mena-gmtdmp

تنمية الحس التطوعي في رمضان.. قيمة العطاء ومساعدة الآخرين

(مصدر الصورة: fstop123 / Getty Images)
(مصدر الصورة: fstop123 / Getty Images)

في شهرِ رمضان، لا تقتصرُ التربيةُ على تعليمِ الطفلِ الصيامَ، أو تعريفَه على الطقوسِ الدينيَّةِ فقط، بل وتشملُ أيضاً بناءَ قيمٍ كثيرةٍ داخله، لتُشكِّل شخصيَّته الإنسانيَّةَ في المستقبل. وعلى رأسِ هذه القائمة، تأتي قيمةُ العطاء، فهي واحدةٌ من أعمقِ القيمِ التي يمكن أن يحملها الإنسانُ معه طوالَ حياته، كما تُؤكِّد غدير صلاح الدين، مدرِّبةُ أهلٍ ومستشارةٌ أسريَّةٌ وتربويَّةٌ، في حديثها لـ «سيدتي».


العطاء الحقيقي أسلوب حياة

 

كتاب «التطوّع: ثقافته وتنظيمه»، للمؤلف د.صالح بن حمد التويجري، دار النشر: دار مملكة نجد للنشر والتوزيع

 


العطاءُ الحقيقي، ليس فعلاً موسمياً، يرتبطُ بمائدةِ الإفطار، أو حملاتِ التبرُّع، وإنما أسلوبُ حياةٍ، يبدأ من البيتِ في أعوامِ الطفولةِ الأولى، ثم يترسَّخُ تدريجياً عبر التجربةِ، والقدوةِ، والمشاعرِ التي ترافقه، حسبَ غدير. وهنا يظهرُ الدورُ الأهمُّ في حياةِ الطفل: الأهلُ، هم مَن يزرعُ البذرة، وأوَّلُ مَن يرويها، وأوَّلُ مَن يُقدِّم النموذجَ العملي الذي يُختَزنُ في ذاكرةِ الطفلِ العاطفيَّة. تُضيف المدرِّبة: «شهرُ رمضان، ليس شهراً عادياً في حياةِ الأسرة. إنه شهرٌ، تتباطأ فيه وتيرةُ الحياة، وتعلو مشاعرُ التعاطف، ويُصبح الحديثُ عن المحتاجين حاضراً في المجالسِ والبيوت. هذه الأجواءُ الإنسانيَّةُ تجعلُ الطفلَ أكثر استعداداً لفهمِ معنى المشاركةِ ومساعدةِ الآخرين. عندما يعيشُ الطفلُ تجربةً معيَّنةً مثل تجربةِ الصيام، هو يبدأ هنا باختبارِ مشاعرِ الاحتياج بطريقةٍ حسيَّةٍ، ثم ومع التوجيه الصحيح، يمكن أن تتحوَّلَ هذه التجربةُ إلى مدخلٍ عميقٍ لفهمِ معاناةِ الآخرين، وليس مجرَّد تجربةٍ جسديَّةٍ مؤقَّتةٍ». تتابعُ: «لكنْ، هنا يأتي السؤالُ الحقيقي الذي يُواجه الأهل: هل نُعلِّم الطفلَ العطاءَ بوصفه واجباً مؤقَّتاً، ينتهي بانتهاءِ الشهر، أم نزرعه داخله بوصفه قيمةً إنسانيةً دائمةً؟ فالعطاءُ الذي نراه اليوم عطاءٌ موسمي غالباً ما يتلاشى مع انتهاءِ الموسم، أمَّا العطاءُ الذي يُعاش بوصفه تجربةً إنسانيَّةً دافئةً، فإنه يترك أثراً طويلَ الأمدِ في وجدان الطفلِ وشخصيَّته. تنميةُ الحسِّ التطوُّعي لا تبدأ بعمرٍ معيَّنٍ، بل من اللحظةِ التي يبدأ فيها الطفلُ بملاحظةِ سلوك والدَيه، ففي أعوامه الأولى، هو لا يتعلَّمُ من التوجيه، بل يتعلَّمُ من المَشاهِد اليوميَّةِ التي يراها أمامه. على سبيلِ المثال: كيف يتحدَّثُ الأهلُ عن الفقراء؟ وكيف ينظرون إلى المحتاجين؟ وهل العطاءُ مرتبطٌ بالإنسانيَّة، أم بالشفقة؟ في الطفولةِ المبكِّرة، لا يحتاجُ الطفلُ إلى مهامَّ تطوُّعيَّةٍ كبيرةٍ، بل يكفي أن يشارك في أفعالٍ بسيطةٍ مثل مشاركةِ جزءٍ من ألعابه، أو المساعدةِ في تحضيرِ طعامٍ لشخصٍ آخر. مشاركةُ هذه التفاصيلِ الصغيرة، تُشكِّل البذرةَ الأولى لقيمةِ العطاء». وحول أكثر الأخطاءِ التربويَّةِ الشائعةِ في هذا الجانب، تجيبُ غدير: «ربطُ قيمةِ العطاءِ باللومِ، أو التخويفِ، أو المقارنة. حين يسمعُ الطفلُ عباراتٍ مثل: غيرك كيف يعاني وأنت لا تُقدِّر النعمة، أو إذا لم تساعد، فأنت أناني. هنا يتحوَّلُ العطاءُ في داخله إلى شعورٍ بالذنب لا إلى قيمةٍ إنسانيَّةٍ، فالعطاءُ الصحِّي، هو الذي ينبعُ من الرغبةِ والتجربةِ لا من الإكراه والوعظ. كذلك من المهمِّ أن يتعلَّمَ الطفلُ الفرقَ بين الشفقةِ واحترامِ كرامةِ الآخرين، فنحن نُساعد لأننا بشرٌ، نتشارك ظروفَ الحياةِ وتقلُّباتها ومصاعبها ومشقَّاتها سوياً، وليس لأننا أفضل«. وتوضحُ: «يختلفُ أثرُ العملِ التطوُّعي باختلافِ المرحلةِ العمريَّة، لكنَّه يبقى مؤثِّراً في جميعها: فالطفلُ يتعلَّمُ التعاطفَ من خلال العطاء، ويكتشفُ بأنه قادرٌ على إحداثِ فرقٍ، ولو كان بسيطاً، داخلَ المجتمع، أمَّا المراهق، فيستطيعُ إثباتَ ذاته، وبناءَ هويَّته من خلال التطوُّعِ بعيداً عن ضغوطِ المقارنةِ والإنجازاتِ الشكليَّة، بينما يستعيدُ البالغُ من خلال العطاءِ شعورَه بالمعنى، خاصَّةً في عالمٍ سريعٍ ومليءٍ بالضغوط». وتُؤكِّد: «في رمضان، يتضاعفُ هذا الأثر، لأن العطاءَ، يلتقي مع البُعدِ الروحي والإيماني، فيمنحُ الإنسانَ شعوراً أعمقَ بالراحةِ الداخليَّةِ. العطاءُ لا ينعكسُ إيجاباً على المتلقي فقط، بل ويحملُ أيضاً أثراً نفسياً عميقاً على المانحِ نفسه، فمساعدةُ الآخرين ترفعُ مستوى الرضا النفسي، وتُخفِّف من مشاعرِ القلقِ والتوتُّر، وتمنحُ شعوراً داخلياً بالإنجاز».

العطاء وهرمونات السعادة

من الناحيةِ النفسيَّة، يرتبطُ العطاءُ بإفرازِ هرموناتِ السعادة مثل الأوكسيتوسين والدوبامين، وهي هرموناتٌ، تُعزِّز الشعورَ بالراحةِ والدفء العاطفي، لذا نجدُ أن كثيراً من الأشخاصِ يشعرون براحةٍ نفسيَّةٍ بعد تقديمِ المساعدةِ للآخرين حتى لو كانت مساعدةً بسيطةً جداً، فالعطاءُ، وفق المستشارة، يمنحُ الإنسانَ إحساساً بأنه قادرٌ على التأثير. تقولُ: «التطوُّعُ يُساعد في كسرِ دائرةِ التفكيرِ المفرطِ بالمشكلاتِ الشخصيَّة. عندما ينخرطُ الإنسانُ في مساعدةِ الآخرين، تتوسَّعُ نظرته للحياة، ويكتشفُ أن التحدِّياتِ جزءٌ طبيعي من التجربةِ الإنسانية. هذا الإدراكُ وحده يُخفِّف من حدَّة التوتُّر، ويمنحُ شعوراً بالتوازنِ الداخلي، لذا يمكن النظرُ إلى العطاءِ بوصفه قيمةً أخلاقيَّةً ودينيَّةً، ووسيلةً حقيقيَّةً أيضاً للدعم النفسي. إنه يُخفِّف الشعورَ بالعزلة، ويُعزِّز الروابطَ الاجتماعيَّة، ويمنحُ الإنسانَ مساحةً صحيَّةً للتعبيرِ عن إنسانيَّته. وفي عالمٍ سريعِ الإيقاع، ومليءٍ بالضغوط، يُصبح العطاءُ من أجمل الطرقِ التي يعودُ فيها الإنسانُ إلى توازنه الداخلي».

