يختبر الأطفال مشاعرهم بعمق كبير، وغالباً ما تكون هذه المشاعر أكثر حدة مما يتوقعه أو يفهمه البالغون. فالطفل الذي يبكي بسهولة، أو يشعر بالإحباط بسرعة، أو يتفاعل بشكل قوي مع خيبات الأمل، أو يواجه صعوبة في تهدئة نفسه بعد الانفعال، غالباً ما يُوصف بأنه “طفل عاطفي”. ورغم أن هذا الوصف قد يحمل أحياناً دلالات سلبية لدى البعض، إلا أنه من الضروري التأكيد على أن الحساسية العاطفية عند الأطفال ليست ضعفاً، ولا تعني بالضرورة وجود خلل أو مشكلة نفسية. في الواقع، غالباً ما تعكس هذه الحالة طفلاً لا يزال في طور تعلّم كيفية فهم مشاعره والتعبير عنها وإدارتها بشكل سليم.

دكتور وليد العمر اختصاصي متمرس وخبير في مجال الطب النفسي، مستشفى ميدكير رويال التخصصي، يوضح للأمهات القارئات ما عليهن فعله.
خطوات أساسية للتعامل مع الطفل العاطفي
من المهم أن ندرك أن كل طفل يولد بطبيعة مختلفة، تُعرف في علم النفس بالمزاج أو “الطبع”. فبعض الأطفال يتمتعون بطبيعة هادئة وسهلة التكيّف مع التغيرات، بينما يكون آخرون أكثر حساسية، أو أكثر تعبيراً عن مشاعرهم، أو أسرع في الاستجابة للمثيرات من حولهم. وهذه الفروقات طبيعية تماماً وتشكل جزءاً من التنوع الإنساني في النمو والتطور. إلا أن الأطفال ذوي الحساسية العاطفية المرتفعة يحتاجون غالباً إلى قدر أكبر من الدعم والتوجيه، لمساعدتهم على فهم ما يشعرون به والتعامل معه بطريقة صحية ومتوازنة.
تجنّبي إطلاق التسميات السلبية عليه

مع وجود بيئة داعمة قائمة على الصبر والتفهّم، يمكن لهؤلاء الأطفال أن ينموا ليصبحوا أفراداً يتمتعون بالقوة النفسية، والثقة بالنفس، والذكاء العاطفي العالي.
تجنّبي إطلاق الألقاب السلبية عليه، وأولى الخطوات الأساسية في التعامل مع الطفل العاطفي هي تجنّب إطلاق التسميات السلبية عليه. فكلمات مثل “مبالغ فيه”، “صعب”، “حساس أكثر من اللازم”، أو “يسعى لجذب الانتباه” قد تبدو عابرة، لكنها تترك أثراً عميقاً في نفس الطفل على المدى الطويل. عندما يسمع الطفل هذه الأوصاف بشكل متكرر، قد يبدأ في تصديقها، ويشعر بأن هناك خطأ في طبيعته أو مشاعره، مما قد يؤثر سلباً على تقديره لذاته ويحدّ من قدرته على التعبير عن نفسه بحرية. لذلك، من المهم أن يستخدم الآباء لغة داعمة تعزز من فهم الطفل لذاته بدلاً من تقويض ثقته بنفسه.
اعترفي بمشاعره
بدلاً من الحكم عليه أو التقليل من مشاعر الطفل، من الأفضل الاعتراف بأن مشاعره حقيقية ومهمة، حتى وإن بدت مبالغاً فيها من وجهة نظر الكبار. فالطفل الذي يشعر بحزن شديد بسبب كسر لعبة مفضلة أو تغيير خطة كان ينتظرها، لا يبالغ في رد فعله، بل يعيش لحظة إحباط حقيقية بالنسبة له. الاعتراف بهذه المشاعر لا يعني القبول بالسلوكيات غير المناسبة، لكنه يرسل رسالة واضحة للطفل بأنه مفهوم ومسموع. ويمكن لعبارات بسيطة مثل “أرى أنك منزعج جداً” أو “أفهم أن هذا الأمر صعب عليك” أن تفتح باب التواصل وتساعد الطفل على تهدئة نفسه بشكل أسرع.
عبري أنت عن مشاعرك

