عايشت سالومي موهونجا من كثب تجربة النساء اللواتي يتعافين من الولادة عدة مرات. في بداية مسيرتها المهنية، وفي أثناء عملها مساعدة تغذية في أقسام ما قبل الولادة وبعد الولادة في المستشفيات، لاحظت شيئاً أسهم بتشكيل طريقة تدريبها اليوم؛ وهو أن السيدات اللواتي واصلن الحركة —حتى بلطف وحذر— في أثناء الحمل تعافين بشكل أسرع، وشعرن بقوة أكثر، وحملن أنفسهن بثقة أكبر. أما بالنسبة للنساء اللواتي كان نشاطهن قليلاً؛ فغالباً ما عانين من الضعف والتعب والألم لشهور تلت ما بعد الولادة.

وقد أصبحت هذه الملاحظة منذ ذلك الحين أساس فلسفتها التدريبية. وما زالت حتى اليوم ترى النمط نفسه من خلال عملها مع العديد من النساء في فِت أن جلام، للياقة البدنية للسيدات في الإمارات والتابعة لمجموعة فورماتِف؛ مجموعة لياقة بدنية. "سيدتي وطفلك" قابلتها لتسألها، وحسب خبرتها، عن التمرين المناسب في أثناء الحمل والتعافي خلال فترة ما بعد الولادة.
تقول سالومي، حتى يومنا الحالي، ما يزال يُساء فهم الحمل ومرحلة ما بعد الولادة على نطاق واسع باعتبارهما فترات يجب على النساء التوقف فيها عن ممارسة الرياضة تماماً. وفي الواقع، فهي فرص مهمة للنساء للبقاء على اتصال بأجسادهن من خلال النشاط الحركي الآمن والموجه.
ما الذي يمكن أن يترتب على قلة أو انعدام النشاط؟

عندما تتوقف السيدات عن الحركة في أثناء الحمل، فربما تكون العواقب الجسدية كبيرة، حيث تضعف العضلات، ويصبح الجذع أقل نشاطاً، وينخفض استقرار منطقة الحوض. وغالباً ما يؤدي ذلك إلى آلام أسفل الظهر، وعدم راحة في الورك، وضعف في وضعية الجسد، وصعوبة في العودة إلى ممارسة الرياضة بعد الولادة.
ويمثل التعافي بعد الولادة عملية جسدية معقدة بالفعل؛ فبالنسبة للنساء اللواتي كن غير نشطات في أثناء الحمل، قد يستغرق التعافي وقتاً أطول بكثير —أحياناً تصل تلك الفترة إلى عامين قبل أن يشعرن بالقوة مرة أخرى. أما السيدات اللواتي حافظن على مستويات نشاط عالية في أثناء الحمل؛ فغالباً ما يختبرن فترات تعافٍ أقصر مدة وأكثر سلاسة ولفترات زمنية تتراوح بين ستة واثني عشر شهراً.
ويختلف كل حمل عن الآخر اختلافاً جذرياً؛ فالتاريخ الطبي للمرأة، وحملها السابق، وخلفيتها البدنية؛ كلها أمور تؤثر في نوع التمارين المناسبة لها خلال تلك الفترة. ولهذا السبب، يُعَدُّ التدريب الشخصي المتخصص مسألة ضرورية.
تمارين للحامل للحصول على: جسم مشدود طيلة فترة الحمل
ما مدى أهمية الحركة خلال تلك الفترة؟
ليس التمرين في أثناء الحمل للمحافظة على شكل جسم معين أو تحدي القدرات البدنية. إنه يدعم الجسم في أثناء تكيفه مع التغيرات الفسيولوجية الكبيرة التي تمر بها المرأة خلال تلك الفترة. وعندما أدرب النساء الحوامل، تكون الأهداف واضحة لديَّ: الحفاظ على الدورة الدموية وتجنب الجلطات في أثناء الحمل، ودعم مستويات الطاقة، وتقوية العضلات اللازمة في أثناء عملية الوضع، وحماية قاع الحوض، ودعم الصحة العاطفية.
تعمل الحركة على تحسين الدورة الدموية وعملية إيصال الأكسجين لجميع أنحاء الجسم؛ ما يساعد في تقليل التعب —خاصة خلال الثلث الأول من فترة الحمل عندما تكون مستويات الطاقة منخفضة غالباً. كما يساعد النشاط البدني على تقوية عضلات المؤخرة والوركين والظهر؛ ما يسهم بدوره في تقليل الانزعاج في أسفل الظهر الذي يحدث عادة مع تغير مركز ثقل الجسم.
وتمثل تقنيات التنفس جزءاً أساسياً آخر من التدريب قبل الولادة. التنفس الحجابي؛ أي توسيع التنفس عبر القفص الصدري بدلاً من الصدر، يمكن أن ينشط الجذع العميق ومنطقة قاع الحوض مع تنظيم الجهاز العصبي. كما يحسِّن ذلك إمداد الأكسجين للأم والطفل مع مساعدة النساء على الهدوء في أثناء عملية المخاض. وحتى العادات البسيطة يمكن أن تحدث فارقاً كبيراً؛ فالمشي اليومي لمدة 20 دقيقة مع تمارين التنفس يمكن أن يؤثر إيجابياً في الصحة الجسدية والنفسية في أثناء الحمل.
ماذا عن ممارسة التمارين خلال فترات الحمل المختلفة؟

غالباً ما يُساء فهم تدريب منطقة الجذع قبل الولادة؛ إذ لا يتعلق الأمر بعضلات البطن الظاهرة أو التمارين المكثفة، بل إن من الأفضل التركيز على بناء استقرار عميق يدعم العمود الفقري والطفل الذي ينمو في رحم الأم.
وخلال الثلث الأول من الحمل، يركز التدريب على تنشيط الجذع العميق، وبناء الوعي بمنطقة قاع الحوض، وتقوية عضلات المؤخرة. وفي الثلث الثاني من الحمل، ومع تغير مركز ثقل الجسم، يركز التدريب على الوضعية والتوازن وتمارين القوة التي يتم التحكم بدرجة حدتها. وبحلول الثلث الثالث والأخير من فترة الحمل، يتحول التركيز نحو الحفاظ على تمارين القوة الخفيفة، وتحسين حركة الوركين والكتفين، وتعزيز أنماط التنفس التي تدعم عملية المخاض.
إن من إحدى الحالات التي تعاني منها العديد من النساء في أثناء الحمل هي الانفصال في عضلات البطن الذي يحدث في أثناء تكيف الجسم مع نمو الجنين. وإن السيدات اللواتي يقمن بتمارين منتظمة لعضلات قاع الحوض والجذع العميق في أثناء الحمل غالباً ما يعانين من انفصال أقل حدة ويكون لديهن تعافٍ أكثر سلاسة بعد انتهاء الحمل. ولا تدرك الكثير من النساء بأن لديهن انفصالاً في عضلات البطن حتى يبدأن ممارسة الرياضة بعد الولادة ويشعرن بعدم الاستقرار، وهذا يبرز أهمية التدريب الموجه تحت إشراف المختصين قبل الولادة.
ما أسرار التعافي خلال فترة ما بعد الحمل وإعادة بناء القوة البدنية؟
تُعتبر فكرة تعافي النساء فوراً بعد الولادة غير واقعية على الإطلاق، وغالباً ما تكون ضارة. إن التعافي الحقيقي يتم بشكل تدريجي ومنظم. وبعد موافقة الطبيب، يبدأ التدريب بعد الولادة عادة بتمارين التنفس واستعادة عضلات قاع الحوض؛ إذ تعيد هذه التمارين الأساسية بناء الجذع العميق قبل الانتقال إلى تدريب القوة الوظيفي.
إن السيدات اللواتي حافظن على بعض النشاط في أثناء الحمل غالباً ما يجدن سهولة أكثر في استعادة قوتهن بعد الولادة. ومع ذلك، فحتى النساء اللواتي كن غير نشطات في أثناء الحمل يمكنهن استعادة قوتهن بالتوجيه الصحيح والصبر والمثابرة.
وفي إحدى المرات، جاءت إحدى عميلاتي إليَّ، وتُدعى ميثاء، بعد أربعة أشهر من ولادة طفلها الأول وهي تشعر بالإرهاق والانفصال عن عضلات جذعها. وقد بدأنا معاً بتمارين التنفس، وتنشيط عضلات قاع الحوض، وتمارين القوة الخفيفة. ومع مرور الوقت، تحسنت وضعية جسدها، وأصبحت عضلات البطن لديها أقوى، وأصبحت المهام اليومية مثل حمل طفلها أسهل. وفي يوم من الأيام قالت لي: "أشعر بأنني استعدت نفسي مرة أخرى".
وعندما حملت ميثاء للمرة الثانية، واصلت التدريب طوال فترة حملها. وفي الأيام التي كانت طاقتها فيها منخفضة كانت تركز على المشي وتمارين التنفس للحامل، أما في الأيام التي كانت تشعر فيها بالقوة؛ فكان جدولها يشمل تمارين القوة. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى ولادتها الثانية، شعرت بأنها أقوى جسدياً وأكثر استعداداً ذهنياً من المرة الأولى، وهذا ما نتحدث عنه تماماً هنا!
هل هناك أمل لدى السيدات اللواتي لم يتدربن مطلقاً في أثناء فترة الحمل؟
يا للأسف! فإن معظم السيدات لا يبدأن بالتدريب في أثناء الحمل؛ حيث تراجعني العديد من العميلات مع خبرة قليلة أو معدومة في ممارسة التمارين الرياضية بعد عدة حالات حمل. وقد واجهت تجربة مماثلة مع عميلتين، صفية وأمينة، اللتين حملتا عدة مرات خلال خمسة أعوام دون ممارسة أي نشاط بدني منظم. وعندما بدأتا بالتدريب، عانتا من ضعف في تنشيط قاع الحوض الجذع، وأنماط التنفس السطحية، وآلام في أسفل الظهر، وعلامات على انفصال عضلات البطن المستقيمة.
وقد بدأنا بالتنفس الحجابي، وتنشيط عضلات قاع الحوض، وتمارين الثبات الخفيفة. وقد أحرزت كلاهما تقدماً جيداً، ولكنه كان أبطأ من النساء اللواتي تدربن في أثناء الحمل.
ويمكننا أن نخرج من تجارب هذه المجموعة من السيدات بدرس مهمٍ جداً؛ ألا وهو أن التعافي أمر ممكن دائماً، إلا أن بناء القوة في وقتٍ مبكر يجعل العملية أكثر سهولة وسلاسة.
ما نصائحك للسيدات لتحقيق أهداف أمومة سليمة؟