تتابعُ: «حين يشارك الأهلُ أطفالَهم في أعمالٍ تطوُّعيَّةٍ، تتحوَّلُ التربيةُ من كلماتٍ تُقال إلى تجربةٍ تُعاش، فبدل أن يسمعَ الطفلُ عن أهميَّةِ مساعدةِ الآخرين، يرى ذلك، ويشعرُ به، ويكون جزءاً منه. هنا، يبدأ الطفلُ بإدراك أن العائلة، ليست فقط مجموعةَ قوانين، أو تعليماتٍ يوميَّةً، بل هي أيضاً كيانٌ، يحملُ قيماً مشتركةً، ورسالةً إنسانيَّةً، يعيشها الجميع معاً». وتضيفُ المدرِّبة: «العطاءُ المشترك، يخلقُ مساحةً دافئةً للحوارِ العاطفي داخلَ الأسرة. عندما يعملُ الأهلُ وأطفالهم معاً في تحضيرِ طعامٍ لشخصٍ محتاجٍ، وتجهيزِ تبرُّعاتٍ، أو مساعدةِ شخصٍ ما، تتولَّدُ بينهم لحظاتُ تواصلٍ حقيقيَّة بعيداً عن ضغوطِ الدراسة، أو الانشغالِ بالحياةِ اليوميَّة. هذه اللحظات، تصنعُ ما يُعرف بالذاكرةِ العاطفيَّةِ العائليَّة، وهي من أعمقِ أنواعِ الروابطِ التي تُرافق الطفلَ حتى في مراحلِ حياته اللاحقة. الطفلُ لا يتذكَّرُ فقط ما فعلته العائلة، بل ويتذكُّرُ أيضاً إحساسَ الدفءِ والتعاونِ والإنجازِ المشترك، وهذه المشاعرُ، تُصبح جزءاً من صورته عن العائلةِ، وعن الحبِّ نفسه».

يمكنك أيضًا الاطلاع على الشباب والعمل التطوعي.. كيف تبدأ رحلتك في خدمة المجتمع؟

 

العطاء المشترك يخلق مساحة دافئة للحوار العاطفي داخل الأسرة

 

 


العمل التطوّعي لغة تواصل

(مصدر الصورة: FG Trade Latin / Getty Images)

 


العطاءُ المشترك، يُعزِّز شعورَ الطفلِ بأنه عضوٌ فاعلٌ داخلَ الأسرة، وليس مجرَّد متلقٍّ للتوجيهات. عندما يُمنَح الطفلُ دوراً في فعلِ الخير، حتى لو كان بسيطاً، يشعرُ بأن له قيمةً وتأثيراً، وهذا الشعور، يرفعُ ثقتَه بنفسه، ويزيدُ ارتباطَه العاطفي بأسرته.