كما أن الأطفال يتعلمون كيفية التحكم مع مشاعرهم من خلال ملاحظة سلوك البالغين من حولهم. فالآباء ومقدّمو الرعاية يشكلون النموذج الأول الذي يقتدي به الطفل في التعبير عن المشاعر. فإذا كان الكبار يتعاملون مع الضغوط بالصراخ أو الغضب أو التوتر المفرط عند الطفل، فمن المرجح أن يقلّد الطفل هذه الأنماط. أما إذا تعاملوا مع المواقف الصعبة بهدوء واتزان، فإنهم يرسخون لدى الطفل فكرة أن المشاعر القوية يمكن إدارتها بطرق آمنة وصحية.
ومن المهم الإشارة إلى أن الآباء لا يحتاجون إلى إخفاء مشاعرهم أو التظاهر بالكمال. بل على العكس، يمكن أن يكون من المفيد للطفل أن يرى أن الكبار أيضاً يمرّون بمشاعر مختلفة مثل الحزن أو القلق أو التوتر. لكن الفرق يكمن في طريقة التعبير عن هذه المشاعر. فعندما يقول أحد الوالدين: “أنا أشعر بالتوتر الآن، لذلك سأحاول أن أهدأ وأتنفس بعمق”، فإنه يقدّم نموذجاً عملياً للطفل حول كيفية إدارة المشاعر بشكل صحي.
التزمي بالروتين اليومي
يلعب الروتين اليومي دوراً مهماً في توفير الشعور بالأمان والاستقرار لدى الأطفال العاطفيين. فالتغيرات المفاجئة أو عدم الوضوح في الأحداث اليومية قد تزيد من شعورهم بالقلق أو التوتر. لذلك، فإن وجود جدول يومي منتظم يشمل أوقات النوم والطعام والدراسة والأنشطة العائلية تساعد الطفل على الشعور بالاطمئنان. كما أن تحضير الطفل مسبقاً لأي تغييرات متوقعة، مثل السفر أو تغيير المدرسة أو استقبال ضيوف، يمكن أن يقلل من حدة التوتر ويساعده على التكيف بشكل أفضل.
علميه مهارة تقنية التنفس العميق
إلى جانب ذلك، يحتاج الأطفال إلى تعلّم مهارات عملية تساعدهم على تنظيم مشاعرهم. فتنظيم العواطف ليس أمراً فطرياً، بل مهارة تُكتسب مع الوقت من خلال التدريب والممارسة. ومن أبسط هذه المهارات تقنية التنفس العميق، حيث يمكن تشجيع الطفل على أخذ أنفاس بطيئة وعميقة عند الشعور بالغضب أو التوتر. كما يمكن استخدام وسائل أخرى مثل العدّ، أو الرسم، أو الاستماع إلى موسيقى هادئة، أو الجلوس في مكان مريح وهادئ. بعض الأطفال قد يجدون الراحة في الأنشطة الحركية مثل المشي أو التمدد، أو حتى احتضان لعبة مفضلة تمنحهم شعوراً بالأمان.
ضعي حدوداً واضحة وعلميه التحكم بسلوكه

الهدف الأساسي ليس منع الطفل من الشعور بالمشاعر القوية، بل مساعدته على التعبير عنها بطريقة صحية ومقبولة. ومن المهم توضيح أن جميع المشاعر طبيعية ومقبولة، ولكن ليست كل السلوكيات لدى الأطفال كذلك. فالشعور بالغضب أمر طبيعي، لكن التعبير عنه من خلال الضرب أو الصراخ أو رمي الأشياء ليس سلوكاً مقبولاً. وعندما يتم وضع حدود واضحة بطريقة هادئة وثابتة، يتعلم الطفل أن يتحكم في سلوكه حتى في لحظات الانفعال.
امنحيه فرصة ليحل مشاكله بنفسه
ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض الآباء محاولة حل مشكلة الطفل بسرعة قبل أن يُمنح الفرصة للتعبير عن مشاعره. ففي كثير من الأحيان، يحتاج الطفل أولاً إلى أن يشعر بأنه مسموع ومفهوم. طرح أسئلة بسيطة مثل “ماذا حدث؟” أو “كيف شعرت عندما حصل ذلك؟” يساعد الطفل على التفكير في مشاعره والتعبير عنها، مما يجعله أكثر استعداداً لتقبل التوجيه والنصح.
استشيري اختصاصياً عند الضرورة
وفي بعض الحالات، قد تكون ردود الفعل العاطفية مؤشراً على الحاجة إلى دعم متخصص. فبينما تُعد الاضطرابات العاطفية جزءاً طبيعياً من نمو الطفل، إلا أن استمرارها بشكل مفرط وتأثيرها على حياة الطفل اليومية يستدعي الانتباه. فإذا بدأت هذه المشاعر تؤثر على أداء الطفل في المدرسة، أو على علاقاته الاجتماعية، أو على نومه وشهيته، أو على ثقته بنفسه، فمن الأفضل استشارة مختص.
تعرّفي إلى سبب مشكلته

