قبل أن تصبح المرأة أماً، قد تتصور أن أكثر ما سيشغلها بعد الولادة هو تعلم كيفية إرضاع طفلها أو تغيير حفاضاته أو تهدئته عند البكاء، لكن الواقع يكشف سريعاً أن التحدي الأكبر غالباً ما يكون في التعامل مع الإرهاق الجسدي والنفسي الذي يرافق الأسابيع والأشهر الأولى من الأمومة. فاستقبال مولود جديد يعني تغيراً جذرياً في نمط الحياة، واضطراباً في النوم، وزيادة في المسؤوليات، إلى جانب التقلبات الهرمونية والتغيرات العاطفية التي تمر بها الأم بعد الولادة. ولهذا فإن كثيراً من الأمهات الجدد يشعرن بأنهن مطالبات ببذل أقصى ما لديهن طوال الوقت، وهو أمر قد يقود إلى التعب المستمر، وانخفاض الطاقة، والشعور بالإجهاد الذي قد يؤثر في صحتهن النفسية والجسدية، بل وفي قدرتهن على الاستمتاع بتجربة الأمومة نفسها. ومن هنا تظهر أهمية اتباع استراتيجيات عملية ومجربة تساعد الأم على المحافظة على توازنها، وتقليل الإرهاق، والاعتناء بنفسها دون الشعور بالذنب، لأن صحة الأم وراحتها ليست رفاهية، وإنما أساس لرعاية طفلها وتوفير بيئة أسرية مستقرة وسعيدة، الأطباء والاختصاصيون يدلونك على أهم الاستراتيجيات المجربة لـتفادي الإرهاق بعد الولادة
1. تقبّلي أن الكمال ليس مطلوباً

من أكثر الأسباب التي تستنزف الأمهات الجدد هو السعي إلى القيام بكل شيء بصورة مثالية، سواء في تنظيف المنزل، أو إعداد الطعام، أو رعاية الطفل، أو استقبال الزوار، بينما الحقيقة أن مرحلة ما بعد الولادة تختلف تماماً عن أي مرحلة أخرى في الحياة. لذلك فإن أول استراتيجية لتفادي الإرهاق تتمثل في التخلي عن فكرة الأم المثالية، واستبدال فكرة الأم الواقعية بها والتي تقدم أفضل ما تستطيع ضمن ظروفها الحالية. فلا بأس إن لم يكن المنزل مرتباً طوال الوقت، أو إذا تم تأجيل بعض الأعمال المنزلية ليوم آخر، فهذه أمور لن تؤثر في نمو الطفل بقدر ما تؤثر راحة الأم واستقرارها النفسي في جودة رعايتها له.
2. نامي كلما أتيحت الفرصة
تعاني معظم الأمهات الجدد من قلة النوم بسبب استيقاظ الرضيع المتكرر، ولهذا يصبح تعويض ساعات النوم أولوية حقيقية وليس ترفاً. ويمكن للأم أن تستفيد من أوقات نوم الطفل للحصول على قيلولة قصيرة بدلاً من استغلال تلك الفترة في الأعمال المنزلية. وحتى إن كانت مدة النوم لا تتجاوز عشرين أو ثلاثين دقيقة، فإنها تساعد الجسم على استعادة جزء من طاقته وتحسين التركيز وتقليل الشعور بالإرهاق.
كما يُنصح بعدم السهر في استخدام الهاتف أو مشاهدة التلفاز عندما ينام الطفل، لأن هذه العادة تحرم الأم من فرصة ثمينة لاستعادة نشاطها.
3. اطلبي المساعدة من دون تردد
كثير من الأمهات يعتقدن أن طلب المساعدة دليل على الضعف، بينما الحقيقة أنه دليل على الوعي. فوجود الزوج أو الأم أو الأخت أو إحدى الصديقات يمكن أن يخفف جزءاً كبيراً من الأعباء اليومية. وقد تكون المساعدة في إعداد وجبة، أو حمل الطفل لبعض الوقت حتى تستحم الأم أو تنام قليلاً، أو شراء الاحتياجات من السوق.
إن توزيع المسؤوليات يمنع تراكم الضغوط ويمنح الأم فرصة للاهتمام بنفسها، وهو أمر يعود بالنفع على الطفل أيضاً.
4. نظمي الأولويات اليومية
ليس من الضروري إنجاز جميع المهام في يوم واحد، لذلك من الأفضل إعداد قائمة قصيرة تضم أهم الأعمال فقط، مثل إرضاع الطفل، والعناية بالنظافة الشخصية، وتحضير وجبات بسيطة، بينما يمكن تأجيل المهام الأقل أهمية.
هذا التنظيم يقلل الشعور بالفوضى ويمنح الأم إحساساً بالإنجاز بدلاً من الإحباط الناتج عن تراكم الأعمال.
5. اهتمي بالتغذية الصحية
يستهلك الجسم كمية كبيرة من الطاقة بعد الولادة، وخاصة إذا كانت الأم ترضع طفلها رضاعة طبيعية، لذلك فإن تناول وجبات متوازنة يعد من أهم وسائل مقاومة الإرهاق. ويُفضل أن تحتوي الوجبات على البروتينات، والخضروات، والفواكه، والحبوب الكاملة، مع شرب كميات كافية من الماء.
كما أن تجهيز وجبات خفيفة صحية مثل المكسرات غير المملحة، واللبن، والفواكه المقطعة، يساعد الأم على تناول الطعام بسهولة حتى في الأيام المزدحمة.
6. لا تهملي شرب الماء