من جانبٍ آخر، كما تُؤكِّد غدير: «يخلقُ العملُ التطوُّعي المشترك لغةَ تواصلٍ مختلفةً بين الأهلِ وأطفالهم ففي كثيرٍ من الأحيان قد يجدُ الأهلُ صعوبةً في فتحِ حواراتٍ عاطفيَّةٍ مباشرةٍ مع أطفالهم، لكنْ التجاربُ المشتركة، مثل العطاء، تفتحُ أبوابَ الحديثِ بطريقةٍ طبيعيَّة. قد يسألُ الطفلُ عن سببِ احتياجِ الآخرين، أو عن معنى المساعدة، وهنا تتشكَّلُ فرصٌ تربويَّةٌ عميقةٌ دون أن يشعرَ بأنه يتلقَّى درساً مباشراً. ولا يقتصرُ أثرُ العطاءِ الأسري على مرحلةِ الطفولةِ فقط، إذ يمتدُّ أيضاً إلى المراهقة، فالمراهقُ الذي نشأ على تجربةِ العطاءِ داخل أسرته غالباً ما يحتفظُ برابطٍ عاطفي أقوى معها، لأنه يراها شريكاً في القيم، وليس فقط مصدراً للضوابط، وهذا يُقلِّلُ من فجوةِ الصراعِ التي قد تظهرُ في هذه المرحلةِ العمريَّة«. وتستطردُ: «في شهرِ رمضان تحديداً، تزدادُ قوَّةُ هذا الرابط، فالأجواءُ الروحيَّةُ والاجتماعيَّةُ للشهر، تخلقُ مساحةً طبيعيَّةً لمشاركةِ العطاء بوصفه طقساً عائلياً دافئاً سواء من خلال مبادراتٍ بسيطةٍ داخل الحي، أو دعمِ أسرٍ محتاجةٍ، أو حتى إطلاقِ مبادراتٍ تطوُّعيَّةٍ جماعيَّةٍ. هذه التجاربُ تترسَّخُ في وجدانِ الطفل بوصفها جزءاً من هويَّته العائلية».

وتُبيِّن المستشارةُ: «العطاءُ الحقيقي، يبني تقديراً ذاتياً داخلياً، بينما تبني المكافآتُ الماديَّةُ دافعاً خارجياً مؤقَّتاً. الطفلُ الذي يشعرُ بأنه إنسانٌ قادرٌ على مساعدةِ الآخرين، ينمو بثقةٍ مختلفةٍ تماماً عن الطفلِ الذي ينتظرُ مقابلاً لكلِّ سلوكٍ إيجابي. الفرقُ هنا لا يظهرُ في السلوك فقط، بل ويتجذَّرُ أيضاً في تكوين الشخصيَّة، وطريقةِ رؤيةِ الطفلِ نفسَه والعالم. عندما يتعلَّمُ الطفلُ أن قيمةَ أفعاله مرتبطةٌ بالمكافأة، يبدأ تدريجياً بربطِ السلوك الجيِّدِ بالربح الشخصي، فيُساعد لأنه سيحصلُ على هديَّةٍ، أو يلتزمُ لأنه سيُكافَأ، ومع الوقتِ قد يضعفُ الدافع الداخلي لديه، ويُصبح السؤالُ الأساسي قبل أي سلوكٍ إيجابي: ماذا سأحصلُ مقابل ذلك؟ لكنْ هذا لا يعني أن المكافآتِ أصبحت الوسيلةَ الأساسيَّةَ للتربية، إذ إنها قد تُضعِف قدرةَ الطفلِ على اتِّخاذِ قراراتٍ أخلاقيَّةٍ نابعةٍ من قناعته الداخليَّة». وتتابعُ: «في المقابل يبني العطاءُ ما يُعرف نفسياً بالدافع الداخلي. الطفلُ الذي يُساعد الآخرين، لأنه يشعرُ بالرضا الداخلي، أو لأنه يرى نفسه شخصاً نافعاً، ينمو وهو يربطُ قيمتَه بذاته، لا بما يحصلُ عليه من الخارج، وهذا النوعُ من التقديرِ الذاتي أكثر ثباتاً واستقراراً، فهو لا يعتمدُ على الظروفِ، أو المكافآتِ، أو تقييمِ الآخرين، كما أن العطاءَ يُعزِّز شعورَ الطفلِ بالمعنى، فالمكافأةُ تمنحه سعادةً، أمَّا العطاءُ فيمنحه شعوراً أعمقَ بأنه قادرٌ على إحداثِ فرقٍ في حياة الآخرين».