أحياناً، قد يكون السلوك الانفعالي الزائد لدى الطفل مرتبطاً بعوامل خارجية مثل التعب، أو الجوع، أو الضغط، أو التعرض المفرط للمثيرات مثل الضوضاء أو الشاشات. وفي حالات أخرى، قد تعكس هذه الانفعالات وجود تحديات أعمق، مثل صعوبات في المدرسة، أو مشكلات في العلاقات مع الأصدقاء، أو تغييرات في البيئة الأسرية، أو مشاعر غير مفهومة لا يستطيع الطفل التعبير عنها بالكلمات.
من المهم أن نتذكر أن الأطفال لا يعبّرون دائماً عن مشاعرهم بشكل مباشر. فبدلاً من القول إنهم يشعرون بالقلق أو الحزن، قد يظهر ذلك من خلال سلوكيات مثل البكاء المتكرر، أو العصبية، أو الانسحاب، أو نوبات الغضب. لذلك، فإن التركيز على فهم ما وراء السلوك، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل عليه، يساعد في الوصول إلى السبب الحقيقي للمشكلة.
ماذا يحتاج الطفل العاطفي؟
نوبات غضب متكررة وشديدة، حزن مستمر، قلق مفرط، تغيّرات ملحوظة في النوم أو الشهية، أو سلوكيات لا تتناسب مع عمر الطفل. في هذه الحالات، يمكن للاختصاصيين مثل الأطباء النفسيين، أو الاختصاصيين النفسيين، أو المرشدين التربويين تقديم الدعم اللازم، ومساعدة الأسرة على فهم احتياجات الطفل ووضع استراتيجيات مناسبة للتعامل معه، كما الآتي:
- أشعري طفلك العاطفي بأنه محبوب ومقبول كما هو، دون شروط. يحتاج إلى أن يدرك أن مشاعره لا تجعله “صعباً” أو “زائداً على الحد”، بل هي جزء من شخصيته. والواقع أن العديد من الأطفال ذوي الحساسية العالية يكبرون ليصبحوا أفراداً يتمتعون بقدر كبير من التعاطف، والاهتمام بالآخرين، والإبداع، والقدرة على الفهم العميق.
- ادعمي الطفل العاطفي وهذا لا يعني تغيير طبيعته أو جعله أقل حساسية، بل يعني مساعدته على فهم ذاته والشعور بالأمان في التعبير عن مشاعره، مع تعليمه طرقاً صحية للتعامل معها. ويبقى الصبر، والثبات، والتعاطف، من أهم الأدوات التي يمكن للآباء استخدامها في هذه الرحلة.
- دعيه يشعر بأنه مسموع ومفهوم ومدعوم. وعندما يتعامل الكبار مع مشاعر الأطفال بهدوء وتعاطف بدلاً من الانتقاد أو التوبيخ، فإنهم يزرعون فيهم الثقة والقدرة على مواجهة التحديات. وهكذا يتعلم الطفل أن المشاعر ليست شيئاً يجب الخوف منه، بل هي جزء طبيعي من الحياة يمكن فهمه والتعامل معه، وأنه ليس وحده، بل محاط بدعم يساعده على النمو والتطور ليصبح نسخة أقوى وأكثر توازناً من نفسه.
تعرفي إلى تأثير التفاعلات العائلية في نمو الطفل العاطفي


Google News