قد تنشغل الأم بطفلها إلى درجة تنسى معها شرب الماء، مما يؤدي إلى الجفاف والشعور بالتعب والصداع بعد الولادة. لذلك يُستحسن الاحتفاظ بزجاجة ماء بالقرب من مكان الرضاعة أو السرير، والحرص على شرب الماء بانتظام طوال اليوم، خاصة في الأجواء الحارة أو أثناء الرضاعة الطبيعية.
7. امنحي نفسك فترات راحة قصيرة
ليست الراحة مرتبطة دائماً بالنوم، فقد تكون بضع دقائق من الجلوس في مكان هادئ، أو احتساء كوب من المشروب المفضل، أو الاستماع إلى موسيقى هادئة، أو ممارسة تمارين التنفس العميق. حتى عشر دقائق يومياً يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً. فقد تستغلها الأم في قراءة صفحات من كتاب، أو العناية ببشرتها، أو ممارسة هواية بسيطة، أو الجلوس في شرفة المنزل لاستنشاق الهواء. إن هذه الدقائق تمنح العقل فرصة للابتعاد مؤقتاً عن ضغوط المسؤوليات المتواصلة. وتساعد على تخفيف التوتر وتجديد النشاط الذهني.
8. لا تقارني نفسك بالأمهات الأخريات
تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور تبدو فيها الأمهات في غاية النشاط مع منازل مرتبة وأطفال هادئين، لكن هذه الصور لا تعكس الحياة اليومية كاملة. فلكل أسرة ظروفها، ولكل طفل طباعه الخاصة.
إن المقارنة المستمرة تولد شعوراً بالإحباط والضغط، بينما الأفضل هو التركيز على احتياجات الطفل والأسرة الخاصة والتقدم التدريجي دون الالتفات إلى حياة الآخرين.
9. استفيدي من الأدوات التي توفر الوقت
يمكن لبعض الأدوات المنزلية أن تختصر كثيراً من الجهد، مثل غسالة الصحون، أو جهاز الطهي الكهربائي، أو شفاط الحليب عند الحاجة، أو عربات تنظيم مستلزمات المولود داخل المنزل.
ولا يعني استخدام هذه الوسائل الكسل، بل هو أسلوب ذكي لإدارة الوقت والطاقة.
10. مارسي نشاطاً بدنياً خفيفاً بعد استشارة الطبيب

