يُعَدّ الحمل مرحلة دقيقة تحتاج فيها المرأة إلى عناية مضاعفة بصحتها. ويزداد هذا الاهتمام خلال شهر رمضان، عندما تختار الحامل الصيام بعد استشارة الطبيب، والتأكُّد من قدرتها الصحية على ذلك. فالجفاف من أكثر المشكلات التي قد تتعرض لها الحامل أثناء الصيام؛ خاصة في الأجواء الحارة، أو عند طول ساعات الصوم؛ إذ يفقد الجسم كميات من السوائل من دون تعويض فوري؛ مما قد يؤثّر في نشاط الأم، وضغط الدم لديها؛ بل وفي تروية المشيمة بالقدْر الكافي. لذلك فإن فهم طبيعة احتياجات الجسم من الماء، ومعرفة العلامات المبكرة للجفاف، واتباع إستراتيجيات عملية لتجنُّبه، يُعَد أمراً بالغ الأهمية لضمان صيام آمن ومتوازن.
في هذا الموضوع المفصل، بشرح الأطباء والاختصاصيين، أهم الطرق العملية لتجنُّب الجفاف أثناء الحمل في الصيام، مع توضيح الخلفية الصحية لكلّ نصيحة؛ حتى تكون الحامل على وعي كامل بكيفية حماية نفسها وجنينها.
أولاً: افهمي طبيعة احتياج الحامل للسوائل

خلال الحمل، يزداد حجم الدم في جسم الحامل بنسبة كبيرة قد تصل إلى نحو 40-50%، وذلك لتلبية احتياجات الجنين والمشيمة. كما يزداد حجم السائل الأمنيوسي المحيط بالجنين، ويعمل الجسم بجُهد أكبر في عمليات الأيض؛ مما يجعل الحاجة إلى السوائل أعلى من المعتاد. وتشير توصيات منظمات صحية مثل منظمة الصحة العالمية، إلى أهمية الحفاظ على ترطيب كافٍ للجسم بشكل عام، فيما توصي جهات مثل الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد، بزيادة الاهتمام بترطيب الحامل؛ خصوصاً في الأجواء الحارة أو عند وجود قيء أو إسهال.
عند الصيام، تمتنع الحامل عن شرب الماء لساعات طويلة، وقد تتراوح هذه الساعات بين 12 و16 ساعة أو أكثر بحسب البلد وفصل السنة. لذلك يصبح التخطيط المسبق لفترة الإفطار، هو الأساس في تعويض السوائل المفقودة.
ثانياً: احرصي على توزيع شرب الماء بين الإفطار والسحور
أحد أكثر الأخطاء شيوعاً، هو شرب كمية كبيرة من الماء دفعة واحدة بعد أذان المغرب. هذا السلوك قد يسبب شعوراً بالامتلاء والانتفاخ، من دون أن يستفيد الجسم فعلياً من الترطيب الأمثل. الأفضل هو توزيع كمية الماء على فترات متباعدة بين الإفطار والسحور. ويمكن اعتماد خطة عملية كالتالي:
- كوبان من الماء عند الإفطار.
- كوب كلّ ساعة بعد الإفطار.
- كوبان قبل النوم.
- كوبان إلى ثلاثة أكواب عند السحور.
بهذه الطريقة، يمكن للحامل الوصول إلى 2.5-3 لترات تقريباً، حسب توصية الطبيب وحسب وزنها ودرجة الحرارة المحيطة بها. التوزيع التدريجي يسمح بامتصاص أفضل، ويقلل من الضغط على معدة الحامل والكليتين.
ثالثاً: اختاري أطعمة غنية بالماء
لا يقتصر الترطيب على شرب الماء فقط؛ فبعض الأطعمة تحتوي على نسب عالية من السوائل، وتساهم في تزويد الجسم بالماء والأملاح في الوقت نفسه. من أبرز هذه الأطعمة:
- البطيخ
- الشمام
- الخيار
- الخس
- البرتقال
- الفراولة
- الشوربات الخفيفة
إضافة طبق سلطة غني بالخضار الطازجة إلى وجبتي الإفطار والسحور، يُعَد خطوة ذكية لدعم الترطيب. كما أن تناوُل الشوربة الدافئة عند الإفطار، لا يُمد الجسم بالسوائل فقط؛ بل يساعد على تهيئة المعدة بعد ساعات الصيام الطويلة.
رابعاً: تجنّبي المشروبات المدرّة للبول

