mena-gmtdmp

هل يتذكر المولود الأصوات التي سمعها وهو في بطن أمه؟

صورة
هل يتذكر المولود الأصوات التي سمعها وهو في بطن أمه؟

منذ سنوات طويلة يهتم العلماء بفهم ما إذا كان الجنين في رحم الأم يستقبل الأصوات من البيئة الخارجية، وما إذا كان يُكوّن ذاكرة سمعية لمثل هذه الأصوات. هل يمكن للطفل بعد الولادة أن يتذكر ما سمعه قبل الولادة؟ وهل تؤثر تلك الأصوات على تطور الدماغ واللغة بعد الولادة؟
الإجابة ليست مجرد "نعم" أو "لا". الأبحاث العلمية المتعددة تشير إلى أن الجنين لا يسمع بطريقة واضحة كالإنسان بعد الولادة، لكن هناك قدرة مبكرة جداً للاستقبال الصوتي والتعلم الصوتي قبل الولادة، وبعض الدراسات تحدثت عن أدلة على أن هذه المعلومات تُجمع وتُخزن بطريقة ما في الدماغ، نعرض في هذا الموضوع رأي الأطباء في السؤال الذي تطرحه الأمهات، هل يتذكر المولود الأصوات التي سمعها وهو في بطن أمه؟ مدعمة بالدراسات والأبحاث

متى يبدأ الجنين في السمع؟

متى يبدأ الجنين في السمع؟

أجرى دراسة تفضيل صوت الأم في العام (1980)، الباحثان: أنطوني ديكاسبر، وويليام فايفر، من جامعة نورث كارولاينا في غرينسبورو – الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تم نشر البحث في مجلة ساينس، حيث يبدأ الجنين في استقبال الصوت تدريجياً خلال الحمل، وتكون العملية كالتالي:

  • الأذن الداخلية تتحسن وتتكون بشكل أساسي حوالي الأسبوع العشرين من الحمل.
  • بعد الأسبوع 24 إلى 28 من الحمل يبدأ الجنين في الردّ على بعض الأصوات الخارجية، كما تظهر تغيرات في حركة الجسم أو معدل ضربات القلب عندما يسمع صوتاً مختلفاً.
  • بحلول الأسبوع 30 تقريباً يكون الجهاز السمعي أكثر نضجاً، ويستطيع أن يستقبل الصوت بطريقة مماثلة لحديثي الولادة، لكن الصوت يكون مخففاً ومكتوماً داخل السائل المحيط بالجنين.

من هنا نتأكد أن الجنين لا يسمع مثلنا، لكنه قادر على استقبال الأصوات الخارجية، وخاصة الأصوات المنخفضة مثل صوت الأم ونبضات قلبها، في الثلث الأخير من الحمل.

كيف يتعلم الجنين: الذاكرة السمعية قبل الولادة

هنا يمكن طرح سؤال، وهو هل هذه الأصوات تبقى في ذاكرة الطفل بعد الولادة؟ وما شكل هذه الذاكرة؟
الأبحاث تبين أن هناك نوعاً من الذاكرة الصوتية تتكون في الدماغ قبل الولادة، ويمكن رؤيتها في ردود أفعال الطفل بعد الولادة. أهم النقاط العلمية هي:

1. التجربة الموسيقية المتكررة تؤسس ذاكرة

في واحدة من أهم الدراسات، التي أجراها الباحث إينو بارتانن، من جامعة هلسنكي – فنلندا، ونشرتها مجلة بلوس وان (PLoS ONE) أسمع الباحثون مجموعة من الأمهات لحناً معيناً (مثل لحن Twinkle, Twinkle, Little Star) في الأسابيع الأخيرة من الحمل، ثم اختبروا ردة فعل الأطفال بعد الولادة: ووجدوا أن الأطفال الذين سمعوا اللحن داخل الرحم كان لديهم نشاط كهربائي أقوى في الدماغ عند سماع نفس اللحن بعد الولادة، مقارنة بأطفال لم يسمعوه، وهذا يشير إلى وجود آثار سمعية محتفظ بها في الدماغ بعد الولادة، حتى إذا كانت تجربة الصوت تمت قبل الولادة.
وهذا يعني أن الدماغ الجنيني يتعلم ويتذكر الأنماط الصوتية المعروفة، وذلك يمكن رؤيته حتى بعد الولادة.

2. الذاكرة الصوتية وأصوات اللغة

في دراسة أخرى، حول تمييز لغة الأم أجريت في العام (2013)، من قبل الباحثة كريستين مون، من جامعة باسيفيك لوثران – الولايات المتحدة الأمريكية، ونشرتها مجلة أكتا بيدياتريكا (Acta Paediatrica) أظهرت أن الأطفال حديثي الولادة يميلون أكثر إلى الاستجابة لأصوات لغة الأم مقارنة بلغة أجنبية، حتى لو تم اختبارهم بعد ساعات قليلة فقط من الولادة. يشير هذا إلى أن الجنين استمع وتعلّم تردّدات ونمط لغة الأم قبل الولادة. وهذا لا يعني أن الطفل يفهم اللغة مثل البالغ، بل إن الجهاز السمعي بدأ يتأسس ويتعرف على أنماط النطق الأساسية قبل الولادة.