- اعلمي أن هناك العديد من الفوائد لممارسة اللياقة البدنية خلال الحمل وفي فترة ما بعد الولادة التي تتعدى مجرد عملية التعافي.
- كوني على ثقة أن تمارين القوة تعزز، كثافة العظم، وتحمي المفاصل، وتحسن وضعية الجسم، وتبني القوة الوظيفية التي تحتاجها جميع السيدات خلال حياتهن اليومية.
- تأكدي أن الأهم هو أن التمارين تعزز من ثقة المرأة بنفسها وبجسدها خلال واحدة من أكثر مراحل حياتها تحولاً.
- تعرفي إلى عملية التعافي لما بعد الولادة من امرأة لأخرى، حيث تسهم الثقافة والتوجيه المستمر للمرأة في إعادة بناء قوتها بأمان وثقة.
- لا تنظري إلى الحمل والأمومة باعتبارهما أموراً تقيد حرية المرأة، بل على العكس تماماً؛ إذ ربما تمثلان فرصاً بالنسبة للعديد من النساء لتطوير فهم وإدراكٍ أعمق بأجسادهن وبناء قوة بدنية دائمة.
- اعلمي أنك إذا حافظت على مستويات نشاط جيدة خلال تلك المراحل قد تتعافين بشكلٍ أسرع وتبدين أكثر قوة وقدرة ويكون لديك اتصال أفضل بجسدك.
- لا تنظري إلى الحركة والنشاط باعتبارهما أمراً يجب أن تعود إليه المرأة بعد الحمل والأمومة، وإنما باعتبارهما عادة وثقافة ينبغي أن تحملها المرأة معها طيلة رحلة حياتها مع الأمومة ومن دونها.
* ملاحظة من «سيدتي»: قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.


Google News