تُعَدُّ رحلة الحج واحدة من أعظم الرحلات الإيمانية، لكنها في الوقت نفسه تتطلب مجهوداً بدنياً شاقاً وقدرة عالية على التحمل، خاصة عند تزامنها مع الأجواء الحارة والازدحام الشديد خلال تأدية المناسك. ولكي يؤدي الحاج مناسكه بصحة ونشاط، ويقود خطى السير دون إنهاك أو تعرض لوعكات صحية مفاجئة؛ تلعب التغذية دوراً محورياً كوقود أساسي للجسم ودرع حماية للمناعة.
التقت "سيدتي" د. نشوى سمير، استشاري التغذية العلاجية؛ لتضع للحجاج خطة غذائية شاملة وعملية، تبدأ من مرحلة ما قبل السفر وتستمر حتى إتمام المناسك، تجيب فيها عن أبرز التساؤلات لضمان رحلة صحية وآمنة.
إعداد: إيمان محمد
استعدادات قبل الحج
تؤكد د. نشوى سمير أن الاستعداد لرحلة الحج يجب أن يبدأ قبل السفر بفترة كافية، حيث يحتاج الجسم إلى بناء مخزون من الطاقة وتقوية جهاز المناعة لمواجهة التجمعات الكبيرة والوقاية من العدوى. وتوضح قائلة: "الخطأ الأكبر الذي يقع فيه البعض قبل السفر هو الاعتماد على السكريات والحلويات للحصول على الطاقة؛ فهذه الأطعمة تمنح طاقة كاذبة ومؤقتة، يتبعها هبوط حاد وسريع في مستوى النشاط وشعور بالخمول". وفي هذا الصدد قدمت استشارية التغذية الإستراتيجية البديلة للاستعداد الصحي، وتشمل:

النشويات المعقدة
يجب التركيز على الأطعمة التي تستغرق وقتاً في الهضم، وتمد الجسم بطاقة تدريجية ومستدامة لفترات طويلة. ومن أهم هذه الأطعمة الخبز البلدي الغني بالردة، الشوفان، بالإضافة إلى البطاطس والبطاطا المشوية.
تعزيز بكتيريا المعدة النافعة
لحماية الجسم من النزلات المعوية ونزلات البرد وسط الزحام، تنصح بتناول علبة زبادي أو كوب من اللبن الرايب يومياً قبل السفر. هذا الإجراء يظبط بكتيريا المعدة النافعة "البروبيوتيك" ويقوي المناعة بالجسم.
فيتامينات الحماية اليومية
تنصح د. نشوى بتناول طبق سلطة ملون يومياً يحتوي على الفلفل الألوان، الجرجير، والطماطم، مع إضافة عصير الليمون أو البرتقال لضمان الحصول على مضادات الأكسدة وفيتامين C. كما تشدد على إدراج الثوم والبصل في الوجبات اليومية؛ كونهما بمنزلة مضادات حيوية طبيعية ترفع المناعة بشكل فعَّال.
السناكس الذكية وسط المناسك
في أثناء تأدية المناسك والمشي لمسافات طويلة بين المشاعر المقدسة، يحتاج الحاج إلى وجبات خفيفة "سناكس" يسهل حملها وتناولها دون أن تسبب ثقلاً في المعدة. وتقول د. نشوى سمير: "يجب تماماً الابتعاد عن الوجبات الثقيلة، الدسمة أو الأطعمة المسبكة في أثناء الحركة؛ لأنها تتسبب في توجيه تدفق الدم إلى الجهاز الهضمي، ما يؤدي إلى الشعور بالخمول والنعاس الشديد، وهو ما يعوق الحاج عن أداء العبادات بنشاط".
وتقترح استشاري التغذية العلاجية بدائل خفيفة وذكية لحقيبة الحاج:
اقرئي أيضاً: أطعمة خفيفة تمنحك الطاقة دون سمنة
التمر والمكسرات
التمر يمنح الجسم طاقة سريعة ومباشرة، ويحتوي على البوتاسيوم الذي يحمي من التشنجات وشد العضلات الناتج عن المشي الطويل. وعند دمجه مع المكسرات النيئة "مثل اللوز أو الفول السوداني"، فإن الدهون الصحية الموجودة بها تضمن استدامة هذه الطاقة لساعات طويلة دون الشعور بالجوع.
الفواكه المجففة لمحاربة الإمساك
مثل التين، والقراصيا، والمشمشية. تتميز بأنها خفيفة الوزن في الحقيبة وممتازة جداً للوقاية من مشكلة الإمساك الشائعة التي تصيب أغلب الحجاج بسبب تغيير المكان ونظام الحياة اليومي وقلة الحركة في الحافلات.
