة. ما يثير قلقهم، ويوقعهم في حيرة من أمرهم والسؤال: هل كثرة النسيان عند الأطفال ظاهرة طبيعية ضمن مراحل النمو؟ أم أنها إنذار لمشكلة صحية أو سلوكية تستدعي التدخل؟
في هذا التقرير يستعرض الدكتور أحمد الشاذلي أستاذ طب نفس الطفل التفاصيل العلمية والطبية والنفسية المرتبطة بكثرة النسيان عند الأطفال، وأسبابها المحتملة، والفرق بين النسيان الطبيعي والآخر المقلق لدرجة الخوف وأشبه لإنذار، وكيفية التعامل بطريقة عملية.
ذاكرة الطفل

علمياً: الذاكرة عند الأطفال ليست مكتملة - ناضجة- كما عند البالغين؛ حيث تتطور القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات وتنظيمها تدريجياً خلال سنوات الطفولة.
وتنقسم الذاكرة إلى:
- قصيرة المدى: بمعنى أنها تحفظ المعلومات لفترة قصيرة، مثل رقم الهاتف أو خطوات لعبة.
- الذاكرة طويلة المدى: كحفظ المعلومات لفترات أطول، مثل أسماء الأصدقاء أو أحداث المدرسة.
- الذاكرة العاملة: القدرة على معالجة المعلومات واستخدامها في الوقت الحالي، مثل حل مسألة رياضية أثناء التفكير.
كثرة النسيان قد تظهر في أي نوع من هذه الذاكرات، وكل مرحلة عمرية لها طبيعة خاصة.
متى يكون النسيان طبيعياً؟

في كثير من الحالات، يكون النسيان جزءاً طبيعياً من نمو الدماغ، إليك بعض الأمثلة:
الأطفال الصغار (من 3 إلى 6 سنوات) لديهم قدرة محدودة على تذكر التفاصيل اليومية. بينما مرحلة المراهقة تشهد تغييرات عصبية تؤثر على الانتباه والذاكرة قصيرة المدى.
ضغط الدراسة أو كثرة الأنشطة اليومية قد يؤدي إلى نسيان مؤقت، كما أن عدم التركيز الكامل أثناء التعلم يجعل الطفل يحتفظ بالمعلومة بشكل غير ثابت.
وهذا النسيان الطبيعي غالباً ما يكون غير مقلق، ويحدث بشكل متقطع، ويقل تدريجياً مع مرور الوقت والخبرة.
أسباب شائعة للنسيان عند الأطفال

عوامل بيئية:
قلة النوم: النوم الجيد ضروري لترسيخ المعلومات في الذاكرة.
التغذية غير المتوازنة: نقص بعض الفيتامينات والمعادن قد يؤثر على التركيز والذاكرة.
الضغط النفسي أو القلق: الامتحانات، الخلافات الأسرية، أو ضغوط الأصدقاء تؤثر على قدرة الدماغ على حفظ المعلومات.
التركيز والانتباه:
النسيان غالباً مرتبط بعدم الانتباه وليس ضعف الذاكرة نفسه. مثال: إذا كان الطفل منشغلاً أثناء شرح المعلم، لن يتمكن من حفظ المعلومة بشكل جيد.
التشتت الرقمي:
الاستخدام المكثف للهواتف والأجهزة اللوحية يقلل من القدرة على التركيز، ويؤثر على الذاكرة العاملة. تعدد المؤثرات الصوتية والبصرية يُضعف قدرة الطفل على الاحتفاظ بالتفاصيل.
عوامل نفسية وسلوكية:
اضطرابات القلق أو التوتر النفسي قد تسبب نسياناً متكرراً. ضعف التنظيم الذاتي، مثل عدم ترتيب الواجبات أو الملاحظات، يؤدي إلى فقدان المعلومات.
علامات الإنذار: متى يتحول النسيان لأمر مقلق؟
ليس كل نسيان يستدعي القلق، لكن هناك علامات تحذيرية تستوجب زيارة طبية أو تربوية:
- نسيان مستمر ومتكرر: لا يختفي مع مرور الوقت أو التوجيه.
- تراجع مفاجئ في الأداء الدراسي: إذا كان الطفل متفوقاً سابقاً ثم أصبح ينسى بشكل كبير.
- نسيان التفاصيل اليومية المهمة: مثل أسماء الأصدقاء أو أحداث مهمة في المدرسة.
- صعوبات إضافية: مثل مشاكل في اللغة، التواصل، أو التفاعل الاجتماعي.
- تغير سلوكي ملحوظ: العصبية، الانطواء، أو قلة الاهتمام بالأنشطة المعتادة.
- وجود أيٍّ من هذه العلامات يستدعي استشارة طبيب أطفال أو أخصائي نفسي وتربوي.
الأسباب الطبية المحتملة للنسيان المزمن
في بعض الحالات النادرة، كثرة النسيان قد تكون نتيجة حالة طبية:
نقص فيتامين ب12: ضروري لصحة الأعصاب والذاكرة.
اضطرابات الغدة الدرقية: قد تؤثر على الانتباه والقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات.
اضطرابات النوم المزمنة: مثل انقطاع النفس أثناء النوم أو الأرق المستمر.
اضطرابات عصبية محددة: مثل ADHD (اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه)؛ حيث يؤثر على الانتباه والذاكرة.
صعوبة التركيز على المهام المدرسية: نسيان الواجبات والمواعيد بشكل متكرر، الحركة المفرطة والاندفاعية.
صعوبة في تنظيم الوقت والأشياء الشخصية: في هذه الحالات، يكون النسيان جزءاً من الصورة السلوكية الشاملة، ويحتاج إلى تقييم متخصص.
دور الأهل في التعامل مع النسيان
- المراقبة اليومية: تسجيل ملاحظات حول تكرار النسيان والأنشطة المصاحبة له.
- توفير بيئة منظمة: استخدام جداول، ملاحظات مكتوبة، وصناديق خاصة للواجبات.
- تعليم الطفل التنظيم الذاتي: تدريبه على ترتيب أغراضه وجدولة واجباته بطريقة عملية.
- التغذية والنوم: التأكد من نوم كافٍ ووجبات صحية غنية بالفيتامينات والمعادن.
- تقليل المشتتات: خفض وقت الأجهزة والشاشات أثناء الدراسة.
- التعزيز الإيجابي: مكافأة الطفل عند التذكر والنجاح في تنظيم أموره.
استراتيجيات تعليمية لتحسين الذاكرة
- التكرار المنتظم: مراجعة المعلومات يومياً يساعد على ترسيخها.
- التعلم باللعب: الألعاب التعليمية تدمج الحركة والمعلومة، مما يعزز الذاكرة.
- الربط البصري: استخدام صور ورسوم لتسهيل التذكر.
- تقسيم المعلومات: تقديم المعلومات على شكل أجزاء صغيرة يسهل تذكرها.
الفرق بين النسيان الطبيعي والنسيان المرضي
النسيان الطبيعي: متقطع ويظهر أحياناً. مرتبط بعدم التركيز أو التعب، لا يؤثر على التفاعل الاجتماعي، يتحسن مع التوجيه والتنظيم، التدخل المبكر أهم من الانتظار.
النسيان المرضي: مستمر ومتكرر، يظهر حتى عند التركيز، يؤثر على المدرسة، يحتاج لتقييم متخصص. والتدخل المبكر يمكن أن يُحسن الأداء الدراسي والاجتماعي.
التقييم الطبي يضمن عدم وجود مشاكل صحية تؤثر على الذاكرة. والتدخل التربوي يعزز التنظيم الذاتي ويقلل من الضغط النفسي.
نصائح للآباء:
- راقبوا نمط النسيان قبل القلق.
- شجعوا التنظيم والروتين بدل العقاب.
- تواصلوا مع المدرسة لمعرفة أي صعوبات دراسية.
- قدموا الدعم النفسي والاهتمام العاطفي.
- استشيروا مختصاً إذا لاحظتم علامات إنذار حقيقية.
* ملاحظة من"سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.

