تتحدث التقارير بشكل متكرر عن أن جيل زد هو الأكثر وعياً بالصحة النفسية، ورغم ذلك هم الأكثر أيضاً في الشعور بالإرهاق. هذا التناقض ناجم عن مجموعة من العوامل والمسببات المرتبطة بنمط حياة هذا الجيل.
هناك عدة أسباب تضافرت ونتج عنها الشعور بالإرهاق المزمن بين جيل من المفترض أنه في مقتبل حياته، منها الظروف الاقتصادية والاجتماعية وضغوط متعلقة بآثار الاستهلاك الرقمي المبالغ فيه.
إعداد: إيمان محمد
أسباب انتشار الإرهاق بين جيل زد
تشير الأبحاث إلى أن جيل زد صحيح قد يكون أكثر وعياً، ولكن هذا نفسه هو سبب الإصابة بالتفكير الزائد ومن ثم الخوف والقلق، ولكن الإرهاق المرتبط بجيل زد ليس نابعاً عن سمات شخصية بينما تغيرات واقعية متعلقة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية الراهن، مثل:
ضغوط المعيشة
وفقاً لتقرير "Deloitte" لعام 2025، يبدو أن تكلفة المعيشة هي الهاجس الأبرز في عقول أبناء جيل زد، ويعود ذلك إلى تعدد الأزمات الاقتصادية التي يشهدها العالم، فهناك فجوة بين الأجور وتكاليف الحياة الأساسية مثل السكن و التعليم.

انعدام الأمان المادي
تشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من جيل زد يعيشون في حالة قلق دائم من عدم القدرة على تغطية نفقاتهم الشهرية، وهذا الشعور لا يتوقف عند مجرد الإرهاق الذهني، بينما ينعكس على تفاصيل الحياة فالشاب يشعر أنه مضطر للعمل لعدد ساعات أطول لتأمين حياته، وهذا يترجم إلى إرهاق جسدي، وشعور مزمن يتعايش معه الشباب.
صعوبة التخطيط للمستقبل
نتيجة للضغوط الاقتصادية، بات من الصعب على الشباب التخطيط للمستقبل، قبل عقد من الآن كان الشباب يدخرون ويقبلون على شراء عقار أو الاستقلال المادي التام، لكن الآن بات هذا الأمر صعباً، ما يولد شعوراً بالإحباط و الإرهاق.
تدهور الصحة النفسية
تؤكد جمعية علم النفس الأمريكية (APA) في تقاريرها الدورية أن جيل زد يسجل أعلى مستويات التوتر المرتبطة بالقضايا العالمية. ويعود ذلك إلى أنهم جيل ولد في صراعات عالمية يتابعونها طول الوقت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.
قلق من نهاية العالم
تراكم الأزمات السياسية والبيئية، جعل الشباب من أبناء جيل زد يعتقدون أن نهاية العالم تقترب، الشعور بأن العالم يتجه نحو كوارث بيئية أو سياسية يخلق حالة من الاستنزاف العاطفي، حيث يشعر الشاب بأنه مطالب بإنقاذ الكوكب بينما هو لا يزال يكافح لبناء حياته الشخصية.
تأثير الجائحة
من التجارب الصعبة التي عاشها العالم، وتأثر بها كثيراً جيل زد، هي جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل ست سنوات، لكن المشكلة أن هذه التجربة غيرت النظرة للعالم، لا تزال آثار العزلة الاجتماعية التي فرضتها جائحة كورونا تؤثر على مهاراتهم الاجتماعية وقدرتهم على التأقلم، مما يجعل التفاعلات اليومية البسيطة تستهلك طاقة أكبر مما كانت عليه في السابق.
الاحتراق الوظيفي
تغيرت مفاهيم العمل جذرياً، وأصبح جيل زد يطالب ببيئات عمل تحترم الصحة النفسية، لكن الواقع غالباً ما يصطدم بتوقعات مغايرة. رصدت التقارير الدولية أن الاحتراق الوظيفي، هو السمة الأبرز لجيل زد في سوق العمل.
ثقافة التواجد الدائم
فيما يتعلق بالعمل أيضاً، غيرت أدوات التواصل الاجتماعي طريقة العمل، حيث لم يعد العمل له وقت محدد، بينما الشباب في حالة تواجد دائم، جيل زد يجد نفسه مطالباً بالرد على رسائل البريد الإلكتروني وتطبيقات العمل في أي وقت، مما يمنع الدماغ من الدخول في حالة الراحة العميقة.
البحث عن القيمة
جيل زد مطلع أكثر من الأجيال السابقة، لذلك لا يقبل أي وظيفة، بينما يبحث دائماً عن القيمة و الهدف، ويرفض بيئات العمل الضاغطة، ويعتبرها سامة. هذا الصراع الداخلي بين الحاجة للراتب والرغبة في تحقيق الذات يولد ضغطاً نفسياً كبيراً يظهر في صورة إرهاق جسدي ونفسي.
الإرهاق الرقمي
يتعرض جيل زد إلى نوع آخر من الإرهاق، وهو الإرهاق الرقمي، لكن علاقتهم بالتكنولوجيا هي سلاح ذو حدين. تشير التقارير إلى أن قضاء ساعات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط طردياً بزيادة معدلات القلق.
فخ المقارنة

التعرض المستمر لنسخ مثالية من حياة البشر يجعل جيل زد في حالة تقييم دائم لذواتهم. هذا السعي للوصول حالة الكمال، وهذا يستهلك طاقة ذهنية هائلة ويقلل من الرضا بالنفس.
التشتت المعلوماتي
التدفق الهائل للمعلومات والفيديوهات القصيرة، أدى إلى تقليل فترة الانتباه، مما يجعل المهام التي تتطلب تركيزاً طويلاً تبدو أكثر صعوبة وإرهاقاً مما كانت عليه للأجيال السابقة.
اضطرابات النوم
لا يمكن إغفال الجانب البيولوجي في هذا التقرير. يرتبط الإرهاق المستمر بجودة النوم، والتي تأثرت بشدة بنمط الحياة الحديث. وهنا يشار إلى أن الاعتماد الكثيف على الشاشات حتى ساعات متأخرة من الليل يؤثر على إفراز هرمون الميلاتونين، مما يؤدي لنوم غير مستقر.
إن معالجة هذا الإرهاق تتطلب من المؤسسات والمجتمعات إعادة النظر في أساليب العمل، وتوفير دعم حقيقي للصحة النفسية، وتقليل الضغوط الاقتصادية الملقاة على عاتق الشباب.
اقرأي أيضاً كيف تستعيدين تركيزك العميق في عصر التشتت الرقمي؟