3. الجنين يتعرف على صوت الأم

وفي دراسة عن التعود السمعي لدى الأجنة، لللباحثة جانيت كيسيليفسكي، من جامعة كوينز – كندا أظهرت أن هناك أدلة تظهر حتى أن الأجنة لديهم قدرة على التعود على الصوت، مثل صوت الأم أو موسيقى معينة، وعندما يتعرض الجنين لأصوات متكررة، يتعود عليها ويقلّ استجابته لها مع الوقت، وهذا سلوك يُعتبر علامة على وجود ذاكرة تعلم سمعي أو على الأقل تأقلم سمعي مع منبه معين، وهذا يشبه رد الفعل الذي تراه في الرضع بعد الولادة: مع التعرّض لتكرار صوت ما، تقل الاستجابة له تدريجياً، وهو دليل على أن الدماغ "يتذكر" الصوت حتى لو لم يكن هناك وعي كامل.

ما نوع الذاكرة التي تتكوّن قبل الولادة؟

ما نوع الذاكرة التي تتكوّن قبل الولادة؟

علمياً، من المهم أن نوضح نوع الذاكرة التي نتكلم عنها، لأنها ليست ذاكرة واعية كما عند البالغين، بل ما يسمى الذاكرة الضمنية أو الذاكرة العصبية المبكرة: حيث لا يمكن للجنين أن يقول "أنا تذكرت هذا الصوت"، لكنه يظهر تغيّرات في ردود الفعل العصبية والفسيولوجية عندما يسمع نفس الصوت بعد الولادة، مما يدل على وجود آثار تخزين في الدماغ.
وتشير جميع الدراسات السابقة إلى أن الذاكرة الصوتية التي تُبنى في الرحم، قد تستمر لأسابيع أو أشهر بعد الولادة على الأقل في سياق ردود الدماغ على نفس المنبه الصوتي. لكنها ليست بالضرورة نفس نوع الذاكرة المعقدة التي نعهدها في النضج اللاحق للطفل (مثل تذكر أسماء أو حقائق).
إذن، من المهم أن نضع ذلك في إطار التطور الدماغي الطبيعي: هذه الذاكرة ما هي إلا مؤشر مبكر على تهيؤ الدماغ للسماع وتعلّم اللغة بعد الولادة، وليس ذاكرة واعية مكتملة.
تأثير الموسيقى على شخصية الجنين ونموه خاصة أثناء الحمل

لماذا هذا مهم من الناحية التطورية؟

التعلم الصوتي قبل الولادة يمكن أن يلعب دوراً مهماً في، تهيئة الدماغ لفهم اللغة بعد الولادة، والربط مع صوت الأم والشعور بالأمان، وتسهيل عملية التطور العصبي المبكر، والتعرف على الوزن الموسيقي والإيقاعي في اللغة والموسيقى لاحقاً. إذ يشير الأطباء إلى أن حديثي الولادة يمكنهم التنبؤ بالإيقاعات الموسيقية (مثل النمط والتتابع) حتى من دون أن يكون لديهم تجربة موسيقية طويلة بعد الولادة، وهذا مرتبط بتجارب سابقة في الرحم حيث يكون الإيقاع مثل نبضات قلب الأم وحركتها المنتظمة جزءاً من البيئة السمعية للجنين، كما ورد في جريدة الغارديان، وهذا يشير إلى أن الخبرة السمعية قبل الولادة يمكن أن تساعد الدماغ في تطوير بعض القدرات الأولية المرتبطة بالإيقاع واللغة.

هل يجب تشغيل الموسيقى للجنين داخل الرحم؟

هل يجب تشغيل الموسيقى للجنين داخل الرحم؟

قد تتساءلين: هل يفيد تشغيل الموسيقى بصوت عالٍ للجنين؟ اعلمي أن هناك تحذيرات علمية مهمة من:
وضع سماعات مباشرة على البطن ليس آمناً؛ لأن مستوى الصوت قد يكون مرتفعاً جداً ويؤذي السمع، والتأكد من أن أي صوت يُسمع للجنين يجب أن يكون معتدلاً ومن مصدر طبيعي، مثل صوت الأم وهي تتكلم أو تغنّي. وأكثر من ذلك، لا توجد أدلة قوية أن الاستماع للموسيقى داخل الرحم سينتج طفلاً عبقرياً؛ لكنها قد توفّر راحة نفسية للأم وإحساساً بالارتباط.

ماذا تعني هذه الأدلة للآباء والأمهات؟

سماع الرضيع لقصة مقروءة داخل الرحم

تعني أن الطفل يبدأ في "التعلّم الصوتي" قبل الولادة، ويمكن أن يفضّل الطفل بعد الولادة الأصوات التي سمعها في الرحم، مثل صوت أمّه، أثناء قراءة القصة، كما أثبتت دراسة تعرّف الرضيع على القصة المقروءة داخل الرحم أجريت عام (1988)، من قبل الباحث أنطوني ديكاسبر، من جامعة نورث كارولاينا – الولايات المتحدة الأمريكية، ونشرت في المجلة العلمية: سلوك الرضيع والنمو (Infant Behavior and Development) وهذا لا يعني أن الطفل "يتذكر" كما نتذكر نحن، لكنه يُظهر أثار تعلم مبكّر في الدماغ.
ويتبين من خلال هذا الموضوع أن الدراسات العلمية، تظهر أن حديثي الولادة لديهم ردود دماغية أقوى للألحان التي سمعوها قبل الولادة. وأن الجنين يستطيع تلقي الأصوات الخارجية في مراحل متأخرة من الحمل. وأن الدماغ يحدث فيه تعلم مبكر وتأثيرات صوتية قابلة للقياس بعد الولادة. و هذا لا يمثل “ذاكرة واعية كبيرة”، لكنه يعد علامة قوية على أن التجربة الصوتية قبل الولادة تؤثر على الدماغ بعد الولادة.
قبل الولادة: إليكِ كيف يبدأ الجنين بتعلُّم اللغة