روح الالتزام والانضباط

حين يقومُ الطفلُ بتقديمِ مساعدةٍ بسيطةٍ لشخصٍ محتاجٍ، يبدأ تدريجياً بالإدراكِ أن العالمَ، ليس مساحةً تتمحورُ حوله فقط، وإنما مساحةٌ إنسانيَّةٌ تفاعليَّةٌ، يستطيع المتطوِّعُ فيها أن يكون عنصرَ خيرٍ وتأثيرٍ. وتقولُ المدرِّبة: «هذا التحوُّلُ الداخلي الصغير، يُشكِّل نقطةً أساسيَّةً في بناءِ الوعي الاجتماعي والعاطفي، ومع تكرارِ تجاربِ العطاء، ينمو داخله شعورٌ بأنه جزءٌ من المجتمع، وأن أفعاله مهما بدت بسيطةً، يمكن أن تصنع فرقاً حقيقياً، وهذا الإدراك المبكِّرُ يُعدُّ حجرَ أساسٍ لشخصيَّةٍ متوازنةٍ، ومتعاطفةٍ، وقادرةٍ على تحمُّلِ المسؤوليَّةِ الاجتماعيَّةِ بثقةٍ ونضجٍ». وتضيفُ: «ليتحوَّلَ العطاءُ في رمضان إلى أسلوبِ حياةٍ، يجبُ ألَّا يُختزلَ في موسمٍ واحدٍ، وألَّا يرتبطَ بالمظاهرِ، أو التفاخر، بل أن نزرعه بوصفه قيمةً إنسانيَّةً، تستمرُّ حتى بعد انتهاء المواسم. التطوُّعُ بدافعٍ ديني، يُعزِّز لدى الإنسانِ روحَ الالتزامِ والانضباط، لأنه يرتبطُ بالشعورِ بالمسؤوليَّةِ الأخلاقيَّةِ والروحيَّة، ويُغذِّي الإحساسَ بالواجبِ تُجاه الآخرين. كذلك، ومن جهةٍ أخرى، التطوُّعُ بدافعٍ إنساني، يُغذِّي الاستمراريَّةَ والعمقَ العاطفي، لأنه ينبعُ من التعاطفِ الحقيقي، والشعورِ بالمشاركةِ الوجدانيَّةِ مع الآخرين، ومن الرغبةِ الصادقةِ في تخفيف معاناتهم، أو إدخالِ الفرحِ إلى حياتهم دون انتظارٍ مقابلٍ. عندما ينشأ المتطوِّعُ وهو يرى هذين الدافعَين متكاملَين أمامه، يتعلَّمُ أن العطاء، ليس مجرَّد التزامٍ، يجبُ القيامُ به، ولا مجرَّد شعورٍ عاطفي عابرٍ، وإنما تجربةٌ إنسانيَّةٌ متكاملةٌ، تجمعُ بين القناعةِ الداخليَّة، والإحساسِ العاطفي العميق، ومع الوقتِ، يترسَّخُ داخله فهمٌ أكثر نضجاً لمعنى العطاء، فيُدرِك أن مساعدةَ الآخرين، ليست واجباً ثقيلاً، ولا فعلاً موسمياً، بل هو اختيارٌ إنساني، يعكسُ هويَّتَه وقيمَه الشخصيَّة. الأشخاصُ الذين ينشؤون على قيمةِ العطاء، يظهر عليهم مستوى أعلى من التعاطف، ومرونةٌ نفسيَّةٌ أفضل، وقدرةٌ أكبر على التعاون، وشعورٌ أقوى بالمسؤوليَّةِ تُجاه الآخرين، وهم في النهاية لا يتذكَّرون عددَ المرَّاتِ التي طلبنا منهم أن يكونوا طيبين، بل يتذكَّرون المرَّاتِ التي رأونا فيها نختارُ الرحمةَ بدل القسوة، والمشاركةَ بدل اللامبالاة». وتختمُ غدير حديثها بالقول: «رمضان ليس فقط موسماً للعطاء، وإنما فرصةٌ ذهبيَّةٌ لتعليمِ العطاء، والأهل ليسوا مجرَّد داعمين لهذه القيمة، بل هم صُنَّاعها الحقيقيون، فالطفلُ الذي يرى العطاءَ في بيته، سيحمله معه أينما ذهب، وسيمنحه للعالم يوماً ما دون أن يُطلَب منه».

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط