مرحلة الشباب هي مرحلة تحقيق الأهداف، ولكن العصر تغير، وباتت الضغوط الاجتماعية والمهنية متسارعة، كما أن سيطرة المنصات الرقمية أثر على تركيز الشباب وقدرته على تحقيق الأهداف.
صحيح أننا كل يوم نتابع مئات القصص الملهمة عن تحقيق الأهداف سواء من خلال قفزات مهنية أو مادية هائلة، لكن عادة ما نسمع عن الاحتراق النفسي الذي يرافق هذا الوصول، وهنا يجب أولاً أن يفهم الشباب معنى النجاح، وأسراره التي تمهد الطريق لتحقيق الذات.
النجاح الأجوف والنجاح الذاتي
تواصلت "سيدتي" مع الدكتورة لجينة باصبرين، كوتش مختصة في التغيير وتحقيق الأهداف، للحديث عن معنى النجاح الأجوف، وقالت في هذا الصدد "المشكلة في المفاهيم التقليدية للنجاح هو أنها تركز على النتائج النهائية، وقد تتجاهل الإنسان. فعندما نركض خلف أهداف لا تشبه قيمنا ولا تعبر عن هويتنا الحقيقية، نصل إلى خط النهاية ونحن غرباء عن أنفسنا، وهذا ما يسمى بـ"النجاح الأجوف"، الذي يمتلك قشرة براقة وقلباً خاوياً".
وأكدت "باصبرين" أن هذا النوع من النجاح يستنزف الروح؛ لأنه يعتمد على "المصادقة الخارجية"، وأوضحت معناها قائلة "أي انتظار التصفيق من الآخرين؛ ليشعر المرء بقيمته".
لكنها عرَّفت النجاح الحقيقي بأنه النجاح الذاتي، وقالت إنه يبدأ بفهم الذات بعمق، وبناء مسار متوازن يتيح تحقيق الطموحات دون التضحية بالمعنى أو الاتزان النفسي. وأضافت "إنه الانتقال من خانة رد الفعل للظروف والضغوط، إلى خانة التصميم الواعي للحياة التي تستحق أن تُعاش".

مبادئ النجاح الخمسة
وقد حددت كوتش لجينة خمسة مبادئ جوهرية تعمل معاً؛ لتوازن دفة الحياة بين الإنجاز الخارجي والسلام الداخلي:
الرؤية الواضحة
قالت كوتش لجينة إن "وضوح الرؤية هو الأساس الذي يُبنى عليه أي قرار داخلي، فبدونه يتشتت الجهد ويتلاشى كالدخان، وتتحول الطاقة إلى حركة بلا تقدم". كما أكدت أن فلسفة النجاح الذاتي، لاتقتصر الرؤية على كتابة قائمة أهداف، بل تمتد إلى فهم الـ"لماذا" العميقة التي تقف خلف كل طموح.
وحين تكتشف هذا الدافع الجوهري، يتغير معنى العمل، فلا يعود مجرد مهمة تُنجز، بل يصبح رسالة تحمل قيمة ومعنى. هذا الوضوح يمنحك حصانة أمام مصادر التشتت في عالم مليء بالخيارات.
الانضباط الواعي
ترى كوتش لجينة أن الحماس يجب ألا يكون المحرك الرئيسي للطموح والأهداف؛ لأنه طاقة عابرة، تتبدل بتبدّل المزاج، بينما "الانضباط الذاتي" هو الوقود الحقيقي الذي يضمن الاستمرار. والانضباط هنا لا يعني القسوة على النفس، بل هو التزام هادئ وواعٍ يدفعك للمضي قدماً عندما تخفت ضوضاء البدايات، وتغيب لحظات التشجيع. وأكدت المختصة أن القمم لا تُصعد بقفزة واحدة، بل تتراكم خطوات متواضعة تتكرر يوماً بعد يوم. وعندما تُقسم طموحك إلى أجزاء يسهل التعامل معها، يتلاشى الخوف من الفشل، ويتحول الإنجاز إلى عادة يومية تنساب بسلاسة دون استنزاف لإرادتك. بهذه الطريقة، تتجنب الإرهاق الذي يصيب منْ يندفعون بلا خطة، وتبني مساراً ثابتاً يقودك نحو أهدافك بثبات وهدوء.
عقلية النمو
النجاح يتطلب تبني عقلية النمو، والتي تعتمد على التكيف وتغيير الاستراتيجية عند مواجهة تحديات، وأشارت كوتش لجينة إلى أهمية التعلم المستمر كركيزة أساسية للنجاح المستدام. وقالت "الناجحون ذاتياً لا يرون الفشل نهاية الطريق، بل محطة مؤقتة لإعادة الضبط والتفكير. وفي هذه اللحظات، يتحول الفشل من خصم يعرقل المسار إلى مستشار يطرح سؤالين مهمين: ما الدرس الذي كشفه هذا الموقف؟ وكيف يمكن تعديل المسار بذكاء أكبر؟". هذه المرونة الذهنية تجعل الأزمات فرصاً للنمو، وتحول الرحلة نحو الهدف إلى مسار تعلم دائم، لا مجرد سباق للوصول.
العادات تبني الهوية
تبرز في هذه المرحلة القوة الخفية للعادات الإيجابية التي يبنيها الشباب يوماً بعد يوم، مثل التخطيط الصباحي أو دقائق من التأمل والقراءة، ومع الوقت تصبح هذه العادات حجر الأساس لاستدامة لا تنكسر. وعندما يبنى النجاح على العادات الإيجابية، فإن الأمر لا يخضع للمزاج، بينما شعور عميق بالاتساق مع الذات، فأنت تنجز لأنك ببساطة أصبحت ذلك الشخص القادر على الإنجاز. وتنصح كوتش لجينة “هذا الزخم هو درعك ضد تقلب المزاج، وهو ما يحول العمل من صراعٍ يومي مع الكسل إلى تدفقٍ مريح ينسجم مع جوهرك”.

التوازن بين الحياة الشخصية والعمل
النجاح الذي يقوم على استنزاف مستمر للصحة أو العلاقات، وهنا تبرز أهمية المهارات الشخصية والاجتماعية كدروع حماية لمسارك المهني والشخصي. التوازن ليس تقسيماً متساوياً للوقت، بل هو توزيع ذكي للطاقة. وقالت كوتش لجينة "إن بناء علاقات داعمة، والقدرة على التواصل بوضوح، ووضع حدود صحية تحافظ على طاقتك النفسية، هي مهارات جوهرية تمنعك من الوصول إلى مرحلة الاحتراق".
النجاح لا يزدهر في بيئات تُضعف تركيزك أو تستنزف جهدك في معارك جانبية. الموازنة الواعية بين العمل والحياة، ومنح النفس حقها في الراحة والاشتغال بالهوايات، يمنح رحلتك بُعداً إنسانياً أعمق، ويجعل إنجازاتك أكثر استدامة، والأهم من ذلك، يجعلها "ممتعة" وامتلاءً بالمعنى.
اقرئي أيضاً مَنْ الأكثر التزاماً وطموحاً الشباب أم البنات؟