من الأخطاء التي تَزيد خطر الجفاف: الإفراط في تناوُل المشروبات المحتوية على الكافيين مثل: القهوة والشاي والسوائل الغازية. فالكافيين له تأثير مدرّ للبول؛ مما يعني فقدان كمية إضافية من السوائل. يمكن للحامل أن تستبدل بهذه السوائل، ما يلي:
- شاي الأعشاب الآمنة بعد استشارة الطبيب (مثل النعناع أو البابونج بكميات معتدلة).
- العصائر الطبيعية المخففة بالماء.
- ماء منقوع بالفواكه (كشرائح الليمون أو النعناع).
- التقليل من الكافيين لا يساهم فقط في تقليل فقدان السوائل؛ بل يساعد أيضاً على تحسين جودة النوم، وهو أمرٌ بالغ الأهمية للحامل.
خامساً: اهتمي بوجبة السحور
- السحور هو خط الدفاع الأول ضد الجفاف أثناء النهار. يجب أن تحتوي هذه الوجبة على:
- مصدر بروتين (كالبيض أو الزبادي أو الجبن).
- كربوهيدرات معقدة (كالخبز الأسمر أو الشوفان).
- خضار وفواكه غنية بالماء.
- كمية كافية من السوائل.
يفضّل تجنُّب الأطعمة المالحة جداً مثل: المخللات والأجبان المالحة للحامل؛ لأنها تَزيد الشعور بالعطش خلال النهار. كما يُستحسن تجنُّب الأطعمة المقلية أو الدسمة، التي قد تسبب حُرقة المعدة وتَزيد الإحساس بعدم الراحة.
هل تعرفين الأكل الممنوع على الحامل في الشهور الأولى؟
سادساً: تجنّبي التعرُّض للحرارة والإجهاد
من الطرق المهمة لتجنُّب الجفاف: تقليل فقدان السوائل عبْر التعرُّق. لذلك يُنصح بما يلي:
- تجنُّب الخروج في أوقات الذروة الحرارية.
- البقاء في أماكن مكيّفة أو جيّدة التهوية.
- تأجيل الأعمال المنزلية المجهِدة إلى ما بعد الإفطار.
- أخذ قسط كافٍ من الراحة خلال النهار.
- الحامل التي تبذل مجهوداً بدنياً كبيراً خلال الصيام، قد تفقد كمية أكبر من السوائل؛ مما يَزيد خطر انخفاض ضغط الدم أو الدوخة لدى الحامل.
سابعاً: راقبي علامات الجفاف المبكرة
الوعي بالأعراض يساعد على التدخل السريع. من علامات الجفاف:
- العطش الشديد.
- جفاف الفم والشفتين.
- قلة التبوُّل أو تغيُّر لون البول إلى الداكن.
- الدوخة أو الصداع.
- خفقان القلب أثناء الحمل.
- تقلصات الرحم.
في حال ظهور أعراض شديدة مثل: الإغماء، أو قلة حركة الجنين، أو ألم في أسفل البطن، يجب الإفطار فوراً واستشارة الطبيب؛ لأن صحة الأم والجنين مقدَّمة على أيّ اعتبار.
ثامناً: لا تتهاوني بالمتابعة الطبية المنتظمة

قبل اتخاذ قرار الصيام، يجب أن تخضع الحامل لتقييم طبي شامل؛ خاصة إذا كانت تعاني من:
- سكري الحمل.
- ارتفاع ضغط الدم.
- فقر الدم.
- قيء شديد متكرر.
- حمل بتوأم.
بعض الحالات قد يجعل فيها الطبيب الصيام غيرَ مستحب؛ حفاظاً على استقرار الحالة الصحية لدى الحامل. والمتابعة الدورية خلال رمضان، تساعد على رصد أيّة تغيّرات مبكرة في ضغط الدم أو الوزن أو مستوى السوائل.
الصيام أثناء الحمل: متى يكون آمناً؟
تاسعاً: ادعمي الأملاح والمعادن بالأغذية المناسبة
الجفاف لا يعني فقدان الماء فقط؛ بل أيضاً فقدان الأملاح المهمة مثل: الصوديوم والبوتاسيوم. لذلك يمكن تعويض هذه الأملاح من خلال:
تناوُل التمر باعتدال عند الإفطار.
شرب الحليب أو اللبن.
تناوُل الموز الغني بالبوتاسيوم.
الشوربات المنزلية المتوازنة.
لكن يجب تجنُّب الإفراط في الملح؛ لأن زيادته قد تَزيد العطش وتسبب احتباس السوائل بشكل غير متوازن.
عاشراً: قومي بتنظيم النوم والراحة
قلة النوم تؤثّر على توازن الهرمونات وتنظيم السوائل في الجسم. لذلك يُنصح بالحصول على 7-8 ساعات من النوم موزّعة بين الليل والقيلولة إن أمكن. النوم الجيّد يساعد على تقليل الإجهاد، ويحسّن قدرة الجسم على الاحتفاظ بالسوائل.
حادي عشر: التزمي بالتوازن بين الرُوح والجسد
الصيام عبادة عظيمة، لكن الشريعة الإسلامية راعت صحة الحامل وأعطتها رخصة الإفطار إن خافت على نفسها أو جنينها. لذلك لا ينبغي للحامل أن تشعر بالذنب إذا نصحها الطبيب بالإفطار. الهدف هو تحقيق التوازن بين الجانب الرُوحي والحفاظ على السلامة الجسدية.
ثاني عشر: ارسمي خطة يومية مقترحة لتجنُّب الجفاف

لزيادة الفائدة العملية، يمكن اتباع نموذج يومي تقريبي:
عند الإفطار:
2 كوب ماء+ 3 تمرات.
شوربة خفيفة.
وجبة متوازنة تحتوي: بروتين وخضار.
بعد الإفطار بساعتين:
كوب ماء+ ثمرة فاكهة.
قبل النوم:
كوب ماء أو لبن.
عند السحور:
كوبان ماء.
زبادي+ خبز أسمر+ بيضة.
خيار أو خس.
هذا التنظيم يضمن توزيع السوائل بشكل تدريجي من دون إثقال المعدة.
الحمل في شهر رمضان: إليكِ نصائح للحفاظ على صحتك وصحة الجنين
* ملاحظة من «سيدتي»: قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليكِ استشارة طبيب متخصص.