بعد الحصول على موافقة الطبيب، يمكن البدء بالمشي الهادئ أو تمارين التمدد الخفيفة، لأن الحركة تنشط الدورة الدموية وتحسن المزاج وتزيد مستوى الطاقة، كما تساعد على التخلص من التوتر الناتج عن الجلوس لفترات طويلة مع الطفل.
وليس المطلوب ممارسة رياضة شاقة، بل الانتظام في نشاط بسيط يناسب حالة الأم الصحية.
11. قللي عدد الزوار عند الحاجة
رغم أن زيارة الأقارب والأصدقاء تحمل مشاعر جميلة، فإن كثرتها في الأيام الأولى قد تزيد من تعب الأم، خاصة إذا شعرت بضرورة استقبال زيارات الضيوف وتجهيز الضيافة.
ومن حق الأم تأجيل بعض الزيارات أو تحديد مواعيد مناسبة لها حتى تحصل على قسط كافٍ من الراحة.
12. جهزي مستلزمات الطفل مسبقاً
يساعد تنظيم الحفاضات، والملابس، والمناديل، وأدوات الرضاعة في أماكن يسهل الوصول إليها على تقليل الحركة غير الضرورية داخل المنزل، مما يوفر وقتاً وجهداً كبيرين، خصوصاً أثناء الليل.
13. شاركي زوجك في رعاية الطفل
الأم ليست المسؤولة الوحيدة عن المولود الجديد، فمشاركة الأب في تغيير الحفاض، أو تهدئة الطفل، أو تحميمه، أو حمله بعد الرضاعة، تمنح الأم فرصة للراحة، كما تعزز العلاقة بين الأب وطفله منذ الأيام الأولى.
14. اهتمي بصحتك النفسية
تمر بعض الأمهات بتقلبات مزاجية طبيعية بعد الولادة، لكن إذا استمر الحزن، أو فقدان الرغبة في ممارسة الأنشطة، أو الشعور باليأس، أو القلق الشديد لفترة طويلة، فمن المهم استشارة الطبيب، لأن هذه الأعراض قد تشير إلى اكتئاب ما بعد الولادة، وهو حالة تحتاج إلى تقييم وعلاج، وليس دليلاً على ضعف الأم.
15. تقبلي تغير الروتين

الأيام الأولى مع المولود لا تسير دائماً وفق خطة ثابتة، فقد تتغير مواعيد النوم أو الرضاعة أو الاستيقاظ باستمرار. وكلما كانت الأم أكثر مرونة في التعامل مع هذه التغيرات، قل شعورها بالإحباط والإرهاق.
16. احتفلي بالإنجازات الصغيرة
قد تعتقد الأم أن إنجازاتها اليومية بسيطة، لكنها في الحقيقة كبيرة، فإطعام الطفل، وتهدئته، والاهتمام بصحته، والاعتناء بنفسها كلها نجاحات تستحق التقدير. إن الاعتراف بهذه الإنجازات يعزز الثقة بالنفس ويمنح شعوراً إيجابياً يساعد على مواصلة العطاء.
17. أعدي روتيناً ليلياً مريحاً
يمكن أن يشمل الروتين الليلي تخفيف الإضاءة، وتجهيز ملابس الطفل وحفاضاته قبل النوم، وترتيب مستلزمات الرضاعة بالقرب من السرير. هذا الإعداد البسيط يقلل من التوتر أثناء الاستيقاظ الليلي ويوفر الوقت والجهد.
18. اقبلي أن التعلم يحتاج إلى وقت
لا توجد أم تولد وهي تعرف كل شيء عن رعاية الأطفال. فالأمومة مهارة تُكتسب بالتجربة، ومع مرور الأيام تصبح الأم أكثر خبرة في فهم احتياجات الطفل والتعامل مع المواقف المختلفة. لذا فإن الصبر على النفس وتجنب جلد الذات عند حدوث الأخطاء البسيطة يخفف كثيراً من الضغط النفسي.
19. قومي ببناء شبكة دعم مستمرة

من المفيد أن تحافظ الأم على التواصل مع أفراد الأسرة أو صديقات مررن بالتجربة نفسها، ضمن استراتيجيات فعالة، فالحصول على كلمة تشجيع أو نصيحة عملية أو مجرد فرصة للحديث عما تشعر به قد يخفف كثيراً من الإرهاق النفسي. كما أن مشاركة التجارب مع أمهات أخريات تساعد على إدراك أن الصعوبات التي تمر بها طبيعية وشائعة، وأن تجاوزها يصبح أسهل مع الوقت والدعم المناسب.
إليك أيضًا.. أسباب الهبوط والإرهاق خلال الرضاعة الطبيعية وكيف يمكن تجنبها؟


Google News