بسكويت الشوفان أو القمح الكامل
تناول بسكويت الشوفان مع بضع حبات من المكسرات يعطي شعوراً ممتداً بالشبع والنشاط، دون التسبب في أي كتمة على النفس أو عسر هضم.
كيف يواجه الحجاج الحر والجفاف؟
تُعتبر درجات الحرارة المرتفعة خلال الحج من أكبر التحديات الصحية؛ لذا فإن المحافظة على رطوبة الجسم هي الخطوة الأساسية والوقائية الأولى لتفادي الإجهاد الحراري وضربات الشمس الخطيرة. وفي هذا السياق، تقدِّم د. نشوى سمير دليلاً واضحاً للمشروبات المستهدفة والممنوعة:
المياه أولاً
تنصح بشرب ما لا يقل عن 3 لترات من الماء يومياً. والقاعدة الذهبية هنا هي عدم انتظار الشعور بالعطش؛ بل يجب الحرص على شرب كوب من الماء كل ساعة بشكل دوري.
اللبن الرايب
يُعَدُّ اللبن الرايب اختياراً ممتازاً في الأجواء الحارة؛ فهو لا يقتصر على ترطيب الجسم وسد الجوع فحسب، بل يعوِّض الجسم أيضاً بالأملاح المفيدة والمعادن التي يفقدها من خلال العرق الشديد.
فخ الكافيين والسكريات
تحذر د. نشوى بقوة من الإفراط في تناول الشاي والقهوة والمياه الغازية. وتوضح أن الكافيين والسكريات العالية تدر البول بشكل سريع؛ ما يترتب عليه فقدان الجسم للسوائل الحيوية بسرعة. وبدلاً من أن تروي هذه المشروبات العطش، فإنها تسرع من حدوث الجفاف وتزيد من شعور الحاج بالحاجة إلى الماء.
حقيبة الطوارئ الغذائية لأصحاب الأمراض المزمنة
يحظى الحجاج من أصحاب الأمراض المزمنة برعاية وتوجيهات خاصة من د. نشوى سمير، حيث تشدد على ضرورة رصد "مجموعة الإنقاذ الغذائي" في حقيبة اليد الشخصية التي تلازم المريض طوال الوقت؛ لتفادي أي أزمات صحية مفاجئة وسط الحشود. وتفصل د. نشوى محتويات حقيبة الطوارئ حسب الحالة الصحية:
لمرضى السكري
عند بذل مجهود بدني كبير في المشي، قد يتعرض المريض لهبوط حاد ومفاجئ في مستوى السكر. المؤشرات التحذيرية تشمل الدوخة، زغللة العين، أو العرق البارد. وهنا يجب التدخل فوراً بتناول مغلف صغير من العسل، أو علبة عصير طبيعي، أو 3 تمرات. وتضيف د. نشوى نصيحة مهمة: "بعد تناول السكريات السريعة لإسعاف الحالة، يجب مباشرة تناول وجبة تحتوي على نشويات معقدة مثل بسكويت الشوفان، وذلك لضمان استقرار مستوى السكر في الدم لفترة أطول وعدم هبوطه مرة أخرى".
لمرضى الضغط والقلب
يجب أن تحتوي الحقيبة دائماً على الموز أو التمر، نظراً لغناهما بعنصر البوتاسيوم الضروري لضبط ضربات القلب وتنظيم مستويات ضغط الدم خلال المجهود. كما يُفضَّل الاحتفاظ بمكسرات نيئة وغير مملحة كوجبة خفيفة وآمنة.
قائمة المحظورات
تحذر د. نشوى مرضى الضغط والقلب من تناول الأطعمة المعلبة والوجبات السريعة المتوافرة، بالإضافة إلى الأكلات المملحة، حيث تحتوي هذه الأطعمة على نسب صوديوم عالية جداً تؤدي إلى ارتفاع مفاجئ وخطر في ضغط الدم، فضلاً عن تسببها في احتباس السوائل بالجسم وزيادة العبء على الدورة الدموية.
تختتم د. نشوى سمير نصائحها بالإشارة إلى أن الالتزام بهذه القواعد الغذائية البسيطة والمستدامة يحول دون حدوث الوعكات الصحية الشائعة، ويضمن للحاج التفرغ التام للعبادة بجسد قوي ونفس مطمئنة.
* ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج تجب استشارة طبيب مختص.

Google News